القرآن فوق الدستور عنوان المقال الثاني في مجلة الدعوة بعد عودتها للصدور منذ حوالي ثلاثين عامًا، وجُلت وأنا أسطر العنوان؛ لأن الناس عامةً والإخوان خاصةً اعتادوا عنوانًا آخر: (القرآن دستورنا)، وهو شعار أدى دوره في مواجهة ما وقع من شحن مشاعر الناس وجمعها حول فكرة (الدستور) الذي ألقت به بريطانيا العظمى في صورة (منحة) من ملك البلاد وقتها (الملك فؤاد الأول) لإلهاء المصريين عن المطالبة بجلاء القوات المحتلة، وذلك عام 1923 - بعد هدوء الأوضاع إثر ثورة 1919، وليقع الانقسام في الصفوف للفوز في الانتخابات والالتهاء بها.

 

أدى الشعار دوره (القرآن دستورنا) حتى يلتفت المصريون إلى أن أسمى ما يمكن أن يجتمعوا عليه هو القرآن، وأن القرآن بما تضمنه من أحكام في جميع الميادين يحل محل الدستور الوضعي الذي تتكاتف عليه الأحزاب.

 

كانت صرخة (القرآن دستورنا) التي أطلقها حسن البنا- رحمه الله- صالحة في ذلك الوقت حتى لا يقتتل الناس من أجل الدستور الوضعي، وليعرفوا قيمة القرآن الذي بين أيديهم.. وأنه ليس مجرد كتاب (مقدس) للبركة.. يوضع في الجيوب وفي البيت وفي السيارات..!

 

- وخلال أربعين عامًا هي المدة بين إطلاق الصيحة الأولى (القرآن دستورنا) والصيحة الثانية (القرآن فوق الدستور) كان الأمر قد استقر في وجدان الناس أن القرآن نزل ليحكم بين الناس، فضلاً عما فيه من ميزات أخرى (يُقرأ بكل حرف عشر حسنات.. ويقرأ به في الصلوات.. وفي صلاة الليل ﴿وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (الإسراء: 79).

 

- ومع تداعي الناس إلى اتخاذ (دستور) إسلامي تكون صياغته بمواد مصرية كمواد الدساتير (الوضعية) والقوانين، ومع اقتراب تحقق هذا الأمل خَشي صاحب هذا القلم أن يقع التعارض والبلبلة في أذهان الناس بين (دستور إسلامي) موضوع، وبين كتاب الله وهو الذى يُنادى به (كدستور).. فسارع إلى كتابة المقال (القرآن فوق الدستور) الذي نُشر في المقال الافتتاحي في أول عددٍ لمجلة الدعوة (المصرية) بعد عودتها للصدور، وخَشي صاحب المقال أن يظن به! لكن رئيس تحرير المجلة الأستاذ (عمر التلمساني) المرشد الثالث للإخوان المسلمين، وضع المقال بعد الافتتاحية ودون تعقيبّ فدل ذلك على أمور:

 

أولهما: رضا الله ثم رضا المرشد الثالث بالصيحة.

 

ثانيهما: سعة الصدر وسعة الأفق.

 

الأمر الثالث: الحاجة إلى بيان الموقع الحقيقي للقرآن... إنه فوق كل تشريع.. ولو كان دستورًا.

 

وأمر رابع يفهمه العاملون في المجال القضائي والقانوني: إمكان الطعن على أي مادة ولو دستورية.. إذا خالفت نصوص القرآن.

 

ومصادر قوة (القرآن فوق الدستور) هي:

 

 القرآن فوق كل شيء

أولاً: أن المشروعية الإسلامية.. في بلد كمصر هي المشروعية العليا فوق كل النصوص، ولو كانت دستورية؛ ذلك أن الفقه الحديث تواضع على إعلاء (المشروعية العليا) فوق كل النصوص دون حاجه إلى النص عليها، وهي مشروعية تمثل قيم الأمة ومُثلها التي عاشت في وجدانها، وليس أرفع ولا أسمى ولا أعمق من قيم الإسلام ومثله عاشت في وجدان هذه الأمة طول قرون، ومن ثم كان حقًا أن ترتفع المشروعية الاسلامية العليا في مصر فوق كل النصوص.

 

ثانيًا: أن مجموع النصوص التي تتصدر الدستور، ولها قيمة المشروعية بنصها على أن الاسلام دين الدولة، والشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع...

 

ثالثاً: أن القرآن.. تنزيل من الخالق، والدستور صنع من المخلوق ولا يستويان! ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ..﴾ (النحل: من الآية 17).

 

* ومن هنا كانت صيحة (القرآن فوق الدستور) إكمالاً لصيحة (القرآن دستورنا)

 

أو تفسيرًا لهذه الصيحة!

وكم كان سروري أن تهتف بها الجماهير الهاردة في الانتخابات الأخيرة (الإسلام نور نور- القرآن فوق الدستور) بَقيَ أن نقول أو نجيب: لمَ استحق القرآن أن يكون (دستورًا)... فضلاً عن أن يكون (فوق الدستور)؟! وذلك من الناحية الموضوعية وهي إجابة غير مباشرة على من تساءلوا لمَ كان (الإسلام هو الحل)؟!

 

أول ما يلحظه من يقرأ كتاب الله بحيْدةٍ وإنصاف.. هو (سُمُوه) و(عُلوه) على كل تشريع وضعي.. قانونيًا كان أو دستوريًا... ولا غرابة فالأول من عند الله (الخالق) والثاني من عند البشر (المخلوق) ولا يستوي المخلوق مع الخالق كما قدمنا.

 

وثاني ما يلحظه.. هو إحاطة كتاب الله بما لا يحيط به تشريع بشري وهي إحاطة مصدرها اختلاف (علم) الله عن (علم) البشر؛ فعلم الله يتناول الماضي والحاضر والمستقبل، وعلم البشر مهما اتسع لا يصل إلى المستقبل لأنه غيب، ولا يعلم الغيب إلا الله... فضلاً عن أن علم الخالق أوسع وأعمق من علم المخلوق!

 

وثالث ما يلحظه.. هو الاتساق، وعدم التعارض أو التناقض، بينما يقع التشريع البشري في الكثير من التعارض والتناقض وهو مصداق قوله ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ (النساء: 82).