شهد ترتيب الدول العربية والإسلامية تراجعًا كبيرًا هذا العام على مقياس الشفافية العالمي، الذي تُصدره منظمة الشفافية الدولية سنويًّا، وذكر التقرير السنوي للمنظمة أن مشكلة الفساد تنامت في هذه البلدان العام الحالي؛ بسبب ارتفاع نسب الفقر ومستويات النزاعات المسلَّحة في بلدان عالمنا العربي والإسلامي، كما في العراق والصومال وأفغانستان.
ويُبْنَى مقياس الفساد العالمي على أساس منح نقطة لكل مؤشر فرعي من المؤشرات التي تكون المقياس؛ ليصل في النهاية إلى 10 نقاط، ويعتمد المقياس على ترتيب تصاعدي لبحث معيار الشفافية في البلدان التي يشملها التقرير؛ حيث تكون الدول أكثر فسادًا كلما اقتربت من الصفر، وأقل فسادًا كلما اقتربت من مستوى النقاط العشر.
ويعتمد تقرير الشفافية العالمي إحصائياتٍ وأرقامًا صادرةً عن بعض المؤسسات الدولية، مثل البنك الدولي للإنشاء والتعمير، والبنك الإفريقي للتنمية، بجانب بيانات خبراء ورجال أعمال ومحلِّلين بشأن مستويات الفساد في بلدانهم.
ومبدئيًّا فقد أشار التقرير الجديد للعام 2009م إلى أن نيوزيلندا جاءت في المركز الأول كأنظف بلد عبر العالم، وحصلت على 9.4 نقاط، تلتها الدانمارك برصيد 9.33 نقاط، وسنغافورة والسويد برصيد 9.2 نقاط لكل منهما.
فيما حلَّت الصومال في المركز الأخير برصيد 1.1 نقطة (!!)، تسبقها أفغانستان كأكثر ثاني بلدان العالم فسادًا برصيد بـ1.3 نقطة؛ أي أقل مما حققته العام الماضي وهو 1.5 نقطة، و1.8 في العام 2007م، وبعد أفغانستان احتلت ميانمار (بورما سابقًا) المركز الثالث برصيد 1.4 نقطة، ثم العراق والسودان برصيد 1.5 نقطة لكل منهما؛ أي أنَّ في أكثر خمسة بلدان فسادًا في العالم هناك أربعة دول عربية ومسلمة!.
وعلى مستوى العالم ساهمت الاضطرابات السياسية التي وقعت في أوكرانيا في الفترة الماضية في تراجع رصيدها من 2.5 إلى 2.2 نقطة، كما تراجع رصيد اليونان من 3.8 نقاط إلى 4.7 في العام 2008م الماضي؛ بسبب تأخُّر إجراءات مقاضاة عدد من المسئولين المتهمين بالفساد.
كما تحسَّن رصيد الولايات المتحدة من 7.3 نقاط إلى 7.5 نقاط؛ بسبب استجابة الإدارة الأمريكية "السريعة" لمواجهة الأزمة المالية العالمية، بما في ذلك محاسبة عدد من مسئولي القطاع المالي والمصرفي، وعلى رأسهم "النصَّاب" العالمي برنارد مادوف الذي اتُّهم بسرقة 50 مليار دولار من مصارف وشركات أمريكية وعالمية.
كذلك تحسن ترتيب روسيا، بعد أنْ أنشأت مكتبًا لمكافحة الفساد، وتطبيق قانون جديد لمكافحة الفساد.
واقع عربي مذهل!
قال التقرير أيضًا إن قطر جاءت في المركز الـ22 عالميًّا، والأولى عربيًّا من حيث مستوى الشفافية برصيد 7 نقاط، تلتها الإمارات في المركز الـ30 عالميًّا برصيد 6.5 نقاط، ثم سلطنة عمان في المركز الـ39 عالميًّا والثالث عربيًّا برصيد 5.5 نقاط، والبحرين في المركز الـ46 عالميًّا والرابع عربيًّا برصيد 5.1 نقاط، والأردن الـ49 والخامس عربيًّا بـ5 نقاط.
أما البلدان "الراسبة" بموجب المقياس فقد كانت السعودية في المركز الـ63 برصيد 4.3 نقاط، وتونس في المركز 65 عالميًّا برصيد 4.2 نقاط، والكويت في المركز الـ66 عالميًّا برصيد 4.1 نقاط، والمغرب في المركز الـ89 عالميًّا برصيد 3.3 نقاط، والجزائر وجيبوتي ومصر في المركز الـ111 (مكرر) عالميًّا برصيد 2.8 نقطة، وسوريا في المركز الـ126 برصيد 2.6 نقطة، ولبنان وليبيا وموريتانيا في المركز الـ130 (مكرر) برصيد 2.5 نقطة.
ثم أخيرًا اليمن في المركز الـ156 عالميًّا برصيد 2.1 نقطة، ثم العراق والسودان في المركز 176 (مكرر) برصيد 1.5 نقطة، وأخيرًا الصومال في المركز الـ180 عالميًّا برصيد 1.1 نقطة.
وقد كشف التقرير عن مجموعة من الحقائق المذهلة في شأن الحالة التي وصل إليها الحكم غير الرشيد، وفق المعايير الدولية في البلدان العربية والإسلامية، في حالة أفغانستان ذكرت منظمة الشفافية في تقريرها أن الفساد في أفغانستان "يمتدُّ من بيع المناصب العامة إلى الرشاوى اليومية التي يقدمها المواطنون للحصول على خدمات أساسية، بجانب تجارة الأفيون".
أما في إيران، فقد أدَّت الاتهامات التي وجِّهَتْ إلى نظام الملالي الإيراني بتزوير انتخابات الرئاسة التي جرت في يونيو الماضي؛ إلى تراجع ترتيب إيران في المؤشر بعد حصولها على 1.8 نقطة فقط تراجعًا من 2.3 نقطة في التقرير السابق للعام 2008م.
وفي السياق قالت المنظمة إن الأزمات والصراعات المسلَّحة في البلدان العربية أعاقت الجهود المبذولة لمكافحة الفساد، كذلك أدَّت تأثيرات الأزمة المالية العالمية إلى تقليل اشتراطات الحكم الجيد في المنطقة العربية.
وأضاف التقرير: "إن التهديدات التي تحيط بالبنية المؤسسية والسياسية في المنطقة تسلط الضوء جزئيًّا على الفجوة القائمة في الحكم الجيد، في حين أن عوامل أخرى، مثل قلة الشفافية وعدم الاستقرار وأموال النفط؛ لا تزال تغذي الفساد" في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، والتي تضم العالم العربي.
وركز التقرير على انتقاد الأوضاع في البلدان التي تعاني من اضطرابات أمنية وسياسية، مثل اليمن وإيران والعراق، وقالت إن هذه البلدان "تقل فيها الشفافية وينتشر فيها الفساد، وتواجه تحديات لبناء مؤسسات متينة وشفافة، كما لا تعتمد آليات ملائمةً للمساءلة".
كما قال التقرير إن دولاً مثل مصر والمغرب ولبنان لا تزال تعاني من درجة عالية من الفساد، على رغم أن حكوماتها تدَّعي محاربتها الفساد، ووقفت هذه الأوضاع عائقًا كبيرًا أمام جهود التنمية في هذه البلدان التي يقبع أكثر من نصف سكانها تحت خط الفقر.
إلا أن بلدان العالم المتقدم لم تكن بدورها بعيدةً عن انتقادات المنظمة؛ حيث ذكرت المنظمة أنه في الفترة ما بين العامَيْن 1990م والعام 2005م، تمَّ توجيه اتهامات لأكثر من 283 شركة دولية كبيرة بممارسة الفساد، بلغت جملة الأموال التي تورَّطت في إهدارها نحو 300 مليار دولار، مع ازدهار عمليات تبييض الأموال، ولكن من دون أرقام محددة في هذا الإطار.