مع تصاعد الدور التركي المدافع عن الحق الفلسطيني، وتزايد حدَّة الانتقادات الرسمية للكيان الصهيوني، وصلت لحدِّ المشادات والمشاحنات الدبلوماسية بين الحكومة التركية والكيان الصهيوني؛ برز دور الفن التركي الذي تناول المأساة الفلسطينية.
ورغم التحفُّظ الذي أبداه الكثيرون على هذه المسلسلات التركية وما تحتويه من ثقافة بعيدة إلى حد ما عن الواقع العربي؛ فإن مسلسل "صرخة حجر"- الذي سبق عرضه اعتراضٌ ورفضٌ صهيونيين رسميين وصل إلى حد مطالبة الحكومة التركية بمنع بثه؛ بحجة احتوائه على مشاهد معادية للسامية ولقطات تثير الحقد والكراهية في نفوس المشاهدين- ألقى حجرًا في بحيرة الفن التركي وطريقته تعاملها مع قضايا العرب؛ ما أثار جدلاً واسعًا في الأوساط الفلسطينية.
واعتبر أفجيدور ليبرمان وزير خارجية الكيان الصهيوني أن بثَّ مثل هذه المواد يُعدُّ تحريضًا بالغ الخطورة، زاعمًاً أن حيثيات المسلسل "لا يمتُّ للواقع بصلة"، كما نقل "داني أيالون" نائب وزير الخارجية الصهيوني للسفير التركي احتجاج حكومة الكيان على "بث مسلسل تلفزيوني يصف الكيان الصهيوني واليهود بخاطفي أطفال ومجرمي حرب".
ويجسِّد العمل الذي يعرض حاليًّا على قناتي "إم بي سي" و"روتانا- الخليجة" منذ أسبوعين الانتهاكات الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني؛ من قتل للأطفال والنساء، ومعاناة الأسرى والأسيرات، وتهجير المواطنين من منازلهم، كما يبرز المسلسل عمليات المقاومة.
وما إن بدأت الفضائية ببث حلقات هذا المسلسل، حتى انقسم المراقبون في تقييمهم لهذا العمل بين من رأى فيه عملاً مهمًّا لفضح جرائم الاحتلال، وبين من اعتبره إنتاجًا يحتوي على الكثير من المغالطات والأخطاء، سواء من الناحية الإخراجية أو من حيث المحتوى والمضمون.
مراجعات
الكاتب والشاعر الدكتور عبد الخالق العف يرى في المسلسل تجسيدًا لمعاناة الشعب من حصار وفقر وظلم، خاصةًً في ظل غياب الدراما الفلسطينية، مشيرًا إلى أن العمل بحاجة لمراجعة دقيقة وحضور قوي، حتى لا يكون هناك سم في الدسم، قائلاً: “فوجئت بوجود بعض الأمور البعيدة عن الحقيقة التي لا تمت للواقع الفلسطيني بصلة، مثل الحلقة التي نرى فيها الجندي الصهيوني يرفع المصحف عن الأرض ويضعه على الرف، والحقيقية أن جنود الاحتلال عندما يقتحمون مكان ما يدنسون ويرمون المصاحف على الأرض".
غياب عربي
واستغرب العف إنتاج تركيا مسلسلين حتى الآن يجسدان معاناة الشعب "صرخة حجر" و"وادي الذئاب"، في حين لم يتحرك العرب، داعيًا إلى أهمية تحفز شركات الإنتاج العربية على نهج تركيا، من خلال إصدار أفلام ومسلسلات تفضح جرائم الاحتلال ضد الفلسطينيين.
من جهتها، اعتبرت وزارة الثقافة الفلسطينية في غزة أن المسلسل يجسِّد معاناة الشعب الفلسطيني برؤية تركية غربية متعاطفة مع شعبنا، وقالت: "نحن بحاجة إلى أن يقوم الفنانون الأجانب بزيارة غزة ليتلمَّسوا واقعنا الحقيقي لينتجوا أفلامًا ومسلسلاتٍ تجسدنا بشكل كبير"، وتابع: "مثل هذه الأفلام تشكِّل نقلة نوعية في عملية فضح جرائم الاحتلال وتبرز للعالم جزءًا مما يعانيه كل يوم".
وبرَّرت وزارة الثقافة عدم قدرة شركات الإنتاج الفلسطيني إنتاج أفلام درامية بالقول: "من المعروف أن إنتاج الأفلام والمسلسلات الدرامية يحتاج إلى دعم مالي وبشري كبير، وهذا ما لا تقدر عليه".
إيجابيات وسلبيات
المواطن الفلسطيني "صالح محمد" الذي كان يتابع المسلسل قال: "إن "صرخة حجر" يجسِّد نسبة كبيرة من معاناتنا في مختلف الأزمنة والأوقات".
وقسم "محمد" محتوى المسلسل إلى قسمين إيجابي وسلبي، فالإيجابي يتمثل في عرضه لصورة المحتل بغطرسته واعتداءاته المتكررة، بالإضافة إلى تطرقه للمقاومة وتضحياتها ومراحل تطورها، وكيف أنها كانت تستهدف الجنود الصهاينة فقط ، فيما تمثل الجانب السلبي- حسب محمد- في استخدام بعض المصطلحات الخاطئة مثل "حائط المبكي" (البراق)، إلى جانب تصويره الصهاينة في بعض المشاهد على أنهم يعاملون شعبنا معاملة حسنة.
كما أبدى المواطن سعيد مصطفى لـ(إخوان أون لاين) اعتراضه على بعض مشاهد المسلسل ووقوعه في أخطاء إخراجية متعلقة بالدبلجة؛ كعدم إتقان الممثلين اللهجة الفلسطينية الشعبية، بالإضافة إلى استخدام الجنود الصهاينة اللهجة الفلسطينية وضعف أحيانًا ومبالغةٍ أحيانًا أخرى في المواجهات المسلحة التي تقع بين المقاومين وجنود الاحتلال.
الأسيرات يعترضن
كما أبدت الأسيرات الفلسطينيات في السجون الصهيونية تحفظهن على "صرخة حجر"؛ حيث قالت الأسيرات- في رسالة سربت من سجنهن ووصلت "إخوان أون لاين" نسخة منها-: "إن ما تم عرضه من مشاهد أساء لنا ولذوينا وللشعب الفلسطيني بكامله".
وأشارت الأسيرات إلى أن بعض المشاهد لا تمتُّ للحقيقة بصلة، كمشهد اغتصاب أسيرة تدعى "مريم" اعتقلها الجنود الصهاينة، وبعد اغتصابها اصطحبها ضابط مخابرات صهيوني إلى بيته للعمل به، مؤكداتٍ أن ما تمَّ عرضه هو محاولة لتشويه صورة الأسيرة الفلسطينية وتغييب دورها البطولي على مدار الأعوام الماضية، وإن بث مشهد كمشهد اغتصاب مريم ما هو إلا إهانة لشعب كامل وإنه لا يخدم إلا جهة واحدة، وهي الكيان الصهيوني.
وطالبت الأسيرات في ختام رسالتهن مخرج المسلسل بالاعتذار للأسيرات الفلسطينيات ولذويهن وللشعب الفلسطيني عن المغالطات التي وقعت في المسلسل، كما طالبن المحطات العربية بوقف بث المسلسل، وفي المقابل ثمَّن الأسيرات دور كل من يحاول إيصال قضية الشعب الفلسطيني، سواء بالمسلسلات أو الأفلام، على أن تكون ذات مصداقية، كمسلسلي "الاجتياح" و"يحيى عياش" اللذَين تركا بصمة مميزة في ذاكرة كل فلسطيني.
مسلسل ملغوم
ووصف موفق مطر الكاتب والصحفي في مقالة له المسلسل بـ"اللغم"؛ حيث أشار إلى تعمد الكيان الصهيوني إحداث صخب وبلبلة حول المسلسل قبل عرضه من أجل لفت أنظار المشاهدين إليه وما لبث هذا الصخب أن تحول إلى صمت مطبق بعد عرضه.
ويضيف "مطر": لم أسمع ولم أقرأ ولم أعلم يومًا أن عائلة فلسطينية قتلت ابنتها؛ لأنها تعرضت لاغتصاب من جنود الاحتلال تحت تهديد السلاح، حتى إن عملية الاغتصاب ذاتها فإني أجزم بأن جنديًّا من جيش الاحتلال الذين ما زالوا على قيد الحياة أو الذين في القبور لم يفلح واحدٌ منهم ولن يفلح يومًا في النيل من جسد مناضلة أو أسيرة.
واتهم "مطر" مخرج المسلسل بتعمده القفز فوق كل الاعتبارات الموضوعية والفنية والمادية اللازمة كشروط لنجاح أي عمل فني، من أجل احتلال مكان في بورصة المزاد على رواية المأساة الفلسطينية.
ويرى مراقبون أن الأخطاء التي وقع فيها مخرج العمل قد تكون قد تمت بشكل غير مقصود لبعد المخرج عن الواقع الفلسطيني وعدم إطلاعه على تفاصيل الشأن الفلسطيني، هذا أولاً، وقد يكون المخرج أراد أن يخاطب بهذا العمل الشارع التركي فقط، ولم يكن موجهًا للشارع العربي الذي تختلف ثقافته ورغباته عن الثقافة العربية؛ بحيث تلقَّفت شركات الدبلجة العربية كل ما هو تركي؛ على اعتبار أن سلعة المسلسلات التركية رائجة هذه الأيام على الشاشات العربية دون أي تمحيص.