- "الماندينجو" أقاموا دولة الإسلام في القارة السوداء

- حماسة العاجيين للدين سطرت جهادًا أذهلت فرنسا

- الاحتلال الأجنبي حاول ضرب الإسلام وفشل تمامًا

- الشمال المسلم ملازم لطريقه في النصر أو الذبح

 

كتب- عصام فؤاد:

"بالإسلام بدأ التاريخ الأهم لإفريقيا السوداء، وبشرائعه وتعاليمه تقدم السود ليبلغوا شأوًا كبيرًا في الحضارة والمدنية".. عبارة سجلها المؤرخ الفرنسي جويلية، ورددها معه كثيرون من دارسي تاريخ جنوب الصحراء الكبرى والغرب الإفريقي؛ حيث تحتل دولة ساحل العاج مكانة فريدة بماضٍ مشرف عريق ومستقبل مبشر، وحاضر يغلبه الأسى والدماء.

 

ساحل العاج أو "كوت ديفوار" بالفرنسية، ويرجع اسمها الحالي إلى القرن الخامس عشر مع انتشار تجارة العاج على ساحلها الجنوبي المطل على المحيط الأطلسي؛ حيث كان التجار يجمعون أنياب الفيلة لبيعها، ويحدها من الشمال دولتا مالي وبوركينافاسو، ومن الشرق دولة غانا، ومن الغرب دولتا غينيا وليبيريا.

 

وتبلغ مساحة ساحل العاج مساحتها الإجمالية 322.462 كم، وعاصمتها السياسية مدينة ياموسوكرو، أما أكبر مدنها ومركزها الاقتصادي فهي مدينة أبيدجان في الجنوب قرب الساحل، ويقدر عدد السكان بنحو 20 مليونًا بينهم 11.5 مليونًا من المسلمين، في حين تتراوح نسبة النصارى بين 20%- 25% معظمهم كاثوليك (80%)، ويشكّل الوثنيون النسبة الباقية.

 

فجر الإسلام

تعددت طرق دخول الإسلام إلى ساحل العاج وكان أسبقها وأنجعها طريق التجارة، مع تنقلات التجار المسلمين ورحلاتهم المستمرة إلى غرب أفريقيا سعيًا وراء الرزق، وشيئًا فشيئًا توغل التجار جنوبًا للحصول على العاج المستخرج من سن الفيل في ساحل العاج؛ حيث أدهش القبائل الوثنية صلاة المسلمين، ودفعهم للتعرف على دينهم.

 

وكانت أخلاق المسلمين وصدقهم وأمانتهم الأساس في نشر الإسلام بين القبائل الوثنية التي حاز انتباهها كتاب "القرآن الكريم" الذي يحمله المسلمون في كل مكان، وظنوا أنه السر وراء ثرائهم، كما اعتمد الملوك الوثنيون على المسلمين في إدارة الشئون المالية والإدارية؛ ما ساهم في نشر الإسلام بالبلاد.

 

واعتمد التجار في نشر الدعوة على أخلاقهم إلا أنهم عمدوا في القرن العاشر الميلادي إلى استقدام الفقهاء خاصة من المغرب لنشر الفقه الإسلامي في المناطق التي يكثر بها المسلمون، ولذلك ساد المذهب المالكي في ساحل العاج وغرب إفريقيا كما يسود في المغرب كله.

 

وشعرت القبائل الوثنية بعلاقات قريبة مع التاجر المسلم، خاصة أن الأخير مع تعدد رحلاته وطول إقامته كان يلجأ لبناء منزل على الطرز الإسلامية الحديثة، ويتزوج من أهل البلاد، فدعم ذلك وشائج المودة مع أصهاره، وساهم في دخولهم الإسلام.

 

وإذا كانت المدن وأسواقها قبلة التجار، فقد ارتحل إلى ساحل العاج العديد من الدعاة والمتصوفين قصدوا ريفها وغاباتها، بغرض الدعوة للإسلام والبعد عن شهوات وملذات الدنيا، فكان لهم أكبر الأثر في نشر الإسلام وتصحيح العقيدة، وحث القبائل على التخلي عن عادتها الوثنية.

 

الماندينجو

أما الانقلاب الأكبر وسبب تحول ساحل العاج إلى الإسلام فيأتي عام 1025م حين اعتنق زعماء قبيلة الماندينجو الإسلام، والماندن أو الماندينجو إحدى أكبر وأهم قبائل إفريقيا الغربية، وينتشرون منذ القديم على ضفتي نهر النيجر وما حوله من حزام الصحراء الكبرى شمالاً وشرقًا، إلى ضفاف المحيط الأطلنطي غربًا وجنوبًا.

 

وهي المنطقة التي تتوزع اليوم بين كل من: غينيا، ومالي، وساحل العاج، وغامبيا، وسيراليون، وليبيريا، والسنغال، وغانا، وبوركينافاسو، والنيجر، ويطلق على لغتهم "أنكو"، وقد أدى اتساع رقعة المناطق التي يسكنونها إلى انقسام لغتهم إلى أربع لهجات رئيسية: ماندنكا، بمبارا، مندنكو، جولا، وتتفرع عن كل لهجة رئيسية بضع لهجات فرعية، ولكنها تدل على مسمى واحد وعلى شعب واحد.

 

واستطاعت قبائل الماندينجو المسلمة في شمال ساحل العاج من الاستقلال عن مملكة غانة 1050م، قبل أن تتمكن دولة المرابطين من احتلال عاصمة المملكة بعد حرب دامت نحو عشرين عامًا، والقضاء نهائيًّا على مملكة غانة عام 1076م على يد أمير المرابطين في الجنوب أبو بكر بن عمر.

 

وبعد دخول قبائل الماندنيجو في الإسلام، انطلق رجالها لنشر الدعوة الإسلامية، في غرب إفريقيا كلها، وإن لم يستطع الإسلام الانتشار في جنوب ساحل العاج؛ بسبب وجود الغابات الكثيفة التي تفصل بين الشمال المسلم والجنوب الوثني، كذلك بعد عواصم الممالك الإسلامية عن ساحل العاج.

 

واستطاع الإسلام بناء حضارات جديدة بالبلاد وغيَّر- على نطاق واسع- من عادات أهلها وثقافتهم، فاندثرت عادة العري وشيوعية الجنس، وتم تنظيم الزواج وتحديد عدد الزوجات مع منح المرأة حق اختيار زوجها، ووقف عادة توريث المرأة للابن أو الأخ، كما حدد الإسلام العلاقات الأسرية وأعطى المرأة حق الحضانة، وتم تقسيم الميراث على أساس الشرع، وعقاب المجرمين وفقًا لأحكام الإسلام في القصاص.

 

وتوالت الممالك الإسلامية في غرب إفريقيا وساحل العاج وأهمها مملكة مالي التي اشتهر ملوكها برحلات الحج، ثم صنغاي وكانم وبرنو وغيرها، حتى ظهرت الأساطيل الأوربية على شواطئ غرب إفريقيا أواسط القرن الخامس عشر الميلادي، وكان السبق للبرتغال ثم تلتها فرنسا وبريطانيا.

 

وبعد اكتشاف الأمريكتين عام 1492م، تعرضت ساحل العاج لهجمات أوربية واسعة لسلب ونهب ثرواتها واختطاف الأطفال والشباب والفتيات، وحمل ذلك كله على سفنهم المتجه إلى أمريكا، واستمرت هذه الجرائم البشعة حتى تم تحريم تجارة الرقيق عام 1848م، بعد ما تسببت في تفكيك قبائل الماندينجو ونشر الذعر والهلع في غرب أفريقيا كله.

 

نابليون الأفريقي

وفي عام 1835م ولد ساموري توري لوالدين مسلمين، وقيل كافرين ولكنه اعتنق الإسلام في زيارته لساحل العاج ليجلب منها السلاح، وتعلم القتال في جيش الملك الوثني سوري بيراما ملك بيساندوجو.

 

وفي عام 1861م، تحصن بالجبال وجمع حوله العديد من رجال قبائل الماندينجو المسلمين، وأسس أكبر إمبراطورية إسلامية وقتها في غرب إفريقيا، وكانت تضم أجزاء شاسعة من بلاد ساحل العاج.

 

وأعلن ساموري تطبيق الشريعة الإسلامية في مملكته عام 1884م، ولقب نفسه بأمير المؤمنين؛ وذلك بعد انتصاره على القوات الفرنسية التي بدأت الحرب ضده عام 1881م، ورغم هزيمتها إلا أنها واصلت الزحف نحو مملكته فواجهها ببسالة من جديد واستطاع تكبيد حملاتها خسائر فادحة على مدار 17 عامًا حتى لقبه الفرنسيون بـ"نابليون الإفريقي".

 

واستخدمت فرنسا كل قوتها المدفعية واستعانت بالقبائل الوثنية في الشرق، كما استمالت ملك غينيا المسلم تيبا لضرب ساموري؛ ما اضطر الأخير لعقد هدنة مع الفرنسيين عام 1887م، تخلى بموجبها عن بعض المناطق لفرنسا التي لم تكتف بذلك، وعادت لإعلان الحرب، حتى استولت على عاصمته كانان، فأسس عاصمة جديدة في مدينة داباقالا بساحل العاج 1891م لتكون بعيدة على الفرنسيين.

 

وبعد حروب طويلة قدم فيها ساموري ومسلمو ساحل العاج أروع صور الجهاد، استطاعت القوات الفرنسية محاصرتهم في غابات ساحل العاج، ووقع ساموري في الأسر بمنطقة جويلمو، ليتم سجنه في 29 سبتمبر 1898م، وترحيله إلى الجابون حيث لقي ربه عام 1900م.

 

الاحتلال الفرنسي

 الصورة غير متاحة
 

وكانت فرنسا قد خلفت البرتغال على جنوب ساحل العاج، وعقدت عام 1843م معاهدة مع ملك الأغني، قرب مدينة أبيدجان، وبموجبها بسطت الحماية على الجنوب، وبعد الانتصار على ساموري، دانت البلاد كلها لفرنسا، التي كانت تعرف أن الإسلام والمسلمين هم فقط من يهددون مشروعها الإستراتيجي في ساحل العاج.

 

وكان الشمال ذاخرًا بالمدارس الإسلامية التي تعلم الدين واللغة العربية، فاتجهت فرنسا لعلمنتها، وإبعاد الدين عنها، فيما نشرت البعثات التنصيرية خاصة الكاثوليكية التي تدين بها فرنسا، وأنشأت العديد من المدارس المسيحية لنشر تعاليمها، بينما دخلت البروتستانتية على يد واعظ ليبيري عام 1913م، يدعى وليام هاريس.

 

وفترت الأعمال الفرنسية مع نشوب الحرب العالمية الأولى، قبل أن تعود مجددًا بعد انتهائها لمواصلة المشروع الفرنسي بمسخ هوية البلاد، واستخدام ذهب المعز وسيفه لتحويل المسلمين عن دينهم، ولتعزيز الكاثوليكية، فأنشأت المدارس الفرنسية التي سمحت بالدراسة فيها للمسيحيين والوثنيين فقط، فيما حرمت المسلمين من شغل الوظائف الحساسة والمهمة في بلادهم، ومكنت الكاثوليك من السيطرة على الجهاز الإداري للدولة.

 

وفي عام 1939م صدر قانون غرضه وضع رموز وزعماء المسلمين تحت المراقبة، ليمكن وزارة الداخلية من التضييق على أصحاب الشعبية من المسلمين، وحصر أعمال الدعاة وتحديد أماكن تحركاتهم، لإفساح المجال أمام المنصرين فقط في الغابات الاستوائية جنوب ساحل العاج.

 

كما قررت سلطة الاحتلال منح مكافآت فورية لكل من يرتد عن الإسلام ومنحه الجنسية الفرنسية، ومنعت تدريس الإسلام في المدارس، وشمل الحظر لغة الأنكو الخاصة بقبائل الماندينجو المسلمة التي أصبحت لغة الإسلام في غرب أفريقيا، فيما حرصت على تعليم ضعاف العقيدة من المسلمين في مدارسها أو نقلهم إلى باريس، حتى يتشربوا بالثقافة الفرنسية، ويحتقروا هويتهم وتعاليمهم ومن ثم إشاعة ذلك بين أهاليهم وفي مناطقهم.

 

وحاول حاماله بن محمد بن عمر مواجهة الإفساد الفرنسي بعد قدومه لشمال ساحل العاج منفيًا من السودان عام1930م؛ حيث اشتغل بالوعظ والإصلاح ودعا لتغيير العادات الوثنية واستبدالها بالتقاليد الإسلامية، كما هاجم الصوفية المبتدعة، واستطاع أعداؤه إقناع السلطات الفرنسية في كوت ديفوار بأنه كان المسئول في وقت سابق عن الانتفاضات السياسية في السودان الفرنسية،  فطردته السلطات من كوت ديفوار وحظرت تعاليمه.

 

ورغم كل الممارسات الفرنسية لبتر الإسلام والمسلمين من ساحل العاج، إلا أن انتشار الإسلام تنامى ليبلغ نحو 2.5%؛ وذلك بسبب تلاقي الإسلام مع الفطرة النقية لأغلب القبائل الوثنية، والخصوبة العالية للشماليين التي سجلت أعلى معدلات الخصوبة في غرب إفريقيا بنحو 8 مواليد لكل امرأة، وزاد من أعداد المسلمين الهجرات المتتالية من الدول الإسلامية المجاورة للعمل في ساحل العاج الغنية خاصة في فترات الجفاف، ثم الاستقرار بها، حتى أن بعض الدراسات تؤكد أن 20% من العاجيين مولودون خارج البلاد.

 

وارتفعت أعداد المسلمين حتى بلغت نحو 60% من السكان وتمثل السُنة نحو  95% من المسلمين، والباقون من الشيعة البالغ تعدادهم نحو نصف مليون؛ وذلك نظرًا لهجرة آلاف اللبنانيين من جنوب لبنان إلى ساحل العاج التي يقطن بها نحو 150 ألف من أصل لبناني، مع وجود ملحوظ للجماعة الأحمدية الضالة، ومبتدعها ميرزا غلام أحمد والتي حكم العلماء بخروج معتنقها من الملة الإسلامية.

 

المجتمع المسلم

ويلتزم معظم المسلمين بالمذهب المالكي كشأن دول غرب إفريقيا، وفيما تجد تمثيلاً للعديد من الطرق الصوفية بين مسلمي ساحل العاج، وتستحوذ الطريقة القادرية التي تأسست في القرن الحادي عشر  وتنتشر بالغرب، والتجانية التي تأسست في القرن الثامن عشر وتسود بالشرق، على النصيب الأكبر من الشعبية، كما تحظى السنوسية المدعومة من ليبيا بنصيب وافر.

 

وستجد بالشمال المرابطين ممن سكنوا ساحل العاج في عهد امتداد دولة المرابطين بالقرن الحادي عشر الميلادي، وللمرابط سلطة دينية مهمة؛ فهو ذلك الطبيب والصوفي وصاحب المعجزات وهو يملك سلطة سحرية وأخلاقية، وهو من يصنع التمائم التي تحمي من يرتديها مسلمًا أو غير مسلم ضد الشر.

 

وتأثير المرابطين أنتج عددًا من ردود الفعل في مجتمع ساحل العاج، من بينها سلسلة من الحركات الإصلاحية المرتبطة بالسعودية التي كانت ترسل مع الحجيج كتب حركتها الوهابية، أو تنشر فكرها عبر من يتعلمون في مكة والمدينة ويعودون إلى ساحل العاج، وهذه الحركات الإصلاحية في كثير من الأحيان تدين تصوف المرابطين وتصفه بأنه غير إسلامي، ولكن غالبية الفقراء يرون أن المرابطين يتحدثون بالنيابة عن المضطهدين، ويرون أن حركات الإصلاح الوهابية تسعى لدعم مصالح المسلمين الأكثر ثراء.

 

ويعد عيدي الفطر والأضحى من أهم وأشهر أيام البلاد؛ حيث يأخذ المسلمون إجازة رسمية ويقومون في نهاية شهر رمضان بإعداد ولائم ضخمة تجتمع حولها القبائل فرحة بتوفيق الله لهم للصيام، ويصلي المسلمون معًا في ساحات واسعة، ويقضون أيام العيد في زيارات الأصدقاء والأهل وتبادل الهدايا.

 

استقلال وتبعية

وفي عام 1955م؛ وافقت ساحل العاج على مشروع ديجول الذي قدمته باريس للمستعمرات الإفريقية، وكان يعطي للدول التي تقبله استقلالاً صوريًّا، فقامت حكومة وطنية تعمل تحت الحماية الفرنسية، وقبل منحها الاستقلال الكامل عام 1960م، عمدت فرنسا إلى ترك السلطة بيد "هوفي بوانيه" رئيس الحزب الديمقراطي ذي الغالبية الكاثوليكية.

 

ونشط بوانيه للبر بقسمه أمام بابا الفاتيكان بتحويل ساحل العاج إلى قلعة كاثوليكية، وأنفق ثروة ضخمة في بناء أكبر كنيسة في إفريقيا وهي كنيسة السيدة مريم العذراء في ياموسوكرو التي جعلها عاصمة البلاد، كما حول اسم ساحل العاج إلى الفرنسية ليصير كوت ديفوار.

 

وكان بوانيه- مزدوج الجنسية- عميلاً فرنسيًّا بامتياز فأصر على بقاء قوات فرنسية في مناطق متعددة بينها وسط البلاد، كما باشر بناء المدارس الكاثوليكية، ونقل الإشراف على مدارس المسلمين من وزارة التربية والتعليم إلى وزارة الداخلية، كما قام لأول مرة بطمس الاحتفالات الوطنية بعيدي المسلمين أو رفض اعتبارهما مناسبة احتفال وإجازة رسمية للبلاد.

 

مقاومة المسلمين

ومن جانبهم؛ واجه المسلمون الهجمات التنصيرية بإنشاء العديد من المدارس الإسلامية، واستعانوا بعلماء من غينيا المجاورة لتدريس العلوم الشرعية، كما أسسوا الجمعية الإسلامية لتنظيم الحج والعمرة، ومنظمة المجلس الإسلامي الأعلى لساحل العاج، الذي أنشأ المعهد العلمي العربي لتدريس اللغة العربية، كما دشنوا أكبر مركز اسلامي في ابيدجان اسمه مركز "ويليامزفيل" الإسلامي الثقافي، ولكن تأثيره قلَّ كثيرًا بعد رحيل مديره محمد لامين كابا.

 

وانتشرت مدارس تعليم القرآن واللغة العربية خاصة في الفترات المسائية، ورغم المشكلات التي عانت منها المدارس في البداية لضعف مستوى المدرسين وقلة رواتبهم ونقص الكتب الحاد وضعف الإقبال عليها لعدم خضوعها للتعليم الرسمي، إلا أنها نجحت في رفع مستوى التعليم بالشمال، حتى بلغت نسبة المدرسين المسلمين 55% في المدارس الابتدائية، و50% في المدارس الثانوية، و30% من أساتذة الجامعات، بينما يشكل الطلاب المسلمون 40% من طلبة جامعة أبيدجان، ويقرأ المسلمون معاني القرآن على لغة الماندنيجو؛ حيث قام بالترجمة الشيخ سليمان كانتي من غينيا.

 

كذلك استطاع المسلمون أبناء التجار السيطرة على التجارة؛ ما جعلهم يتمتعون بدرجة عالية من الغني والثراء، يدلل عليها امتلاكهم نحو 70% من المباني الفخمة في المدن وتحكمهم في رءوس الأموال التجارية الداخلية.

 

وحققت ساحل العاج- بفضل المسلمين- تقدمًا اقتصاديًّا كبيرًا، وبلغ معدل النمو حوالي 6% كما بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 2000 دولار، وتفوقت البلاد في إنتاج الكاكاو حتى بلغ 40% من الإنتاج العالمي، هذا فضلاً عن المشاريع الزراعية بالشمال خاصة للموز والأناناس.

 

وفي عام 1990م استدعى بوانييه الزعيم المسلم حسن أوطارا نائب رئيس صندوق النقد الدولي وقتها ليترأس الحكومة، والإشراف على تقدم اقتصادي للبلاد، وأعطاه تقريبًا كل صلاحيات رئيس الجمهورية؛ بسبب شيخوخته ومرضه.

 

الحروب الأهلية

وخافت فرنسا على مصالحها في ساحل العاج، فأعدت شخصية نصرانية أخرى وهو هانري كونان بيديه، رئيس البرلمان المخول من قِبَل الدستور لخلافة رئيس الدولة في حال وفاته، فلم يكن صعبًا لبيديه استلام الرئاسة بعد وفاة الرئيس العجوز عام 1993م، وسط تأييد داخلي وخارجي مسيحي.

 

ولكي يتفادى بيديه الخسارة أمام أوطارا في الانتخابات الرئاسية، أصدر قانونًا بمنع دخول الانتخابات إلا لأصحاب الجنسية العاجية النقية؛ ما كان يمنع دخول أوطارا الانتخابات لأن أمه كانت من بوركينافاسو، وبذلك يتخلص من الزعيم المسلم الذي يتمتع بأصوات الأغلبية المسلمة، إضافةً إلى أصوات البسطاء والمنصفين من النصارى والوثنيين الذين أعجبوا به من خلال إصلاحاته الاقتصادية في البلاد.

 

وفي 23 ديسمبر 1999م، دبر ضابط كاثوليكي هو (روبرت جيه) انقلابًا ضد بيديه مستغلاً الأزمات السياسية التي لاحقت البلاد جراء سياسات الرئيس وبرنامجه الاقتصادي للتكيف الهيكي، ووعد جيه بإجراء انتخابات رئاسية في سبتمبر 2000م، وأعلن السماح لأوطارا بخوضها.

 

إلا أنه رجع وقرر منع الزعيم المسلم من الانتخابات وقام بتحديد إقامته، وأجرى انتخابات شابها تزوير واسع، إلا أنه فوجئ بمنافس قوي هو (جباجبو)، الذي أعلن فوزه في الانتخابات ودعا إلى انتفاضة شعبية أدت في النهاية إلى فرار (جيه) خارج البلاد، وإعلان (جباجبو) نفسه رئيسًا لساحل العاج.

 

رئيس المذابح

 

 لوران جباجو

ورفض جباجبو التصالح مع زعماء المسلمين وإجراء انتخابات نزيهة، وعمد لتشكيل ميليشيات عسكرية باسم (كتائب الموت)، أغلبها من أفراد قبيلته (البيتي)، فقامت بارتكاب أبشع المذابح في صفوف المسلمين، وحرق مساجدهم، ولم تكتف فرق الموت باستهداف عامة المسلمين في ساحل العاج، بل شنت حملة التصفية على العلماء والأئمة ومحفظي القرآن؛ سعيًا لإيجاد حالة من الانفصام بين المسلمين ودينهم، وإفشال مساعي المؤسسات الإسلامية لتنمية الوعي الديني للمسلمين، وإفشال مخططات المنظمات التنصيرية لتجريف هويتهم.

 

وتوالت الحركات الانقلابية ضد جباجو، وكثرت الجرائم في المسلمين، حتى قامت باريس بدعوة كل الفصائل للمصالحة في ماركوسي بفرنسا؛ حيث تم التوقيع على اتفاقية ماركوسي التي تنص على أن يحتفظ الرئيس لوران جباجبو بالكرسي الرئاسية إلى نهاية ولايته عام 2005م، وتشكيل حكومة وحدة وطنية يتولى المسلمون فيها رئاسة الوزراء، وزارة الداخلية ووزارة الدفاع، وتتولى التحضير للانتخابات الرئاسية عام 2005م.

 

إلا أن جباجو لم ينفذ من الاتفاقية سوى استكمال فترة رئاسته، وقام بتعطيل الانتخابات الرئاسية حتى الآن بحجج مختلفة؛ ما أرجع الأمور للتوتر من جديد وقسم البلاد بين شمال وجنوب، في ظل غياب دور فاعل من الوطن الإسلامي لوقف نزيف مسلمي الشمال، الذين أعلنوا رفضهم التسليم حتى ينالوا جميع حقوقهم الوطنية والدينية، مهما كلفهم الثمن من غالٍ أو رخيص.