مذكرة بدفاع

السيد المهندس/ محمد خيرت سعد عبد اللطيف الشاطر  (معترض عليه)

ضــــــد

السيد/ أبو العز حسن علي الحريري (معترض)

في الاعتراض المقدم أمام اللجنة

حيث تقدم المعترض باعتراضه طالبًا استبعاد المعترض عليه من قائمة المرشحين لمنصب رئيس الجمهورية وما يترتب على ذلك من آثار استنادًا إلى أنه لم يُرد إليه اعتباره- بقوة القانون- ومن ثم يكون محرومًا من حقوقه السياسية وفقًا للقانون.

 

ويقتضي منهج البحث السليم للرد على الاعتراض المقدم إلى التعرض إلى- مدلول العفو، وكذلك رد الاعتبار؛ حتى يتسنى لنا تحديد مقطع النزاع على النحو التالي:-

 

أولاً: العفو (أنواعه وحجيته)

* العفو الشامل: هو رفع صفة التجريم عن الفعل، ولا يتعلق بشخص، ولا يكون إلا بقانون صادر عن السلطة التشريعية.
(والحالة المعروضة لا تتعرض له لأننا لسنا بصدده)

 

* إسقاط العقوبة:- وهو "العفو عن العقوبة" وقد تكفل ببيانه نص المادتين "74، 75" من قانون العقوبات، وحالات العفو عن العقوبة.

 

حيث نصت المادة 74 من قانون العقوبات على أن "العفو عن العقوبة المحكوم بها يقتضي إسقاطها كلها أو بعضها، أو إبدالها بعقوبة أخف منها مقررة قانونًا، ولا تسقط العقوبات التبعية ولا الآثار الجنائية الأخرى المترتبة على الحكم بالإدانة ما لم ينص في أمر العفو على خلاف ذلك".

 

كما نصت المادة 75 فقرة 3 على أن "العفو عن العقوبة أو إبدالها إن كانت من العقوبات المقررة للجنايات لا يشمل الحرمان من الحقوق والمزايا المنصوص عليها في الفقرات الأولى والثانية والخامسة والسادسة من المادة 25 من هذا القانون، وهذا كله إذا لم ينص في العفو على خلاف ذلك".

 

استطراد: "مفهوم العقوبة" وفقًا لقانون العقوبات فإن العقوبات أقسام وهي:-

أ- القسم الأول: العقوبات الأصلية- وهي "الإعدام، الأشغال الشاقة، السجن، الحبس، والغرامة".

ب- القسم الثاني:- العقوبات التبعية- وهي "الحرمان من الحقوق والمزايا، العزل، المراقبة والمصادرة".

ج- الآثار الجنائية الأخرى- "فقدان الثقة والاعتبار".

 

وعليه

فإن الحالة المعروضة:- هي حالة إسقاط كامل للعقوبة ومشتملاتها؛ حيث نص القرار بالإعفاء على (إعفاء المهندس/ محمد خيرت سعد عبد اللطيف الشاطر من العقوبات المحكوم بها عليه كافة، وسقوط العقوبات التبعية كافة، والآثار الجنائية الأخرى المترتبة علي الحكم)

 

هكذا جاء النص (مستند رقم 1 بحافظة المستندات المقدمة منا).

وبالاطلاع على القرار يتضح بجلاء أنه استند على نص المادة 75 من قانون العقوبات، والتي نصت صراحة على إسقاط العقوبات التبعية - ومحو الآثار الجنائية المترتبة علي الحكم والمنصوص عليها بالمادة 25 عقوبات.

 

وبالتالي فإن إزالة المانع الذي يحول دون مباشرة الحقوق السياسية تم بحكم القانون.

 

ولما كان من المستقر عليه في قضاء محكمة النقض أنه:ـ (إذا كان النص واضحًا جلي المعني قاطع الدلالة على المراد منه فإنه لا يجوز الخروج عليه أو تأويله؛ لأن البحث في حكمة التشريع واستخلاص قصد الشارع لا يكون له محل إلا عند غموض النص أو وجود لبس فيه).

 

(راجع حكم محكمة النقض، الدائرة المدنية، جلسة 30 مارس 1972م مجموعة النقض المدني 23-93-601 مشار إليه أ.د/ محمد لبيب شنب المدخل لدراسة القانون، دفعة 1995، ص 210)

 

ولما كان مفاد ما سبق ذكره من نصوص المواد 74، 75 وفق ما استقر عليه فقه القانون الجنائي أن :ـ (نطاق العفو عن العقوبة يتسع لجميع العقوبات الأصلية، ولكنه لا يتسع للعقوبات التبعية والتكميلية إلا بموجب نص صريح في قرار العفو).

(راجع أ.د/ محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات - القسم العام (ط 5) بند رقم 1022، ص 887).

 

وفي هذا المنحني أيضًا قضت محكمة النقض بأنه:ـ (إن أمر العفو عن العقوبة المحكوم بها وإن شملت العفو عن العقوبات التبعية والآثار الجنائية المترتبة عليها، فإنه على أي حال لا يمكن أن يمس الفصل في ذاته).

 

(راجع الطعن رقم 3 لسنة 1956م، نقابات- جلسة 4/2/1958 س9، صـ1 ،للمستشار/ الصاوي يوسف الصاوي، الجزء الثالث صـ 656)

 

وإذا استقر الفقه الجنائي على أن قرار العفو عن العقوبة يسقط العقوبات التبعية والآثار الجنائية الأخرى المترتبة على الحكم بالإدانة وفق نص المادة 74، 75.... فقد ذهب الفقه بالنسبة لهذه الآثار بأنها ذات الآثار التي تترتب على رد الاعتبار بالنسبة لسقوط العقوبات التبعية والتكميلية.

 

حيث قرر الفقه (من خصائص الإدانة بالنسبة للمستقبل أن يعتبر المحكوم عليه بدءًا من تاريخ حصوله على رد اعتباره في مركز شخص لم يجرم... ولم يحكم عليه بعقوبة ما- فتسقط عنه جميع العقوبات التبعية والتكميلية، بالإضافة إلى الالتزام بتنفيذ العقوبة الأصلية الذي يفترضه ابتداء رد الاعتبار).

(راجع أ.د/ محمود نجيب حسني، المرجع السابق بند رقم 1040 ص 899)

 

ولعل يتفق في هذه الآثار بين العفو عن العقوبة إذا اشتمل على العقوبات التكميلية والتبعية والاعتبار مع آثار العفو الشامل- وفي ذلك استقر الفقه على أنه (إذا أصدر العفو الشامل بعد الحكم البات زال ذلك الحكم بأثر رجعي فتنقضي جميع أثاره سواء في ذلك العقوبات الأصلية أو التبعية أو التكميلية أو سائر آثاره الجنائية.)
(راجع أ.د/ محمود نجيب حسني المرجع السابق بند رقم 1046، ص 901)

 

ثانيًا:- إسقاط العقوبات التبعية وإزالة الآثار

ومن ثم استعادة كافة الحقوق السياسية والمدنية

أما عن إزالة الآثار واستعادة الحقوق- فإنه من المستقر قانونًا وفقهًا وقضاء، قولاً واحدًا أن الحكم الصادر بالإدانة في الجناية وبعض الجنح يترتب عليه فقد الثقة والاعتبار بقوة القانون.

 

بيد أن القانون قد نظم أربعة طرق لمحو الآثار واستعادة الحق في ممارسة كافة الحقوق السياسية والمدنية، وليس طريقًا واحدًا وهي:-

1- صدور قانون من السلطة التشريعية المختصة بالعفو الشامل... ومقتضى العفو الشامل كما أسلفنا انحصار فكرة التجريم عن الفعل... وبالتالي يصبح مباحًا... وهذا لا يكون إلا بقانون، وفي هذه الحالة يرد الاعتبار فورًا وبدون إجراءات.

 

2– أن يصدر قرار بإسقاط العقوبات الصادرة بحقِّ الشخص إسقاطًا جزئيًّا أو كليًّا وفق مدلول نص المادتين "74، 75" عقوبات.

وهذا المسلك يستوجب... نصًّا صريحًا... من السلطة المختصة متضمنًا العقوبات التي أسقطها القرار (الأصلية والتكميلية والتبعية والآثار الجنائية الأخرى)

 

وفي هذه الحالة ينفذ القرار وفق منطوقه.

3- رد الاعتبار القضائي- وفقًا لمدلول نص المادة "537" إجراءات جنائية - ومن حالاته:-

أ. أن يتم تنفيذ العقوبة المقضي بها.

 

ب- العفو عن العقوبة المقضي بها أو بعضها أو إبدالها بعقوبة أخف منها (المادة 74 عقوبات) ومن المعلوم أن قضاء العقوبة أو العفو عنها لا يمحو الآثار الجنائية المترتبة عليها (ما لم ينص في العفو على خلاف ذلك) يراجع نص المادتين (74 ، 75 عقوبات).

 

ومن ثم فإنه يلزم لرد الاعتبار في هذه الحالة محوًا للآثار الجنائية المترتبة على العقوبة المنفذة أو المعفاة دون الآثار الجنائية الأخرى، وأن يسلك طريق طلب رد الاعتبار أمام المحكمة المقرر بقانون الإجراءات الجنائية طبقًا لنص المواد (536 وما بعدها).

 

ج- سقوط العقوبة بمضي المدة دون تنفيذها أو العفو عنها- بما يحول دون تنفيذها- علمًا بأن عدم تنفيذ العقوبة بالتقادم لا يمنع من بقاء الآثار الجنائية الأخرى المترتبة عليها، والتي لا تمحى- دون اتخاذ إجراءات رد الاعتبار المقررة بقانون الإجراءات الجنائية سالفة الذكر.

 

د- سقوط العقوبة بوفاة المتهم، وبداهة أن سقوط العقوبة بالوفاة لا ينفي الآثار الجنائية المترتبة على العقوبة.

وجميع هذه الحالات ( أ ، ب ، ج ، د ) هي حالات رد الاعتبار القضائي والمقررة بقانون الإجراءات الجنائية.

 

4- رد الاعتبار بقوة القانون- ويقع في الحالات المقررة بمقتضى نص الفقرة الأولى والثانية من المادة (550 إجراءات جنائية).

 

صفوة القول

أن الشخص يفقد الثقة والاعتبار ويفقد الحق في ممارسة كافة حقوقه السياسية- بمجرد صدور حكم ضده بالإدانة في جناية، ولكنه يستطيع أن يسترد ذلك بواحدة من الوسائل الأربعة:-

1- صدور قانون بالعفو الشامل.

2- أمر عفو كامل من السلطة المختصة ينص فيه صراحة على إسقاط العقوبات الأصلية والتبعية والتكميلية وكافة الآثار الجنائية الأخرى المترتبة على الحكم.

(وهي الحالة... مثل حالتنا الماثلة)

3- رد الاعتبار بحكم قضائي في الحالات المبينة سلفًا.

4- رد الاعتبار بقوة القانون.

ثالثًا:- الرد على الاعتراض المقدم.

الوجه الأول

بالاطلاع على الاعتراض المقدم من المعترض... والذي يتحصل في زعمه.... بأن المعترض عليه لم يرد إليه اعتباره بقوة القانون- ومن ثم يكون محرومًا من حقوقه السياسية.

 

ومن ذلك يتضح للوهلة الأولى اختلاط الفهم القانوني لردِّ الاعتبار وحالاته وإجراءاته والتباس حالة صدور قانون "العفو الشامل"... وبين حالة رد الاعتبار القضائي.

 

(دون إدراك، أو تعمد إسقاط بقية الحالات الأخرى) بما يؤسس لعدم الاطلاع الصحيح على الحالة المعروضة من حيث صحة الوقائع ولا صحيح القانون.

 

وحيث فسدت مقدمات الاعتراض وما انبنى عليه، فقد خلص بحكم المنطق القانوني واللزوم العقلي إلى نتيجة فاسدة بما يتعين معه الالتفات عن هذا الاعتراض.

 

الوجه الثاني

وحيث إنه لما كان الثابت بعد الاطلاع على مضمون القرار الصادر بالعفو عن المعترض عليه المهندس/ محمد خيرت سعد عبد اللطيف الشاطر، بأنه قد تضمن نصًّا صريحًا مؤداه (إعفاؤه من كافة العقوبات المحكوم بها عليه، وإسقاط كافة العقوبات التبعية والآثار الجنائية الأخرى المترتبة على الحكم الصادر ضده في القضية رقم 2 لسنة 2007م جنايات عسكرية إدارة المدعي العام العسكري).

 

فإنه لما كان ذلك وكانت المادة 75 من قانون العقوبات الفقرة الثالثة تنص على (أن العفو عن العقوبة أو إبدالها إن كانت من العقوبات المقررة للجنايات - لا يشمل الحرمان من الحقوق والمزايا المنصوص عليها في الفقرات الأولى والثانية والخامسة والسادسة من المادة 25 من هذا القانون، وهذا كله إذا ما لم ينص في العفو على خلاف ذلك).

 

وهو ما استقر عليه القضاء في تطبيقاته؛ حيث إنه ولئن كان الأصل أن العفو عن العقوبة يقتصر على إسقاط العقوبة الأصلية التي تقرر العفو عنها ولا يمتد أثره إلى العقوبات التبعية والتكميلية، إلا أنه يجوز أن يتضمن قرار رئيس الجمهورية الصادر بالعفو نصًّا صريحًا يقضي بزوال العقوبات التبعية والتكميلية المترتبة على العقوبات الأصلية، وإذ قضي قرار رئيس الجمهورية رقم 128 لسنة 1960م المشار إليه بالعفو عن العقوبات المحكوم بها من محكمة الثورة، ولم يقتصر على العقوبة الأصلية المحكوم بها من تلك المحكمة، وإنما أضاف إلى ذلك أيضًا العفو عن "كافة الآثار والعقوبات التبعية المترتبة عليها".

 

ومن ثم فإن جميع الآثار التي ترتبت على الأفعال التي نسبت إلى المدعين تكون قد انقضت ومحيت تمامًا بصدور قرار العفو رقم 128 لسنة 1960م ممن يملك إصداره وهو رئيس الجمهورية، كما أن المادة الثانية من هذا القرار قضت بإلغاء قرار مجلس قيادة الثورة الصادر في 4/4/1954م والذي كان يقضي بحرمان بعض الأشخاص من مزاولة حقوقهم السياسية، وبالتالي أصبح للمدعين الحق في مزاولة حقوقهم السياسية شأنهم في ذلك شأن سائر المواطنين".

 

(ق. د12/2/1984م، ق 1548، س 38 – حكم غير منشور / ق . د 25/12/1979 ، ق 1593 ، س 32 – حكم غير منشور" مرجع دور مجلس الدولة المصري في حماية الحقوق والحريات العامة المجلد 2 و3 د/ فاروق عبد البر ص: 1502 ، 1503).

 

وهو ذات الاتجاه الذي سار عليه الشراح إذ أورد أ.د/ السعيد مصطفى السعيد- كتاب شرح قانون العقوبات القسم العام ص 806 ما هو "ومع ذلك يجوز أن ينص في أمر العفو على أن يشمل أيضًا هذه العقوبات التبعية والآثار الجنائية المترتبة على الحكم (74 ، 75 من قانون العقوبات) وهو حكم جديد في القانون لم يكن موجودًا في قانون 1904م ويؤدي عملاً إلى أن العفو عن العقوبة ينتج من حيث آثاره في العقوبة النتائج نفسها التي ينتجها العفو عن الجريمة".

 

وبإنزال ما تقدم على نص العفو نجد تطابقًا تامًّا لفظًا وترتيبًا ومبنًا ومعنًا والقاعدة أنه مجال لاجتهاد لما فيه نص.

 

الوجه الثالث

تقضي المادة 547 إجراءات بأنه "لا يجوز الحكم برد اعتبار المحكوم عليه إلا مرة واحدة".

 

ولما كان المعترض عليه قد تقدم بطلب رد اعتباره عن الآثار الجنائية المترتبة على الحكم الصادر ضده قبلاً، في القضية رقم 8 لسنة 1995م جنايات عسكرية إدارة المدعي العام العسكري، تأسيسًا مع خلو ساحته وبياض صفحته من أي آثار جنائية مترتبة على الحكم الصادر في القضية رقم 2 لسنة 2007م جنايات عسكرية سالفة البيان، وقدم أمام المحكمة أمر العفو الذي بمقتضاه محيت كافة الآثار الجنائية مع الحكم الصادر به العفو.

 

وبناءً على ذلك حكمت المحكمة العسكرية العليا بجلسة 13/3/2012م حكمًا برد اعتباره عن الحكم في القضية " 8 لسنة 1995م" جنايات عسكرية عليا.

 

وبناءً على ذلك

فقد حاز العفو الكامل المسقط والمزيل لكافة الآثار الجنائية بأمر العفو سالف البيان حجيةً قانونية تضمنها الحكم القضائي برد الاعتبار بما يحول دون مناقشته مرة أخرى أو إثارته بأي وجه من الوجوه.

 

وبذلك

أصدرت مصلحة الأدلة الجنائية صحيفة الحالة الجنائية للمعترض عليه خالية كما ورد فيها نصًّا "لا يوجد أحكام مسجلة ضده" وتم تسليم الأصل للجنة الموقرة ضمن أوراق ترشحه، وذلك نفاذًا لأمر العفو الكامل وحجية الحكم القضائي.

 

استطراد: هل يشترط نشر القرار الصادر بالعفو عن كافة العقوبات الأصلية، وإسقاط كافة العقوبات التبعية والتكميلية والآثار الجنائية الأخرى للمعترض عليه:ـ

 

وقد يتساءل البعض عن نشر قرار العفو من عدمه– والرد على ذلك أنه يحكم نشر القوانين بمعناها الواسع نص المادة 188 من دستور 1971م المعطل؛ حيث جرى نصها على الآتي (تنشر القوانين في الجريدة الرسمية خلال أسبوعين من يوم إصدارها ويعمل بها بعد شهر من اليوم التالي لتاريخ نشرها إلا إذا حددت لذلك ميعادًا آخر).

 

أما في الإعلان الدستوري الصادر يوم 30 من مارس 2011م فقد خلا من ثمة قواعد لنشر القوانين، ولعل من نافلة القول أن القواعد العامة باعتبار أن قرار العفو يعد قرارًا رئاسيًّا من قبيل القانون الذي يخضع لقواعد النشر التي كان ينص عليها دستور 1971م المعطل في المادة 188 منه (مع الوضع في الاعتبار أنه ليس كل قرار جمهوري صادر من رئيس الجمهورية يتضمن قواعد تنظيمية عامة).

 

فهناك من تلك القرارات التي تتضمن قواعد تنظيمية عامة مثل تلك التي تصدر بإنشاء وتنظيم المرافق العامة عملاً بأحكام المادة 146 من دستور 1971م المعطل، فهنا يستوجب خضوعه لقواعد النشر المقررة بالمادة 188 سالف الإشارة إليها، أما إذا لم يكن القرار الصادر من رئيس الجمهورية لا يتضمن قواعد عامة مجردة فلا يخضع إلا للقواعد العامة في نشر القرارات الإدارية.

 

(راجع الفتوى الصادرة من الجمعية العمومية للفتوى والتشريع ملف رقم 21 لسنة 1975م جلسة 16/5/1975م، وملف رقم 30 لسنة 1975 جلسة 11/3/1975م مشار إليهما اختصاص مجلس الدولة، للمستشار الدكتور/ محمد ماهر أبو العينين ص 524).

 

وبالترتيب على ذلك فإن القرار الصادر بالعفو عن المطعون ضده يخضع لوسائل العلم بالقرارات الإدارية؛ حيث استقر الفقه والقضاء على أنه (تتحدد وسائل العلم بالقرارات الإدارية في القانون الإداري بثلاث وسائل.

 

1- النشر: إذ هو اتباع الإدارة الشكليات المقررة لكي يعلم الجمهور بالقرار والمسلم به أنه إذا نص القانون على طريقة معينة للنشر فيجب اتباع تلك الطريقة).

 

2- الإعلان:- وهو تبليغ الأفراد بالقرار عن طريق الإدارة وذلك بالوسائل التي تراها.

 

3- العلم اليقيني:- هو أن يصل القرار إلى علم الأفراد بطريقة مؤكدة عن غير طريق الإدارة.

(راجع موسوعة القرار الإداري في قضاء مجلس الدولة، للمستشار/ حمدي ياسين عكاشة، ط 2001 الجزء2 صـ 1325 وما بعدها).

 

وقد استقر قضاء المحكمة الإدارية العليا: (العلم اليقيني فأساسه نظرية العلم اليقيني التي هي من خلق القضاء الإداري ومؤداها أن يعلم صاحب الشـأن بمضمون القرار الإداري ومحتوياته علمًا حقيقيًّا يقينيًّا يقوم مقام النشر والإعلان، ويجب أن يكون العلم يقينيًّا لا ظنيًّا ولا افتراضيًّا، وأن يكون شاملاً لجميع محتويات القرار).

 

(راجع حكم المحكمة الإدارية العليا، جلسة 21/3/1966 س 11 مبدأ رقم 70 مشار إليه بالمرجع السابق هامش ص 1326).

 

ولما كان المقرر أيضًا أن: (القاعدة المسلم بها أن القرارات التنظيمية العامة يكون العلم بها عن طريق النشر بينما القرارات الفردية فلا يكون العلم بها عن طريق الإعلان ما لم يقرر المشرع جواز العلم بها عن طريق النشر استثناء ومرجع ذلك إلى طبيعة كل من القرارين، فالقرار التنظيمي يتضمن قاعدة عامة مجردة تنطبق على عدد غير محدد من الأفراد، فلا يتيسر إبلاغهم بها إلا عن طريق النشر، أما القرار الفردي فينصرف أثره إلى فرد أو أفراد معروفين بذواتهم، ومن ثم يتعين إبلاغهم شخصيًّا بفحوى القرار حتى يحتج به قبلهم).

 

(راجع المرافعات الإدارية في قضاء مجلس الدولة للمستشار/ حمدي ياسين عكاشة، ط سنة 1997 صـ807 وما بعدها)
لما كان ذلك وكان البين من الشهادة المقدمة من المطعون ضده ثابت بها إبلاغه بان رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة( القائم بأعمال رئيس الجمهورية عملاً بنص المادة 56/9 من الإعلان الدستوري) قد أصدر قرارًا بالعفو عن عقوبته عفوًا كليًّا، فضلاً عن كافة العقوبات التبعية والتكميلية وآثارهما الجنائية.

 

وحيث إن إعلان القرار الإداري ووصول العلم به إلى صاحب الشأن هو أمر متعلق بالمصلحة الخاصة للصادر له القرار، وحيث قد تحقق العلم بالقرار بإحدى وسائل العلم المقررة فقهًا وقضاء وهو العلم اليقيني والمقرر لمصلحة المطعون ضده وحده دون غيره حيث إن سريان القرار الإداري في حق الأفراد يرتبط بالعلم بالقرار بالوسائل المقررة قانونًا فإن انتفاء واقعة العلم بالقرار تجعل آثار القرار لا تبدأ إلا بعد حصول العلم به.

 

وحيث علم المطعون ضده بالقرار علمًا يقينًّا وفقًا لما سلف ذكره فإن آثار القرار تبدأ في السريان، وتولد في المجال الواقعي وهذا ما قد حدث بالفعل؛ حيث أصدرت مصلحة الأدلة الجنائية بوزارة الداخلية نفاذًا لذلك القرار صحيفة الحالة الجنائية للمعترض عليه أثبتت بها- مضمون أثر القرار- بأنه لا يوجد أحكام مسجلة ضده، وبذلك يكون القرار صدر وعلم ونفذ ولا محل للمحاجاة في ظل تمام التنفيذ.

 

الوجه الرابع

بالنسبة لنص المادة 2 من القانون رقم 73 / 1956 وتعديلاته بشأن تنظيم مباشرة الحقوق السياسية.

والتي تنص على أنه: (يحرم من مباشرة الحقوق السياسية):

1- المحكوم عليه في جناية ما لم يكن قد رد إليه اعتباره.

ولما كان مفاد ما تقدم ذكره عن المساواة بين الآثار القانونية لكل من العفو الكلي عن العقوبة الأصلية والتبعية والتكميلية والآثار الجنائية لهم ورد الاعتبار والعفو الشامل على النحو المبين تفصيلاً بصدر هذه المذكرة، فإننا نصل من ذلك إلى نتيجة مؤداها وفق التفسير القانوني السليم، ووفقًا لما استقر عليه الفقه الجنائي والقضاء الإداري السالف الإشارة إليهما، أن المشرع في المادة 2 آنفة البيان تطلب رد الاعتبار لكي تعود للمحكوم عليه حقوقه السياسية- المحكوم عليه الذي تتطلب حالته ذلك.

 

(صدور قانون العفو الشامل، أو أمر عفو كامل من السلطة المختصة ينص فيه صراحة على إسقاط العقوبات الأصلية والتبعية والتكميلية وكافة الآثار الجنائية الأخرى المترتبة على الحكم".

 

وهي الحالة مثل حالتنا الماثلة، أو رد الاعتبار بحكم قضائي، رد الاعتبار بقوة القانون) والذي لم يصدر له عفو كلي عن العقوبة الأصلية والتبعية والتكميلية وآثارهما الجنائية، أما إذا كان المحكوم عليه قد صدر لصالحه مثل هذا العفو أو العفو الشامل، فإن حقوقه السياسية تعود له كأثر لأحد نوعي العفو؛ مما لا يستلزم معه بطريق اللزوم القانوني والعقلي رد الاعتبار على أساس أن الغاية من رد الاعتبار قد تحققت عن طريق العفو الكلي عن العقوبة الأصلية والتبعية والتكميلية وآثارهما الجنائية- وهي إنهاء حالة حرمان المحكوم عليه من الحقوق السياسية واستردادها تبعًا لآثار العفو عن العقوبة الكلية (والمتضمن العقوبات الأصلية والتبعية والتكميلية وكافة الآثار الجنائية الأخرى).

 

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى:

لما كان نص المادة 26 من الإعلان الدستوري الصادر في 30/3/2011م تنص على أنه (يشترط فيمن ينتخب رئيسًا للجمهورية أن يكون مصريًّا من أبوين مصريين، وأن يكون متمتعًا بحقوقه المدنية والسياسية،...)

 

ولما كان من المستقر عليه فقهًا أن: (الدستور هو الذي يعين السلطات المختصة بإصدار سائر التشريعات، ويحدد كيفية إصدار هذه التشريعات، ولذلك فمن الطبيعي أن يسمو فوق التشريعات التي تصدر وفقًا لأحكامه، ويلي الدستور التشريع العادي والصادر عن السلطة المختصة أساسًا بالتشريع وهي مجلس الشعب.

 

وهذا هو القانون بالمعنى الضيق ويأتي في المرتبة الأخيرة التشريع الفرعي أو اللوائح، ويترتب علي تدرج التشريعات من حيث قوتها نتيجة منطقية وهي وجوب أن يتفق كل تشريع مع أحكام التشريعات التي تعلوه مرتبة، فالتشريع الفرعي (اللوائح) يجب أن يكوم متفقًا مع كل من التشريع العادي (القانون) والتشريع الأساسي (الدستور) فإذا تعارضت أحكام اللائحة مع أحكام القانون أو أحكام الدستور كانت باطلة ولا يعمل بها.

 

وكذلك الحال بالنسبة للقانون يجب أن تكون أحكامه متفقة مع أحكام الدستور وإلا كان باطلاً بدوره)

(يراجع في ذلك مؤلف الدكتور/ محمد لبيب شنب، المدخل لدراسة القانون، سالف الإشارة إليه، ص 101 وما بعدها).

 

ولما كان من المتواتر عليه في قضاء المحكمة الدستورية العليا أن: (الشرعية الدستورية التي تقوم عليها المحكمة الدستورية العليا على مراقبة التقيد بها، غايتها ضمان أن تكون النصوص التشريعية مطابقة لأحكام الدستور، وتتبوأ هذه الشرعية من البنيان القانوني في الدولة القمة في مدارجه، وهي فرع من خضوع الدولة للقانون والتزامها بضوابطه، ولا يجوز بالتالي لأية محكمة أو هيئة اختصها المشرع بالفصل في نزاع معين فصلاً قضائيًّا وأيًّا كان موقعها من الجهة القضائية التي تنتمي إليها- إعمال نص تشريعي لازم للفصل في النزاع المعروض عليها إذا بدا لها مصادمته للدستور من وجهة مبدئية قوامها ظاهر الأمر في المطاعن الدستورية الموجهة إليه دون خوض في أعماقها).

 

(راجع حكم المحكمة الدستورية العليا رقم 32 لسنة 16 ق دستورية، جلسة 2/12/1995 ج 7 دستورية، صـ 24 مشار إليه بمجموعة المبادئ التي قررتها المحكمة العليا والمحكمة الدستورية في أربعين عامًا 1969-2009 ، ص 615 وما بعدها).

 

لما كان ذلك وكان البين من متن المادة 2 من قانون مباشرة الحقوق السياسية- وهي من التشريعات العادية الصادرة من البرلمان ويأتي في مرتبة أدنى من الدستور قد تطلبت رد الاعتبار لمن حكم عليه بعقوبة جناية لكي يسترد مباشرة حقوقه السياسية، في حين أن المادة 26 من الإعلان الدستوري وهي أعلى مرتبة من المادة ( 2 من القانون) بحسبانها نص دستوري أو قاعدة دستورية تسمو في قوتها الإلزامية على نص المادة 2 باعتبارها تشريعًا عاديًّا- حيث لم تشترط المادة 26 من الإعلان الدستوري إجراء رد الاعتبار بل إن كل ما اشترطته لمن ينتخب رئيسًا للجمهورية أن يكون متمتعًا بحقوقه المدنية والسياسية دون تحديد لطريق التمتع هل هو عفو شامل أم عفو كلي عن العقوبة أم رد اعتبار بنوعية ومن ثم يكون مقتضى حكم المادة (2) من قانون مباشرة الحقوق السياسية وفق الأسس القانونية الصحيحة لتفسير النصوص القانونية- وفق ترتيب القواعد التشريعية حسب قوتها على النحو سالف البيان- أن تفسر في ظل النص الدستوري... أي يقتصر حكمها على الحالات التي تستوجب رد الاعتبار القضائي دون سائر الحالات الأخرى المقررة لردِّ الاعتبار القانوني العفو الشامل أو بقوة القانون (550 إجراءات جنائية) أو بعفو كلي (74،75 عقوبات).

 

والقول بغير ذلك مؤداه أن النص قد تضمن قيد وشرط لم يرد في النص الدستوري مما يجعلها مشوبة بعوار عدم الدستورية مما يستوجب معه على اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية بحسبانها لجنة قضائية خصها الدستور والقانون بإعمال نص تشريعي أن تمتنع عن أعمال وتطبيق هذه المادة (مادة 2 من قانون مباشرة الحقوق السياسية) عملاً وإعمالاً للمستقر عليه في قضاء المحكمة الدستورية العليا ولا أحسب أن ذلك هو الفهم القانوني الصحيح.

 

وختامًا فإن هذا الفهم الخاطئ في الاعتراض المقدم والوقوف غير الصحيح على حرفية نص المادة الثانية من قانون مباشرة الحقوق السياسية يستتبعه حتمًا رد اعتبار حتى لمن صدر لصالحه قانون بالعفو الشامل- وهو ما لم يقل به أحد- في حين أن العفو الشامل يزيل كافة آثار الجريمة.

(راجع د. محمود نجيب حسني، شرح القسم العام في قانون العقوبات المصري)

بناءً عليه

نلتمس وبحق رفض الاعتراض المقدم ضد السيد المهندس/ محمد خيرت سعد عبد اللطيف الشاطر.