ربما يكون هذا العام ونحن على أبوابه أكثر إحباطًا على الشعبِ الأمريكي من الأعوامِ السابقة، فقد اعتُبر العام الماضي (2005م) أكثرَ الأعوام إحباطًا للشعب الأمريكي حسب دراسات أجرتها مراكز الاستطلاعات الأمريكية، أشارت إلى أنَّ معدل الإحباط لدى المواطن الأمريكي في ازديادٍ، فيما سجَّل العام الماضي أعلى مستوى من مستوياتِ الإحباط لدى المواطن الأمريكي منذ بداية التسعينيات.

 

أما أسباب الشعور بالإحباط لدى الأمريكيين فهي كثيرة، في مقدمتها الإدارة السيئة للدولة العظمى، فضلاً عن المشاكلِ الداخلية الكبرى التي قد تُنهك النظام الأمريكي العريق وتُقعده عن رئاسة العالم!!

 

إنَّ الإدارةَ الأمريكية بعيدةٌ كل البعدِ عن التفكير في حياةِ المواطن الأمريكي، فالاستطلاعات تحمل مؤشراتٍ خطيرةٍ ومستقبلاً مخيفًا للمواطن الذي يعيش في كنفِ الدولة العظمى؛ حيث أكدت هذه الاستطلاعات أنَّ المواطن الأمريكي يُعاني من مشاكلَ كثيرة، منها مشاكل ناتجة عن التأمين الطبي له ولأسرته ومشاكل ناتجة عن ازديادِ حالات البطالة بين الشباب الأمريكي، فضلاً عن المشاكل الناتجة عن ارتفاعِ أسعار الوقود، إضافةً إلى المشاكل النفسية لدى الأمريكيين التي لا تنتهي، فجلُّ هذه المشاكل سببها الإدارة البائسة للولايات المتحدة فهي لا تضع في موازينها وحسبانها هذه المشاكل، وتنظر إليها على أنها مشاكل داخلية  بسيطة لا تؤثر على الولايات المتحدة.

 

إنَّ استطلاعاتِ الرأي الأمريكية الدورية أظهرت ازدياد المشاكل الاجتماعية وتراكمها لدى الطبقة الشعبية الفقيرة في الولاياتِ المتحدة، فنسبة 56% ممن شملتهم الاستطلاعات الأخيرة تقول إنهم تعرضوا سنة 2005م لضغوط نفسية كثيرة أكثر مما تعرَّضوا له في العام 2004م والأسباب والمشاكل ذاتها هي المشاكل الداخلية المتمثلة في البطالةِ والفقر وغيرها من الأمور.

 

ما يحدث لدى المواطن الأمريكي من شعورٍ بالإحباطِ الكبير ليس غريبًا، خاصةً عندما يَنظرُ الأمريكيون إلى بلادِ الجوار الغربية وإلى بلدان الاتحاد الأوروبي كيف ينعَمون بالعيشِ في اتحادٍ كاملٍ يحفظُ لهم كافة الحقوق ويضع الفردَ على رأسِ أولوياته وأجندته وبرامجه، بينما يعيشون دومًا تحت مظلةِ الخوف من تكرارِ هجمات الحادي عشر من ديسمبر والإرهاب وشبكة القاعدة، وسبب إحباط الأمريكيين هو "ظلم أمريكا"، فالظلم الأمريكي الواقع على شعوب العالم سببه سياساتُ العظمة الأمريكية وسياسات العنجهة.. الأمر الذي يُشكِّل أزمةً كبيرةً لدى الإدارة الأمريكية، ويلهيها عن متابعة هموم الشعب الأمريكي وحل مشاكله؛ مما يُنذر بفاجعةٍ كبرى وهي ثورة أمريكية شعبية كبيرة من أجل تحسين أحوال المواطن الأمريكي.

 

ما يدور في أروقةِ مجلس الشيوخ الأمريكي هو غضبٌ عارمٌ لسياساتِ التخبط وسياسات الغباء التي تحياها الإدارة الأمريكية، فهي يوميًّا تخسر في حربها على العراق والإرهاب  مئات الجنود الأمريكيين، فضلاً عن مشاكل الإدارة الأمريكية مع عددٍ كبيرٍ من الدولِ، فها هي تصعِّد من إجراءاتها التعسفية والقمعية ضد سوريا، وتهدد بمصير مجهول لإيران، وتعمل على توسيع السجون الأمريكية في العراق وسجونها في جوانتانمو، وبمجرَّد أن يحدث طارئٌ أو أي كارثة لا تَعرف أمريكا العظمى كيف التعامل معها!!

 

فإعصار كاترينا الذي يُعدُّ من أسوأ الكوارث الطبيعية في العام المنصرم التي حدثت في أمريكا أثبتَ أنَّ أمريكا ضعيفةٌ ومهلهلة، هذا الإعصار الكبير الذي ضرب مدينة أورلينز الساحلية خلَّف آلاف القتلى وقُدِّرت أضرارُه ما بين 80 إلى 200 مليار دولار، أحدثَ هذا الإعصار مجاعةً كبرى وفقرًا مدقعًا وسرقاتٍ كثيرةً في أمريكا العظمى بلد النظام والحضارة العالمية!!

 

إنَّ عدم مقدرة الولايات المتحدة الأمريكية على مواجهةِ كوارثها يُؤكد ما تُعانيه أمريكا من سياسات داخلية منهكة ونظام ضعيف مهلهل، تُسيطر عليه إدارة بائسة، فضلاً عن أنَّ هذا النظام يدخل في دوامةِ المنافسة العالمية، فكثير من الأنظمة تعمل على تجهيز نفسها من أجل أن تحل محله لتقود العالم وتغير من خارطته الأمريكية.

 

ونظرة إلى التعليمِ ومؤسساته في الولايات المتحدة نجد أنَّ الإحصائياتِ الصادرة عن لجنة متابعة شئون التعليم في مجلس الشيوخ الأمريكي تُقِرُّ بوجود ضَعفٍ عام لدى الطلبة الأمريكيين في مادة الرياضيات والفيزياء، هذه المواد التي تعتبرها أمريكا من أكثرِ المواد العلمية أهميةً من أجل بناء الجيل الأمريكي القادم الذي سيقود العالم إلى برِّ الأمان؟!

 

سيحبط الأمريكيون أكثر عندما يعلمون أنَّ نظامهم الأمريكي سيتهاوى من شدةِ الضرباتِ  الموجعة التي تُوجَّه إليه، كما ستعلن أمريكا عن هزيمتها في العراقِ كما أعلنت هزيمتها في فيتنام، وسيهرب الجيش الأمريكي من العراق وأفغانستان يجرُّ أذيالَ الهزيمة والعار.

 

إنَّ آخرَ ما صدرَ عن قيادةِ الجيش الأمريكي "سَيُحبط الأمريكيون أكثر"، فها هي أمريكا تُعلن أنها ستتوسع في انتهاكاتها لحقوقِ الإنسان وللمواثيق والمعاهدات الدولية العالمية، فقد قررت القوات الأمريكية في العراق- أخيرًا- العمل على توسعةٍ كبيرةٍ للسجونِ العراقية ليقترب عدد السجناء من 15 ألف سجين، ومع هذا الحجمِ الهائل من السجناءِ تزداد نفقات الولايات المتحدة عليهم وعلى الحرب العراقية بمجملها.. هذا في العراق فقط، فما بالكم بباقي الدول وكيف تكيد لها أمريكا المكائد؟! هذه المكائد تجرُّ على أمريكا الكثير من المشاكل الكبرى!!

 

إنَّ المشاكلَ العالميةَ الكبرى التي تواجه الولايات المتحدة يوميًّا والتحديات الزمنية المتراكمة على الإدارةِ الأمريكية ستفقدها وعيَها وقواها على مجابهةِ المشاكلِ الداخلية لدى المواطن الأمريكي المتمثلة في الفقر وازدياد البطالة وارتفاع أسعار الوقود من ناحيةٍ وعلى مواجهة المواطن الأمريكي من ناحيةٍ أخرى.. فمن هنا أُبَشِّر الأمريكيين بازديادِ نسبة الإحباطِ لديهم في هذا العام 2006م.