أثار مقتل المبحوح على يد أفراد من الموساد يحملون جوازات سفر غربية لغطًا كبيرًا في الأوساط السياسية والاجتماعية والإعلامية العربية والغربية، حول ما إذا كان الصهاينة قد قاموا بتلك العملية بالتنسيق مع أجهزة الاستخبارات في بريطانيا وفرنسا وأيرلندا وألمانيا، أم أنهم لجئوا إلى ذلك وحدهم، وكعادتهم في مثل تلك الأمور لإبعاد أي شبهة عن تورطهم في العملية في حال انكشافهم، مثلما حدث مؤخرًا بعد أن كشفت شرطة دبي عن استخدام قتلة المبحوح لجوازات سفر أوروبية، إذ لم يقدر أحد على توجيه اتهام مباشر للعدو الصهيوني بالرغم من تأكد الجميع من أن الموساد هو من يقف خلف تلك العملية؛ باعتبار أنه صاحب المصلحة الأولى في اغتيال المبحوح، وهو ما سبب حرجًا كبيرًا للدول الغربية التي باتت متهمة في نظر الدول العربية بالاشتراك مع "إسرائيل" وبشكل غير مباشر في عملية الاغتيال،؛ ما قد يضر بمصالح وعلاقات أوروبا مع دول المنطقة.
علامات استفهام
لقد كان لإعلان شرطة دبي أسماء وصور وجنسيات الجناة وقْع الصدمة على الحكومات الغربية التي سارعت في إبداء استنكارها واستهجانها لما حدث، محملةً الكيان كامل المسئولية، ومطالبةً إياه بالكشف عن الجناة ومساعدتها في التوصل إليهم، وكأنها تحاول أن تنفي التهمة عن نفسها، وتلقي بها على كاهل الكيان صاحب المصلحة الأولى في اغتيال المبحوح لما بينها وبين الفلسطينيين من صراع طويل الأمد، وباعتبار أن الأمر قد لا يضر بها ولا بمصالحها مع العرب، وذلك على اعتبار أن العلاقات بين الطرفين تشهد توترًا كبيرًا في الفترة الأخيرة، خاصةً بعد العدوان الغاشم على قطاع غزة.
ولكن ما يثير الدهشة والاستغراب، هو كيف أقدم الصهاينة على ذلك بدون علم تلك الحكومات؟، فحسب المعلومات المتداولة هناك تعاون استخباري كبير ما بين "إسرائيل" ومخابرات تلك الدول، وهو ما يعني أن تلك العمليات لا يمكن لها أن تتم بدون علم أجهزة الاستخبارات الغربية في بريطانيا وفرنسا وألمانيا، خاصة أن تلك النوعية من العمليات تحتاج إلى دعم فني وتقني من قبل أجهزة تلك الدول، فضلاً عن أن الكيان لا يمكن أن يخاطر بعلاقاته الاستخبارية مع بريطانيا وفرنسا وألمانيا وأيرلندا والنمسا من أجل قتل قيادي فلسطيني.
لذلك يرجح أن تكون الاستخبارات الغربية على علم بالعملية، بل وهي من قام بعمل جوازات السفر المزورة للجناة، فكما هو معروف ليس من السهل على الإطلاق تزوير تلك الجوازات، ولكن أجهزة الاستخبارات في تلك الدول لم تبلغ حكوماتها بالمشاركة في عملية اغتيال المبحوح، على اعتبار أنها عملية سهلة وستتم بشكل نظيف، وستصب في نهاية الأمر في خدمة الأمن والاستقرار في الكيان، حسب زعم الموساد الذي أقنع على ما يبدو أجهزة الاستخبارات الغربية بخطورة المبحوح على الأمن العام في الكيان، بل وعلى مصالح الدول الأوروبية في المنطقة، حيث يعد المصدر الأساسي للتمويل العسكري الذي تحصل عليه حماس، والذي يؤدي إلى إثارة العراقيل أمام عملية السلام التي تلعب أوروبا فيها دورًا كبيرًا، وعلى أساس أن الحكومات الغربية لا تمانع في أي شيء تكون للكيان مصلحة محققة من ورائه.
ولكن ولأن العملية قد تم كشفها، لذا لم يكن أمامهم بد من تحميل الصهاينة المسئولية كاملة، ومطالبتها بتقديم المتسببين فيها للعدالة، وذلك بعد طلب دبي للإنتربول الدولي بوضع المشتبه فيهم على القائمة الحمراء للدول، بحيث يتم القبض عليهم ومحاكمتهم.
خدعة صهيونية
صور المتهمين باغتيال المبحوح الـ 11 على موقع الإنتربول
في الواقع لقد خدع الصهاينة الجميع بما في ذلك الدول الأوروبية التي تتعاون أجهزتها المخابراتية مع جهاز الموساد، وذلك من أكثر من جهة:

أولاً: أقنع الصهاينة الجميع بأن اغتيال المبحوح يمثل مصلحةً كبيرةً للأمن والاستقرار في المنطقة، ودفعتهم لانتهاك سيادة دول آمنة ومستقرة، بينما اغتيال المبحوح لا يمثل سوى مصلحة للكيان فقط.
ثانيًا: لم يعمدوا إلى إشراك صهاينة في العملية، بحيث لا توجه إليهم أصابع الاتهام في حال انكشفت العملية أو حدث أي خلل في مجريات تنفيذها مثلما حدث في عمليات سابقة، عندما حاولت اغتيال خالد مشعل وتم الإمساك بالجناة، والمطالبة بالإفراج عن العشرات من الفلسطينيين على رأسهم الشيخ أحمد ياسين مقابل تسليم عناصر الموساد لإسرائيل.
ثالثًا: تعاني حكومة نتنياهو صاحبة الفشل الأول في اغتيال مشعل العديد من المشاكل الداخلية، ولذلك فهي لا تريد أن تضيف لتلك المشاكل مشاكل أخرى خارجية، بحيث لا تثير الرأي العام "الإسرائيلي" وتدفعه للمطالبة بإقالة الحكومة وإجراء انتخابات مبكرة، ولذلك فضلت القيام بالعملية، بحيث لو نجحت تصب في صالح الحكومة، وإن فشلت تكون أصابع الاتهام موجهة إلى أفراد ودول أخرى غير "إسرائيل" بما في ذلك أفراد من فلسطين نفسها.
وقد أوشك الصهاينة على النجاح في تحقيق جزء كبير من أهدافها لولا نجاح الجهاز الأمني في إمارة دبي في كشف المتورطين في الحادث والمطالبة باعتقالهم وعلى رأسهم رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي، باعتبار أنه من خطط وأشرف على تنفيذ العملية.
وما يؤكد ذلك حالة الابتهاج الشديد التي سادت الأوساط الرسمية الصهيونية عقب مقتل المبحوح مباشرةً، والتي بدت وكانهم قد حققوا نصرًا عسكريًّا مؤزرًا في ميدان المعركة، وليس عملية دنيئة تسيء إليهم، وتصورهم على أنهم ما زالوا يفكرون بمنطق العصابات وليس بمنطق الدول مثلما يزعمون.
خسارة غربية
الشهيد محمود المبحوح في صورة تذكارية مع والديه
وأيًّا كان الوضع فإن الخاسر الأكبر في ذلك ليس الصهاينة الذين اعتادوا على مثل تلك العمليات، والتي يقومون بتنفيذها بين فترة وأخرى، سواء بمفردهم أو بمساعدة دول أخرى مثلما حدث في العملية الأخيرة، وإنما الخاسر الأكبر في ذلك هي الدول الغربية، حتى وإن لم يثبت تورطها في العملية، حيث يبدو من الشكل الذي تم تنفيذ العملية من خلاله، أنه تم استخدام الدول الأوروبية كمسرح لتجهيز العملية، ليس هذا فحسب، بل وحتى المعدات التي تم من خلالها القضاء على المبحوح هي معدات أوروبية في الأساس، بما في ذلك الهواتف النقالة وشرائح المحمول المستخدمة، وذلك كله تحت طاولة التعاون الأمني والاستخباري ما بين الكيان وبعض الدول الأوروبية.

ويتمثل الضرر الواقع على الدول الأوروبية في واقع الأمر في العديد من المسائل المهمة منها:
أولاً: توتير العلاقات الأورومتوسطية، حيث من شأن تلك العملية أن توجد نوعًا من الشك في المساعي الأوروبية الخاصة بعملية السلام في المنطقة عمومًا، وبدعم القضية الفلسطينية على وجه الخصوص، إذ أثبتت العملية الأخيرة أن أوروبا تتعاون مع "إسرائيل" في اغتيال القيادات الفلسطينية والعربية المعادية للكيان.
ثانيًا: الإضرار بالمصالح الأوروبية في المنطقة، إذ من شأن التأكد من حدوث تعاون أوروبي مع "إسرائيل" بأي صورة من الصور أن يدفع العديد من الدول العربية لتقليل حجم تعاونها مع الدول الأوروبية، بل وقد يدفع الجماهير العربية للمطالبة بوقف التعاون مع أوروبا، هذا بخلاف ما قد تقوم به الجماعات المتشددة من إضرار بالمنشآت والمصالح الأوروبية في منطقة الشرق الأوسط عمومًا.
ثالثًا: تشويه الدور الأوروبي في خدمة قضايا المنطقة العادلة، واستبداله بأدوار أخرى أقل انحيازًا لإسرائيل.
رابعًا: إيجاد قناعة لدى حركات وفصائل المقاومة الفلسطينية وفي أوساط المجتمعات العربية والإسلامية بأن الغرب يتآمر علينا، وهو ما قد يدخلنا في صراعات كثيرة، قد تجلب الخراب والدمار للمنطقة.
لذلك كله يتعين على الغرب وكذلك على الدول العربية والإسلامية ضرورة السعي الجاد من أجل تقديم قتلة المبحوح للمحاكمة، وإثبات براءة الغرب من تهمة المشاركة في مقتل المبحوح، ومحاسبة القيادات الصهيونية أمام المحاكم الجنائية الدولية كمجرمي حرب، وذلك حتى لا يتكرر هذا الأمر مرة ثانية.