أكد خبراء وباحثون متخصصون أن الخلفية الإسلامية للنظام التركي ساعدته على تبني المواقف المؤيدة للقضية الفلسطينية، مشيرين إلى أن قوة الدور التركي ورغبتها في أخذ موقع إستراتيجي في مرحلة إعادة ترتيب الشرق الأوسط بدأ يتضح بعد سقوط العراق.

 

وقال الخبراء- في الندوة الشهرية لمركز الزيتونة للدراسات والاستشارات بالعاصمة اللبنانية بيروت، والتي ناقشت الدور التركي المتصاعد وانعكاساته على القضية الفلسطينية- إن الولايات المتحدة تتغاضى عن الدور التركي المتعاظم في المنطقة؛ في محاولةٍ للوقوف أمام التنامي لقوة إيران في المنطقة.

 

ورأى العميد الدكتور أمين حطيط الخبير الإستراتيجي أن المسألة التركية الداخلية تشهد وعيًا إسلاميّا متصاعدًا يدفع بهذا الاتجاه، مضيفًا أن محاولات تركيا لدخول العالم العربي؛ نتيجةً لغلق العالم الأوروبي بابه أمامها، مشيرًا إلى أنها لم تجد غير الشرق الأوسط كمدخل لدور إستراتيجي، متمثلاً في القضية الفلسطينية، وهو ما يتطلَّب أن لا تكون تركيا حليفًا لأي طرف في هذه القضية.

 

وأضاف العميد حطيط أن تركيا تريد موقعًا إستراتيجيًّا في مرحلة إعادة ترتيب الشرق الأوسط، وأنها تتطلع مع كل فئة إلى تجميع ما يمكنها من القوى؛ بحيث تكون في المكان الذي تريده، موضحًا أن العرب- باتجاهيهما "الممانع والمعتدل"- بحاجة إلى الدور التركي وخاصةً "عرب الاعتدال" الذين يريدون توظيف الدور التركي حتى لا تبقى إيران وحيدةً في الساحة الإسلامية.

 

وقال الباحث صقر أبو فخر إن دور تركيا بدأ مع سقوط الاتحاد السوفيتي وخروج مصر من الصراع العربي الصهيوني، والدور المتعاظم لإيران بعد كسبها حربين دون خوضهما، وذلك في كلٍّ من العراق وأفغانستان، وكل هذا جعل الولايات المتحدة تتغاضى عن الدور التركي المتعاظم في المنطقة.

 

وأشار إلى أن الدور التركي قائمٌ في أساسه على الاقتصاد، مشيرًا إلى أن تركيا قد تلعب دورًا ضاغطًا من خلال الاقتصاد من خلال موضوع المياه؛ حيث يمكن أن تضغط من خلالهما خصوصًا على سوريا والعراق.

 

وأضاف الباحث زياد الحسن أنه من خلال التعاون المباشر مع حزب العدالة والتنمية يدرك المراقب أن الأتراك لديهم مفهوم آخر شبه متبلور حول ما يسمَّى "العالم التركي"؛ حيث تتطلَّع تركيا إلى تشكيل كتلة أشبه بالاتحاد السوفيتي الأسبق التي تمتد من البلقان إلى الصين.

 

ورأى الباحث أحمد رمضان أن الاستقرار السياسي إلى حدٍّ ما في الداخل، وقدرة حزب العدالة على الضبط الداخلي، وحسن الجوار وتصفير المشكلات مع جيرانها، واعتبار النمو والعامل الاقتصادي أسبابًا أساسيةً في تعاظم الدور التركي في المنطقة.

 

وأضاف: "هناك حاجة أمريكية وأوروبية لتركيا، فأمريكا ترى في تركيا قوة توازن القوة الإيرانية، في حين أن أوروبا ترى في تركيا مربع استقرار فاصلاً بينهم وبين آسيا المضطربة"، مشيرًا إلى أن تركيا يمكنها أن تلعب دورًا في المسألة الفلسطينية يمنع الكيان من شنِّ عدوان جديد على غزة.

 

وأكد أن دعوة تركيا للعب دور سياسي في القضية الفلسطينية يجعلنا بحاجة إلى تقديم ورقة سياسية أو رؤية تتحرك تركيا على  أساسها.

 

وأكد الدكتور طلال عتريسي الخبير في الشأن التركي أن الخلفية الإسلامية ساعدت تركيا على تبنِّي المواقف المؤيدة للقضية الفلسطينية، وأشار إلى أن قوة الدور التركي بدأت تتضح بعد سقوط العراق، مضيفًا أن هناك تفاؤلاً مفرطًا في إمكانية تدهور العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة والكيان، إلا أنه رأى أنها لا تستطيع لعب دور ضاغط على الغرب لإيجاد رؤية مختلفة للقضية الفلسطينية.

 

وفسَّر الباحث وليد محمد علي التطور في الموقفين الأمريكي والأوروبي تجاه تركيا- ورفضهما دعم أي انقلاب عسكري يطيح بحزب العدالة والتنمية- بأن الإدارة الأمريكية لم تعد قادرةً وحدها على إدارة الملف الشرق أوسطي.

 

وأضاف أن تركيا الآن في دور انتقالي؛ حيث ما زال بينها وبين الكيان 60 معاهدةً أمنيةً مفعَّلةً، وهذا الأمر يحتاج إلى قراءة معمَّقة!.

 

ورأى المهندس عبد الله بابتي أن نجاح حزب العدالة والتنمية كان باتجاهين؛ أحدهما داخلي يتجلى بوضوح في الناحية الاقتصادية، والآخر في مواجهة الجيش الذي أصبح عاجزًا عن القيام بانقلاب؛ حيث إن حزب العدالة والتنمية حمل على عاتقه تذليل عقبات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وعلى الصعيد الخارجي حيث نجح حزب العدالة والتنمية في تبديد أجواء الخلافات مع الجوار، دون استنفار الداخل والخارج.

 

وقال تيسير الخطيب إن قوة الدورين التركي والإيراني قوةٌ طبيعيةٌ قادرةٌ على ملءِ منطقة فراغ عميق؛ بما يسمح لهما بالتمدُّد، ولا يتصور إمكانية التناقض بينهما، مشيرا إلى أنه رغم الوضع الصعب فإن الفلسطينيين باتوا يتمتعون بحماية أفضل بسبب مساندة حزب الله وإيران والدعم التركي الحالي.

 

وفيما يتعلق بالسيناريوهات، رأى الدكتور محمد نور الدين أن تركيا تعطي أولويةً للعمق الحضاري والتكامل الاقتصادي الإقليمي، وهي تأمل بحلول 2023م أن تكون حدودها مفتوحةً مع كامل محيطها، مشيرًا إلى أنه لا يمكن أن يتأتَّى هذا الدور بالاعتماد على القوة العسكرية أو النزعة الدينية.

 

أما الدكتور أمين حطيط، فرأى أن هناك سيناريوهاتٍ مستقبليةً لتركيا؛ أولها أن تنجح سوريا في بقائها نقطة وسط، وثانيها أن تقوم بتفعيل العلاقات مع سوريا وإيران إلى درجة إنشاء منظومة تفاهم إستراتيجي، وثالثها أن تنجح الضغوط الأمريكية الصهيونية في جعل تركيا قاعدةً لمنظومة إقليمية ضد إيران، ولكن الدكتور حطيط رجَّح السيناريو الأول.

 

وأضاف محمود حيدر أن الدور التركي سيبقى محدودًا في إطار الدور الوسيط، بينما رأى الدكتور طلال عتريسي أن الحد الأقصى للدور التركي أن تعمل تركيا على دعم المشروع السلمي في المنطقة، معتبرًا أن الذهاب إلى أبعد من ذلك في التوقعات هو إفراطٌ في التفاؤل، مستبعدًا وجود تحولات تركية عميقة بسبب الوضع المركب في النظام التركي، والإستراتيجية التركية القائمة على تصفير المشكلات وتبني السلام في الداخل والخارج.

 

وتوقع صقر أبو فخر احتمالية تصادم تركيا مع إيران؛ بسبب التنافس الإستراتيجي والتحديات الداخلية التي تواجه حزب العدالة والتنمية، وإمكانية حصول تصادم بين الولايات المتحدة وتركيا في البحر الأسود؛ بسبب رفض تركيا الوجود الأمريكي المسلَّح فيه، خوفًا من تداعيات الصراع بين واشنطن وروسيا.