دفعت مضايقات الزوارق البحرية الصهيونية المتواصلة الصيادين الفلسطينيين للبحث عن أساليب مجدية للهرب من الفقر المدقع؛ نتيجة ضياع مواسم عديدة كانوا يعولون عليها في تدبير شئون حياتهم اليومية، فمنهم من اضطر لجلب الأسماك المصرية المهربة، وبيعها للمواطنين لتعويض جزء من الخسارة التي تكبدوها، حيث يعاني قرابة 3500 صياد من أوضاع معيشية صعبة، دفعتهم للعيش في فقر مدقع، بسبب الطوق البحري الذي فرضته قوات الاحتلال الصهيوني، وتقليصها لمسافة الصيد، والتحكم في أقواتهم، وإرهابهم بشتى الوسائل.

 

فلا يكاد يمر يوم على قطاع غزة دون أن تسجل انتهاكات صهيونية بحق الصيادين، ما دفع العشرات منهم لهجران مهنة الصيد، بعد أن أصبحت رحلة صيدهم لا تكفي لغذاء قط صغير، إذ إنهم غالبًا ما يعودون للشاطئ بخفي حنين، أو بشباك تالفة مزقتها خطاطيف الزوارق الصهيونية، وأحيانًا بقوارب مثقوبة، وهو ما يهدد حياتهم، ويتسبب بأضرار مادية كبيرة في أحيان كثيرة.

 

ووفقًا لاتفاقية أوسلو التي وقعت في سبتمبر 1993م، بين السلطة الفلسطينية، والكيان الصهيوني، سمح الأخير للصيادين بمسافة 12 ميلاً بحريًّا للصيد، لكنه عاد وقلص تلك المسافة إلى ثلاثة أميال بعد انسحابه من قطاع غزة في عام 2005م.

 

في المقابل حاولت المزارع السمكية المنتشرة في غزة سد فجوة العجز الناجم عن مضايقات الاحتلال الصهيوني للصيادين في عرض البحر، وحرمانهم من كسب لقمة عيشهم، وفي التقرير التالي نقدم صورة من داخل غزة عن الحصار البحري، وتأثيره على تجارة الأسماك، وكيف يواجه الغزاويون هذا الحصار:

أسماك مهربة

بعد صلاة الظهر خرج المواطن أبو إياد حجازي "42 عامًا" من مسجد المحطة شرق حي التفاح متوجهًا صوب تجمع للمواطنين على عربة لبيع الأسماك المصرية، تمعن جيدًا في الأسماك المعروضة ثم نأى بنفسه بعيدًا غير مكترث لإقبال المواطنين على شرائها، عازيًا ذلك إلى رفدها للقطاع بطرق غير قانونية، وأنها لا تخضع للرقابة والفحص. 

 

ويقول حجازي لـ(إخوان أون لاين): "إن الأسماك المهربة معرضة للتلف أثناء عملية التهريب، مشيرًا إلى أنها غير مضمونة المصدر، فهو يخشى أن تكون أسماكًا مجمدةً تم تفكيكها بالماء، وبيعها للمواطنين على أنها طازجة".

 

ويفضل حجازي شراء أسماك المزارع عن الأسماك المهربة فهي على الأقل معروفة المصدر، وتخضع لعناية، ورقابة تامة أثناء تربيتها.

 

ويهرب مالكو الأنفاق الأسماك المصرية بواسطة صناديق من الفلين، وبداخلها ثلج للحفاظ على الأسماك من التلف، وتباع الأسماك المهربة بأسعار أقل من أسعار السمك المحلي بنسب ملحوظة.

 

مشاريع ناجحة

 الصورة غير متاحة

المزارع السمكية لاقت رواجًا داخل القطاع

داخل دفيئة زراعية تحتوي على برك بلاستيكية زرقاء اللون لتربية الأسماك في منطقة "العطاطرة" بمدينة بيت لاهيا شمال القطاع، جلس المواطن إياد العطار "36 عامًا" يراقب عن كثب مشروعه الذي بدأه بعد الحرب الصهيونية على قطاع غزة بعيدًا عن الرياح والعواصف التي ضربت القطاع.

 

حيث يربي العطار في ظل الحصار البحري أسماك "البلطي، والبوري، والزينة "الكوي" في بيئة مياه عذبة ومالحة، إذ أنه يعتبر المشرف على  كافة مشاريع الاستزراع السمكي التابعة للقطاع الخاص، والتي بلغت نحو 16 مشروعًا حتى الآن في قطاع غزة.

 

وبحسب العطار فإن الدفيئة تحمي الأسماك من العدوى، وتوفر لها جوًّا نظيفًا، فأسماك البلطي تحتاج لدرجة حرارة معينة حتى يكتمل نموها بسرعة فهي أسماك "ذات دم بارد".

 

ويقول  لـ(إخوان أون لاين): "إن الفضل في التطور السريع للاستزراع السمكي في قطاع غزة يعود للقطاع الخاص"، مشيرًا إلى أن مشاريع  الاستزراع تنتج سنويًّا 700 طنًا من الأسماك، وأن إنتاج يرقات الأسماك يتعدى المليون سمكة في العام، في حين أن نسبة ما يصطاده الصيادون لا يتعدى الـ300 طن سنويًّا.

 

ويضيف العطار الذي يشغل المدير التنفيذي لمشاريع الاستزراع السمكي في مدينة أصداء جنوب القطاع "أن مشاريع الاستزراع أصبحت تلبي حاجة المواطنين، ويمكن تصدير الفائض لدول الخارج لولا الحصار المفروض على قطاع غزة".

 

وبين أن الاستزراع السمكي يساهم في ارتفاع الناتج من الأسماك ورفع المستوى الاقتصادي، موضحًا أن الدراسات الحديثة أثبتت أن الأسماك المستزرعة أكثر جودة من أسماك البحر، لأنها تراعي توفير احتياجاتها الغذائية بطرق سليمة على نقيض الأسماك العادية التي تعيش في بيئة من المياه العادمة في بعض المناطق.

 

غض البصر

 الصورة غير متاحة

غزاوي يراقب أحد الأحواض في مزرعته

ويضيف العطار أن المواطن العادي لا يجد فرقًا بين السمك البحري وسمك البرك، موضحًا أن زبائنه من أصحاب الطبقة المتوسطة التي تناسبها أسعارهم المتوسطة، كما أن أصحاب المطاعم يشترون منه أسماك "الدنيس والجرع والجروس".

 

ويقاطعه شقيقه زياد "40 عامًا" قائلاً : "نواجه صعوبة شديدة في توفير أمهات الأسماك، فالجانب الصهيوني، والسلطات المصرية لا يسمحان بدخولهما للقطاع"، مضيفًا أن ما يتواجد لديهم ببرك الاستزراع تم استيراده من تركيا والنرويج".

 

وانتقد زياد المؤسسات الداعمة لمشاريع الاستزراع السمكي التي تبني أحواضًا قريبةً من المناطق الحدودية بحيث تكون عرضة للتجريف في أي لحظة، وتغض بصرها عن دعم المشاريع القائمة في القطاع.

 

ويشير زياد إلى أن الفرصة سنحت للسلطة الفلسطينية سابقًا لتطوير مشاريع الاستزراع السمكي، وأخذت على عاتقها رعاية تلك المشاريع، وخصصت ميزانية بلغت 20 مليون دولار، إلا أنها لم تحقق شيئًا على أرض الواقع.

 

يشار إلى أن ظاهرة الاستزراع السمكي سطعت أضواؤها في قطاع غزة في عام 2007م، وخلال أربعة أعوام من الحصار البحري حققت تطورًا ملموسًا باعتبارها من النشاطات الحديثة في فلسطين، ومع بداية السلطة الفلسطينية عام 1994م، كانت هناك محاولات متعثرة لقلة الخبرات لدى القطاع الخاص والقطاع الحكومي، مما أدى إلى إحجام المستثمرين عن الاستثمار في هذا المجال لعدم معرفتهم بالمخاطر الكامنة في مثل هذه المشاريع.