لم يخلُ المشهد الانتخابي من العديد من النماذج المختلفة التي حرصت على المبادرة إلى اللجان الانتخابية لوضع مصر على أولى خطوات المستقبل والتقدم من خلال الإدلاء بأصواتهم في انتخابات خالية من التزوير والتلاعب بالشعوب.
ففي الوقت الذي شهدت فيه بعض اللجان إقبال الناخبين من الشباب في أول سابقة تصويت لهم على مدار الدورات الماضية؛ أملاً في تطهير مصر من أجواء الفساد التي عاشتها في ظل النظام السابق والوصول بها إلى مرحلة انتقالية جديدة مليئة بالحرية والديمقراطية؛ كان هناك نماذج أخرى من الناخبين الذين بلغوا من الكبر عتيًّا وعقدوا العزم على الوصول بأصواتهم لمن يستحقها؛ باعتبار أن ذلك نوع من أنواع فعل الخير.
البداية كانت مع خالد إبراهيم، والذي أكد أنه لأول مرة في حياته سيُدلي بصوته في الانتخابات البرلمانية؛ أملاً في إنقاذ مصر من محنتها الحالية، بالإضافة إلى أنه يثق في أن صوته سوف يصل إلى مستحقيه بخلاف ما كان يحدث من قبل.
وأضاف إبراهيم أن عدم اهتمامه بالتصويت في الانتخابات السابقة في ظل نظام مبارك لم يكن نوعًا من السلبية، وإنما كان حفاظًا على صوته من السرقة والتزوير.
وتساءل: كيف يمكن لي أن أصوِّت في انتخابات كان يصوِّت فيها الأموات قبل الأحياء؟ مشيرًا إلى صوته أمانة ينبغي ألا يفرط فيه أي مصري إلا إذا كان واثقًا بأنه سوف يوضع في محله.
أما أحمد النجار فعندما سألناه لماذا أنت حريص على التصويت في هذه الدورة البرلمانية؟! رد بكل حرارة بقوله: "عايزين نخلص بقى"، مؤكدًا أن انتهاء هذه الانتخابات في أمان تام من شأنه أن يقضي على الاحتجاجات وأعمال الشغب التي تمر بها مصر، والتي أثرت في كل القطاعات بها، خاصةً على الجانب الاقتصادي.
وأضاف النجار أن حرصه على التصويت في هذه الانتخابات بالذات نابعٌ من رغبته في أن تعود مصر أقوى مما كانت عليه سابقًا، وأن تكون خاليةً من الفساد والديكتاتورية، ومليئة بالحرية والديمقراطية، وحتى لا يكون لأصحاب المصالح الشخصية والأجندات الخارجية مكان بها.
وطالب النجار بضرورة أن يكون هناك حالة من الهدوء من جانب ثوار التحرير، وأن يعودوا إلى أماكنهم، وأن يتركوا تحقيق أهداف الثورة لمن اختارهم الشعب؛ ليمثلوه في هذا البرلمان.
أما خليل عوني فيؤكد حضوره للتصويت في إحدى اللجان الانتخابية بمحافظة أسيوط في تمام الساعة الثامنة صباحًا قبل بدء الزحام، وحتى يتمكن من التصويت في هدوء تام، خاصةً أن مختلف اللجان بالمحافظة بدأت تشهد إقبالاً كبيرًا على التصويت منذ الساعة التاسعة صباحًا.
وبرر عوني مشاركته في الانتخابات البرلمانية والتي تكاد تكون الأولى بالنسبة له بأن ذلك واجب على كل مصري يحب هذه الدولة العريقة ويرغب في بنائها من جديد، خاصةً أن هذه اللحظة هي لحظة تحديد مصير قد تدفع بمصر إلى الأمام في حالة نجاحها وعبورها كل مراحلها على خير.
علاء خليفة من مركز مطاي بالمنيا يقول إنه لم يكن يعتزم التصويت في الانتخابات خلال هذه الدورة، خاصةً أنه لا يعرف المرشحين في دائرته بعد دمج الدوائر الانتخابية في بعضها، إلا أن ما يراه من إقبال غير مسبوق من مختلف فئات الشعب على التصويت في المرحلة الأولى أوجد لديه نوعًا من الحماس الكبير للمشاركة.
وأضاف خليفة أن مصر في هذه الأيام في حاجة إلى كل أبنائها ليساعدوا على النهوض بها وجعلها في مقدمة دول العالم، فالدولة تقوم بأهلها المخلصين.
ولم تتوقف الانتخابات على الشباب فحسب، وإنما سجَّل الكبار من أبناء هذا الشعب مواقف تكتب بماء العيون، من خلال تخطِّيهم الصعاب في سبيل الوصول إلى اللجان الانتخابية، حتى ولو كان ذلك على حساب حياتهم.
سيد مقبل، والبالغ من العمر نحو ثمانين عامًا، لم يجد لنفسه عذرًا للتراخي وعد الإدلاء بصوته، معتبرًا أن قمة سعادته عندما يقول شهادة حق، وهو الدافع الذي دعاه إلى عقد النية للمشاركة في هذه الانتخابات من أجل مصر في المقام الأول، ثم من أجل أبنائه بعد ذلك، والذي يحرص على أن يوفر لهم مناخًا من الحرية والعدالة من خلال صوته البسيط الذي لا يكاد يذكر من وجهة نظره.
في المقابل اعتبر حسين أمين، رئيس قسم التعليم سابقًا بمركز ديروط بمحافظة أسيوط، أن صوته أمانة يحرص على الحفاظ عليها ويعطيها لمن يستحقها، وهو ما جعله يستيقظ مبكرًا للذهاب إلى اللجنة الانتخابية، مؤكدًا أنه يعُدُّ ذلك من ضمن عبادات التقرب إلى الله، وهو أن يشهد بالحق، خاصةً أن النبي صلى الله عليه وسلم حذَّر من شهادة الزور.
وألمح أمين إلى أنه لا يهتمُّ بالتصويت لأجل مصلحة شخصية، ولا لأجل أنه يرغب في تحسين الأوضاع وزيادة الدخل وخلافه، وإنما اهتمامه بالتصويت كان من أجل مصر وما لها من حق على مواطنيها في أن يقدموا لها مزيدًا من العطاء بغض النظر عن مدى استفادتهم منها.