لجنة تقصي الحقائق تكشف:
- تضارب المسئولية حول استخدام الرصاص الحي
- تورط أعضاء "الوطني" المنحل في إشعال الأوضاع
- المجلس العسكري مسئول عن تحديد "الطرف الثالث"
كتب- خالد عفيفي:
أدانت لجنة تقصي الحقائق التابعة للمجلس القومي لحقوق الإنسان قوات الأمن وقوات الشرطة العسكرية في أحداث العنف التي جرت خلال شهري نوفمبر وديسمبر الماضيين بميدان التحرير، وشارع محمد محمود، ومجلس الوزراء، وقصر العيني، وأكدت أنه ثبت لها استخدام القوة المفرطة من قبل رجال الشرطة المدنية والعسكرية في فضِّ الاعتصام السلمي في ميدان التحرير يوم 19/11/2011م على نحو غير مبرر، وأدى ذلك إلى تفاقم الأحداث، واستُخدم كذريعة من جانب بعض العناصر لمحاولات الوصول إلى وزارة الداخلية فيما بدا محاولة لاقتحامها، محملة مسئولية قرار فض الاعتصام بالقوة إلى وزارة الداخلية والحكومة السابقة.
وقالت اللجنة في تقريرها الذي أعلنته خلال مؤتمر صحفي، أمس، أنه تأكد لها استخدام الأعيرة النارية الحية في قتل وإصابة متظاهرين، وإصابة رجال أمن، وأيد ذلك تقارير المستشفيات التي زارها أعضاء اللجنة، وكذا التقارير الصادرة عن مساعد وزير الصحة، إلا أن الاتهامات تباينت حول مسئولية إطلاق الرصاص الحي؛ حيث اتهم المتظاهرون وزارة الداخلية والشرطة العسكرية بإطلاق الرصاص الحي، بينما حمَّلت الداخلية والمجلس الأعلى للقوات المسلحة مسئولية إطلاق الرصاص الحي خلال الأحداث "لطرف ثالث" يهدف إلى إذكاء النزاع بين الطرفين.
والتقت اللجنة بأحد المصابين بعيار ناري نافذ في ساقه اليسرى، وأكد على قيام أحد ضباط الجيش بإصابته بمسدس من على بعد عشرة أمتار، ووثق أقواله بتقرير صادر عن مستشفى قصر العيني، كما أفاد بتقديمه بلاغًا إلى السيد المستشار النائب العام الذي أحاله بدوره إلى الطبيب الشرعي، وفي كل الأحوال حملت اللجنة قوات الأمن بشقيها المدني والعسكري مسئولة عن حماية المتظاهرين، والكشف عمن يسمونهم "الطرف الثالث"، وإلقاء القبض عليهم ومحاكمتهم.
ووجهت اللجنة، المشكلة برئاسة محمد فائق نائب رئيس المجلس، أصابع الاتهام لبعض رجال الحزب الوطني المنحل في تأجيج الأحداث وإشعالها، وقالت في تقريرها: إن شاهدين أفادا اللجنة بقيام شخصيات من قيادات الحزب الوطني المنحل وأنصاره بوضع أيديهم على معلومات كانت تحت يد الحزب الوطني المنحل تجاه قضايا فساد ضد قيادات في الدولة تُستخدم لتطويع مواقف السياسيين الحاليين لصالح النظام السابق، كما تضم كشوفًا بأسماء عناصر إجرامية كان الحزب المنحل يستخدمهم لأغراض سياسية، وكذا وضع أيديهم على أموال سائلة للحزب غير مدرجة بأي مستندات رسمية، وحدد الشاهدان أربعة أشخاص يستخدمون هذه الأموال والمعلومات في إثارة الاضطرابات، وقد أبدى أحد الشاهدين الاستعداد للإدلاء بشهادته أمام النيابة العامة.
ولاحظت اللجنة وجود فئات من المواطنين بجوار رجال الشرطة المدنية والعسكرية أثناء الاضطرابات تتصدى للمتظاهرين، فيما أطلقت عليه وزارة الداخلية مواطنين صالحين يدافعون عن الشرطة أو أصحاب محال تجارية ينضمون إلى الشرطة دفاعًا عن مصالحهم وبضائعهم، وفيما أطلق عليه المجلس الأعلى للقوات المسلحة المواطنين الشرفاء الداعمين له، وقد وجه لهم خلال الأحداث نداءً بعدم التظاهر لصالح المجلس العسكري، مؤكدة أن هذه الظاهرة تُسهم في إحداث حالة من الانقسام غير المحدود بين فئات الشعب.
وتأكد للجنة استخدام الخرطوش خلال الأحداث، من واقع تشخيص الإصابات التي تحصلت عليها اللجنة خلال زياراتها للمستشفيات، كما انتشرت إحدى المقاطع الفيلمية التي يظهر فيها الملازم أول محمد عبد الحميد الشناوي وهو يحمل بندقية خرطوش، وفي خلفية المشهد صوت يحمل عبارة "جدع يا باشا" وقد أحيل الضابط المذكور إلى النيابة العامة للتحقيق، وصدر قرار بحبسه احتياطيًّا على ذمة التحقيق.
وأكدت اللجنة تورط بعض الموجودين بميدان التحرير في تصرفات تسيء إلى باقي المتظاهرين والمعتصمين، وكان أبرزها الاشتباكات التي نشبت بين المتظاهرين والباعة الجائلين في الميدان، والتي فاقمت من زيادة عدد المصابين، وغياب الشعور بالأمان الذي كان يميزه، ووقوع بعض أعمال السرقة والبلطجة.
ولم يثبت للجنة، بحسب التقرير، استهداف إعاقة إجراء الانتخابات في موعدها، "فبالرغم من أن كثيرًا من القوى السياسية أعربت عن قلقها من إجراء الانتخابات في سياق أمني مقلق على غرار المواجهات الدموية التي جرت خلال الأحداث، فلم يصل إلى علم اللجنة تبني القوى السياسية لهذا التوجه، بل على العكس من ذلك أشارت شهادات تلقتها اللجنة إلى الوصول إلى توافق بين القوى الرئيسية التي كانت موجودة في الميدان على فضِّ الاعتصام (لمن يرغب) والمشاركة في اليوم الأول للانتخابات، واستئناف الاعتصام إذا ما تبين عدم نزاهة الانتخابات".
ولم يثبت للجنة استخدام مكونات سامة وغازات أعصاب ضمن مكونات القنابل المسيلة للدموع التي أطلقت على المتظاهرين، وقد أعلنت الحكومة إحالة عينات من محتوى هذه القنابل، وتوصلت لعدم صحتها، كما ذكر وزير الصحة عدم وجود اختلاف بين المصابين من تلك الغازات، والحالات التي حدثت في المرات السابقة، وقد حصلت اللجنة على عينة مستخرجة من إحدى القذائف المسيلة للدموع؛ من أجل السعي لإجراء فحوصات عليها، لكن استبعدت التعامل فيها لعدم حصول أحد أعضاء اللجنة بنفسه عليها، وفي كلِّ الأحوال تطمئن اللجنة إلى استبعاد هذا الادعاء لتأثير مثل تلك الغازات على الطرفين، كما أن حالات الاختناق وتسببها في الوفاة تحدث نتيجة الاختناق جراء كثافة إطلاق تلك القذائف التي استخدمت بكثافة بالفعل.
وتوصلت اللجنة بالفعل في حالة الادعاء بالاغتصاب الذي ادعته مراسلة القناة الثالثة الفرنسية وترتب عليه ردود فعل ساخطة من وزارة الخارجية الفرنسية بأنه ادعاء غير صحيح، والتقت اللجنة بالإعلامي أحمد زكريا الذي سارع بإنقاذها خلال تزاحم بعض المتظاهرين حولها بالميدان بادعاء أنها جاسوسة، وقد تبين من شهادته الموثقة بالصور بأن المراسلة لم تتعرض للاغتصاب، وقد تم تقديم العون المناسب لها من قبل الإعلامي وزملائه، وتحدث الشاب المصري بذلك إلى وكالة الأنباء الفرنسية، والتي عرضت عليه تسفيره إلى فرنسا للإدلاء بشهادته في التحقيقات الجارية هناك وكذا في التلفزة الفرنسية.
وتلقت اللجنة أقوالاً من أحد الشهود بأنه نما إلى علمه قيام أحد الأشخاص بالاتفاق مع سيدات ورجال لافتعال موقف التحرش الجنسي بالميدان مقابل مبالغ مالية؛ لإساءة سمعة متظاهري الميدان لكن لم تستطع اللجنة تأكيد هذه الأقوال.
وانتقد تقرير اللجنة تجاهل السلطات المسئولة للدعوات التي أطلقها المجلس القومي لحقوق الإنسان، وغيره من منظمات حقوق الإنسان بشأن ضمان القدرة على متابعة سير التحقيقات في هذه الأحداث إلا أنه لم يجد استجابة لذلك، بل على العكس من ذلك جرى تجاهل الرد على مطالب الوصول إلى مصادر المعلومات الرسمية، وجاءت بعض الردود شكلية على نحو إجابة وزارة الصحة عن أوضاع الضحايا رغم الإلحاح الشديد.
وأوصت اللجنة بضرورة اتخاذ الإجراءات القضائية الواجبة دون إبطاء تجاه كل من ارتكب الجرائم والانتهاكات المشار إليها في هذا التقرير بما يضمن عدم إفلات الجناة الذين تورطوا في هذه الجرائم من العقاب، وسرعة تنفيذ القرارات الخاصة بصرف المستحقات المالية المقررة لأسر الضحايا وعلاج المصابين في الأحداث.
وأدانت اللجنة بشدة "كافة الانتهاكات لكرامة المرأة المصرية، والتي وقعت أثناء أحداث شارع محمد محمود ومجلس الوزراء، بما في ذلك الاعتداءات الجسدية والضرب المبرح وهتك العرض والسحل والتهديد بالاعتداء الجنسي؛ ما يشكل انتهاكًا جسيمًا لكرامتهن وحقوقهن في التظاهر السلمي، ويعد ظاهرة غريبة على الثقافة المصرية، وإهانة لجميع المصريين رجالاً ونساءً، وتطالب اللجنة بالإسراع في إنهاء التحقيقات، وإعلان نتائجها على الرأي العام، ومحاكمة المسئولين عن ارتكابها دون إبطاء".
وطالبت بإعادة تشكيل المجلس القومي للمرأة باعتباره مؤسسة قومية مملوكة للمصريين يتعين أن تقوم بدورها في النهوض بالمرأة والدفاع عن حقوقها المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، باعتبارها من حقوق الإنسان، وتفعيل القرارات والتعهدات التي قدمتها الحكومة بالنسبة لقضايا حقوق الإنسان والحريات العامة والعدالة الاجتماعية، وفي مقدمتها تأكيد الحق في التظاهر السلمي، ووقف المحاكمات العسكرية للمدنيين، والحد الأدنى للأجور، وسياسة ضريبية تتمشى مع العدالة الاجتماعية.
وشددت على أهمية تأهيل قوات الأمن على التعامل مع الاضطرابات المدنية على نحو آمن وفق المعايير الدولية المتبعة في هذا المجال، ومناشدة القوى السياسية إتاحة الفرصة للحكومة لتنفيذ برنامجها المعلن، والذي يمس العديد من المطالب الملحة للمجتمع، وفي مقدمتها إعادة الاستقرار الأمني، ودوران دولاب العمل الاقتصادي.