وصف الصادق المهدي رئيس حزب الأمة السوداني وثيقة الإجماع الوطني الحكومية، التي طرحتها الحكومة السودانية على الأحزاب والقوى السودانية للتوقيع عليها بأنها "لا تقدم ولا تؤخر"، مشيرًا إلى اعتزام حزبه- الذي قاطع دعوة الحكومة للتوقيع على الوثيقة التي ترفض التخلي عن الشريعة الإسلامية أو مقررات مؤتمر ماشاكوس في أي مفاوضات مقبلة مع حركة التمرد- تقديم وثيقة مضادة تمثل حلاًّ وسطًا، يوم الثلاثاء المقبل.
وحذر "المهدي" ضمنًا- في ندوة عقدت بالقاهرة، بحضور عدد من خبراء الشئون السودانية المصريين ومندوب من حركة التمرد- من أن الولايات المتحدة تواجه حاليًا مأزقًا في فلسطين وفي العراق، وتبحث عن بؤرة توتُّر لتنفيس قوتها فيها، وأن من شأن رفض الحكومة السودانية- بشكل مطلق- لوثيقة ( ناكورو)، التي قدمها وسيط مجموعة (الإيجاد) الكيني "لازاراس سيمبويا" أن يعطي واشنطن مبررًا للتحرك في أي مكان فيه حدة وتنفيس سياستها المأزومة.
وأشار إلى أن الوسيط الأمريكي للسودان (جون دانفورث) قال- في ختام زيارته الأخيرة للمنطقة-: إنه لا وقت لاستبدال المنابر أو الوسطاء، في إشارة لرفض أمريكا أيّ موْقف رفض حادٍّ من الحكومة السودانية للمُقْترحات المطروحة لتسوية النزاع، خصوصًا أن الكونجرس سوف يبحث في 15 أغسطس القادم مدى تعاون الحكومة السودانية في التفاوض مع حركة التمرد، وإن لم يجدْ تقدُّمًا سوف يوقع عقوبات قاسية على الخرطوم سبق أن أقرَّها وأجَّلت تنفيذها الحكومة الأمريكية على مسئوليتها.
وقال "المهدي" أن القضية السودانية- التي أكَّد أنه يعمل على خلق حلول لها 21 مطبخًا أوروبيًّا وأمريكيًّا ليس من بينها مطبخ عربي واحد- صارت قضية داخلية في العديد من البلدان الأوروبية، مثل هولندا وألمانيا؛ لأن الكنائس هناك تؤثر على الرأي العام الداخلي، وكذلك تؤثر المنظمات التطوعية التي تُعنى بالإغاثة.
وعلى الرغم من أن "المهدي" قال إن (وثيقة الإجماع الوطني) التي طرحتها الحكومة السودانية أمس- السبت26/7/2003م- على القوى السودانية للتوقيع عليها "مقبولة بشكل عام "، إلاَّ أنه قال إن بها أفكارًا تخالف (وثيقة ناكورو) التي طرحها الوسيط الكيني مؤخرًا ورفضتها الحكومة السودانية كليَّة، وقال إن القوى السياسية السودانية الحقيقية قاطعت الوثيقة، ومن حضروا اجتماع إعلان الوثيقة هم من مؤيدي الحكومة.
وقال إن الوثيقة الثالثة- التي أعدَّها حزبُه، وسوف يطرحها رسميًّا يوم الثلاثاء المقبل- تمثل حلاًّ وسطًا ورأيًا ثالثًا لا يميْل للحكومة أو حركة التمرد وتسعى للجمع بين الرأيين المختلفين، بحيث يمكن تعديل الوثيقة الكينية محلَّ الخلاف والتوصل لحلٍّ وسط يُنهي الخلافات حول القضية.
ومعروف أن (وثيقة ناكورو) التي طرحها وسيط منظمة مكافحة التصحُّر والتنمية الإفريقية (إيجاد) التي تضم الدول المجاورة للسودان تضمَّنت أفكارًا غريبة تصب في خانة حركة التمرد، وتخالف حتَّى ما سبق الاتفاق عليه بين حركة التمرد والحكومة السودانية في ماشاكوس.
حيث تقضي هذه المقترحات بأن يتولَّى رئيس الكيان السياسي الجنوبي منصب نائب رئيس الجمهورية السودانية، وأن يكون له حق الاعتراض (الفيتو) على قرار الرئيس، وأن يحل هذا النائب (الذي سيكون هو "جون قرنق" زعيم حركة التمرد) محل الرئيس السوداني "البشير" في حال غيابه بما في ذلك في رئاسة الجيش الوطني في الشمال، وعلى النقيض من ذلك لا يجوز لرئيس الجمهورية السوداني رئاسة الجيش الجنوبي في أي حالٍ من الحالات، إضافةً إلى رفْض حلِّ الجيْش الجنوبي، واستمرار وجود جيشين، أحدهما للجنوب برئاسة "جون قرنق"، والآخر في الشمال ويخضع لرئيس الجمهورية!.
وقد وصف "أمين حسن عمر" العضو القيادي في الحزب السوداني الحاكم هذه المقترحات بأنها "وضع غريب"، وقال- في اتصال هاتفي مع الندوة من الخرطوم-: إن وثيقة (ناكورو) تنص على مفارقات غريبة دفعت الحكومة السودانية لرفضها، وستظل ترفضها ليس فقط بسبب مسألة الشريعة؛ ولكن لأنها مخالفةٌ لما جرى التوقيع عليه والاتفاق عليه في ماشاكوس وأنه بالتالي لا رجعة للوراء.
يذكر أن الحكومة السودانية أصدرت أمس- السبت26/7/2003م- وثيقة للإجماع الوطني طالبت القوى السودانية الوطنية- بأحزابها وتنظيماتها السياسية ونظامها الأهلي ورجالات الدين الإسلامي والمسيحي ومنظمات المجتمع المدني بفئاتها ونقاباتها- بالتوقيع عليها.
وتتضمن هذه الوثيقة التأكيد على "الالتزام التام بما اتفق عليه في بروتوكول مشاكوس الإطاري، الذي جعل الوحدة هي الخيار الذي تؤسس عليه الفترة الانتقالية"، وأن "شعب السودان هو صاحب الحق في تحديد هويته وصاحب القول الفصل في تقرير أوضاعه السياسية والاجتماعية، وإقامة نظمه الديمقراطية".
وشدَّدت الوثيقة على أن بروتوكول مشاكوس "معادلة منصفة في علاقة الدين والدولة، تعطي أهل الجنوب خصوصيتهم، ولا تحرم سائر أهل السودان- بما في ذلك أهل الخرطوم- من الاحتكام لشريعتهم الإسلامية التي ارتضوها، ونحن نؤكد هنا أن التمسك بمرجعية البروتوكول في هذا الصدد هو المفتاح لنجاح العملية السلمية بالبلاد".
وأن الموقعين عليها يتعاهدون على أن "المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات وأن لا يكون الدين عاملاً للتقسيم بين أبناء الوطن، وأن تُراعى حريات الاعتقاد والتدين والدعوة دون تمييز، وأن تكون الحقوق السياسية والمدنية كاملة غير منقوصة".