بقلم: د. عصام العريان

أثار فوز حركة المقاومة الإسلامية "حماس" بثلثي مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني أصداء عالية واسعة، وأثبت العرب الفلسطينيون أنهم قادرون دومًا على إثارة إعجاب العالم كله.

 

ليس هناك ذريعة لأحد: فالمشاركة عالية جدًا، والفوز ضخم، والحركة لها برنامج ورؤية واضحة محددة أيَّدها جمهور الناخبين الذين صوَّتوا لصالح مشروع المقاومة الشاملة على كافة الأصعدة: تشريعية، وتفاوضية، ومسلحة، وضد الفساد والانفراد بالقرار الفلسطيني، وضد الخذلان العربي لقضية فلسطين، وضد النفاق العالمي والاستخذاء الدولي أمام الجبروت والعنجهية الصهيونية.

 

هاهم الفلسطينيون يثبتون للعالم العربي والإسلامي أن الديمقراطية والانتخابات قادرة على تحقيق ما لم تستطع الثورات والانقلابات العسكرية تحقيقه وهو الحصول على احترام العالم والبدء في إصلاح ما أفسده الثوريون الانقلابيون.

 

التهنئة هنا واجبة للسيد محمود عباس "أبو مازن" وحركة فتح والسلطة وأمنها الذين أثبتوا أن القرار السياسي والإرادة الحازمة هي حجر الزاوية في أي انتخابات حرة وديمقراطية سليمة.

 

فتح فوز حماس والديمقراطية الفلسطينية ملفاتٍ مؤجلةً في الشارع العربي الإسلامي والدولي لا نستطيع أن نحيط بها في مقال أو مقالات: هناك ملف الصراع العربي (الإسلامي) الصهيوني الذي يجب تحويله إلى ملف الصراع الدولي الصهيوني وأبعاده الحالية والتاريخية، وهناك الملفات الداخية الفلسطينية: محاربة الفساد المالي والإداي، التنمية الشاملة، الإصلاح السياسي والإداري، الوحدة الوطنية، تحقيق الحلم الفلسطيني في دولةٍ ليست عبارة عن علم ونشيد وسجادة في المطارات.

 

هناك دروس للحركات الإسلامية، وتقديم نموذج جاء للتحول من الحركة إلى السلطة وما يفرضه ذلك من آثار، وتداعيات فوز حماس على الحركات العنيفة كذلك ومدى تأثير ذلك على الشباب المندفع إلى تيار العنف، للعنف الذي يحرم العمل السياسي ولا يرى أفقًا في المشاركة.

 

هناك داخل حماس نفسها ملفات مؤجلة بسبب توجيه الصراع نحو هدف واحد وهو مقاومة الاحتلال سياسيًا وفكريًا وعسكريًا، الآن هناك أدوار جديدة، وهناك مستقلون انضموا إلى قوائم الحركة ودخلوا المحل التشريعي وهناك الداخل والخارج وفلسطيني 1948م، أيضًا لا ننسى تداعيات الفوز الكبير للشعب الفلسطيني على مكونات الشعب الأساسية ومنظمة التحرير الفلسطينية.

 

في هذا السياق أبدأ بأهم تداعيات الفوز والنجاح على القضية المحورية للشعب الفلسطيني وهي صراعه من أجل السيادة والاستقلال والوحدة والدولة المستقلة والسيطرة على أرضه وثرواته ومقدراته كلها واستعادة مقدساته.

 

لقد مارس الفلسطينيون نضالاً طويلاً منذ بدأت الهجمة الصهيونية مع بواكير القرن الماضي مرَّ بمراحل متعددة يندب بهم اليوم أن يسترجعوها الآن.. الذاكرة الوطنية والقومية ضرورية في هذه المرحلة الخطيرة، لقد لعب المجتمع الدولي بالعوطف الفلسطينة طويلاً ولم يحقق لهم شيئًا يذكر طوال قرن كامل إلا الاستيلاء على أرضهم ومقدساتهم والتسويف عبر القرارات الدولية التي انتهت إلى مجرد "خارطة الطريق".

 

ولا ينسى الفلسطينون إذا نسى العالم كله أن الاستيلاء على أرضهم تم بقرار دولي وحماية أممية وتواطؤ عالمي وسكوت إسلامي وعجز عربي!!

 

كان شعار منظمة التحرير الفلسطينية في وقتٍ ما ولمدة طويلة: "دولة ديمقراطية واحدة يعيش فيها الجميع على قدم المساواة: فلسطينيون وغيرهم من الوافدين الجدد.. المهاجرون اليهود".

 

كان الادعاء الصهيوني طوال هذه الفترة كرفض هذا الاقتراح أن العرب لا يعرفون الديمقراطية ولا يمارسونها، وأن واحة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة هي "الدولة العبرية" تلك التي تسمح بوجود حركات فاشية عسكرية وأحزاب دينية متطرفة وأخرى علمانية وحركات يسارية ويمينية ويحدث بها تداول سلطة بشفافية عالية: الجميع متفقون على الأهداف الإستراتيجية ولكنهم يمارسون التكتيكات بكفاءة مشهودة؛ حزب العمل بنى الدولةَ وقوتها النووية، وحزب الليكود غرس الضفةَ مغتصبات من أجل تحقيق حلم (إسرائيل الكبرى) في تطور جديد لم يحظ بتوافق وطني ويهودي عام مثلما حصل عند إنشاء الدولة.

 

اليوم وفي صبيحة "العرس الديمقراطي" الفلسطيني لا يستطيع أحد- لا اليهود ولا الغرب بشقيه: الأوروبي الذي صدر لنا الدولة العبرية، والأمريكي الذي حماها وساندها منذ إنشائها إلى يومنا هذا- أن ينكر أن الفلسطينيين مارسوا تجربة ديمقراطية رائدة عالية المستوى لا تقل عن تلك التي بجوارها أو بقية التجارب الغربية.

 

هل يمكننا اليوم العودة إلى حُلم "دولة ديمقراطية واحدة"؟

أمام ذلك الحلم عقبات كثيرة:

أولاً: حلم آخر لحماس بإقامة دولة إسلامية على كامل التراب الفلسطيني ومعه الحلم الفلسطيني بتطهير الأرض من الذين دنسوها بهجراتهم المتوالية والعودة إلى حيفا ويافا وعسقلان وعكا وبيوتهم التي مازالوا يحملون مفاتيحها حتى الآن.

 

ثانيها: حلم إسرائيل الكبرى أو حلم نقاء الدولة العبرية الذي عمل عليه شارون في آخر حياته بعد أن أدرك أن الحلم الأول مستحيل عمليًا.

 

ثالثها: المجتمع الدولي الذي يرفض هذه الفكرة لأنها قد تعني ببساطة عودة الكثير من المهاجرين إلى بلادهم الأصلية، وبذلك يعود العالم إلى المشكلة الأصلية التي تمَّ حلها على حساب العرب الفلسطينيين بتهجير اليهود من بولندا وروسيا وأوربا إلى فلسطين.

 

رابعها: النظام العربي المستبد العاجز الذي لا يملك من أمره شيئًا ويخاف على نفسه من عدوى الديمقراطية الوليدة.

 

لا أنسى محاضرة د. عزمي بشارة في نهاية ندوةٍ عقدها مركز الدراسات الإستراتيجية بالجامعة الأردنية حذر فيها من خطر إقامة دويلة فلسطينية بحدود مصطنعة وهدفها الأساسي هو حماية الدولة العبرية من أي أخطار تهددها خاصة الخطر الفلسطيني: الديموجرافي والحضاري والمقاوم...إلخ.

 

في هذا الصدد يجدر بالإخوة في المجلس التشريعي الفلسطيني الجديد والحكومة الفلسطينية العتيدة وأيضًا الرئاسة إذا أمكن ذلك أن يتعلموا بعض الدروس من الحركة الصهيونية والدولة العبرية؛ فليتحدثوا طويلاً عن مسيرة السلام ودفع عجلة السلام وفي نفس الوقت يعملوا طويلاً على بناء مجتمع فلسطيني قوي ومتحد في سبيل تحقيق أهدافه الوطنية والوصول إلى الحلم الفلسطيني.

 

لا يجب التلهف على مفاوضات أو حوارات أو طرق أبواب اليهود أو أوربا أو أمريكا: فليسعى الجميع إلى الباب الفلسطيني الواسع الذي فتحته الانتخابات الديمقراطية.

 

الآن الواضح أنه ليس هناك شريك صهيوني يقبل التفاوض مع الطرف الفلسطيني الذي فاز في الانتخابات.. الكرة الآن في الملعب الصهيوني والأوروبي والأمريكي، الأولوية الآن لبناء إستراتيجية فلسطينة جديدة تكون محل اتفاق بين كل الشعب الفلسطيني، محور هذه الإستراتيجية هو الاتفاق على الحلم الفلسطيني: تحرير كامل التراب الوطني، والاتفاق قدر الإمكان على مراحل تحقيق ذلك الحلم، والتوافق على آليات ذلك بقدر المستطاع.

 

الثوابت الفلسطينية محل اتفاق الجميع ويجب تثبيتها من جديد وإضافة ما يستجد عليها:

- تحريم الاقتتال الفلسطين فالدم الفلسطيني حرام.

- مقاومة الفساد المستشري.

- تنمية المجتمع الفلسطيني.

- التواصل بين كافة مكونات الشعب الفلسطيني.

- الديمقراطية وتداول السلطة.

- الحوار الدائم حول كافة القضايا.

- العمل على تعميق البُعد العربي والإسلامي لمساندة الشعب الفلسطيني.

 

رسالة واضحة للمجتمع الدولي

يمكن أن نضيف إلى حلم الدولة الديمقراطية الواحدة التي تتسع للجميع حلمًا آخر وهو "حلم بلاد الشام الواسعة" التي تشمل كما كانت من قبل سوريا وفلسطين والأردن ولبنان، وهذا حلم آخر يستطيع أن يحل مشاكل معقدة بدت بوادرها الآن في الأفق.

 

أعتقد- جازمًا- أن بداية النهاية للهجمة الصهيوأمريكية والتي تصورت أن العرب خرجوا من التاريخ قد بدأت مع انتخابات 25 يناير لعام 2006م بعد مائة وعشر سنوات على بداية الحلم الصهيوني بإقامة الدولة العبرية.. لا مكان الآن لفكرة الدولتين التي حلم بها بوش، ولا مكان بعد اليوم لحكم دولة عبرية نقية حلم بها شارون.