وسط استمرار معارضة الحزبين الجمهوري والحركة الوطنية وتراشق حاد بين الأعضاء من الطرفين وافق البرلمان التركي للمرة الأولى أمس بالأغلبية على مقترح رجب طيب أردوغان رئيس الحكومة التركية لتخصيص جلسة خلال يومين لمناقشة تفاصيل تتعلق بمشروع حكومة حزب العدالة والتنمية لوضع حل سلمي نهائي للمشكلة الكردية بتركيا.

 

موافقة البرلمان على مناقشة مشروع الحكومة خلال 48 ساعةً طبقًا للقانون تأتي بعد جهود ميدانية واتصالات مكثفة مع الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع الأهلي والمدني بذلها وزير الداخلية الدكتور بشير أطالاي المسئول عن ملف الحل السلمي الكردي وجد خلالها دعمًا واسعًا من بعض الأحزاب السياسية على رأسها حزب المجتمع الديمقراطي المعارض (كردي) ورفض من أحزاب المعارضة الرئيسة خاصة الجمهوري (علماني أتاتوركي)- رفض المجلس طلبه بالتأجيل- والحركة الوطنية (قومي تركي)- رفضت اللجنة العامة مقترحه بتأجيل النظر في المشروع والمقترح الحكومي- وفي الوقت الذي ترى حكومة العدالة أن الوقت حان لتخليص تركيا من إرث المشكلة الكردية ووقف نزيف الدماء والأموال وعدم الاستقرار وإدراك أن الحل العسكري والأمني لم يقضيا على ما تصفه بالإرهاب ومن ثم تقدمت بمشروعها للحل السلمي الديمقراطي غير أن قوى المعارضة السياسية تدعي أن المشروع يتحرك على قاعدة عرقية وطائفية متعارضة مع الدستور وأنه سيقود تركيا نحو التمزق في وحدتها الوطنية ولذا رفض كل من دنيز بايقال زعيم المعارضة والحزب الجمهوري ودولت باغجلي رئيس حزب الحركة الوطنية المعارض اللقاء مع وزير الداخلية أو مع طيب أردوغان لمناقشة المشروع قبل عرضه على المجلس النيابي.

 

وقال أونور أويّمَن نائب رئيس الحزب الجمهوري في دفاعه عن رفض المشروع إن أتاتورك لم يتفاوض مع الشيخ سعيد- كردي قاد حركة ثورية في مطلع الجمهورية- واليوم الحكومة تريد التفاوض مع الإرهاب كما أن أمريكا لم تتفاوض مع الإرهاب ولم يقتل منها سوى 3 آلاف مواطن بينما نحن فقدنا آلافًا من الشهداء ووزير الداخلية لم يقدم أي إيضاح أو تفاصيل حول المشروع على مدار 6 أشهر شغل فيها الرأي العام.

 

وطلب محمد علي شاهين رئيس المجلس من أعضاء الحزب الجمهوري إنزال اللافتات التي رفعوها أثناء كلمة وزير الداخلية وتحمل عبارات تتعلق بأتاتورك والجمهورية العلمانية، مؤكدًا كون المجلس ليس ميدانًا للتظاهر وأوقف الجزء الثاني من الجلسة لعدة دقائق لإخراج اللافتات الاحتجاجية من اللجنة العامة، مذكرًا بكون الدولة أبنت أتاتورك رسميًّا اليوم.

 

من جهته انتقد عبد القادر أقصو عضو البرلمان وزير الداخلية السابق موقف حزبي المعارضة الجمهوري والحركة الوطنية من الاعتراض على عقد جلسة برلمانية في ذكرى يوم وفاة كمال أتاتورك مؤسس الجمهورية التركية- الموافق 10 نوفمبر- مشيرًا إلى استغلال المعارضة أتاتورك والقيام بعمل سياسي من ورائه، وأعرب الوزير السابق (كردي) عن أمله في تراجع المعارضة عن موقفها السلبي من الانفتاح السلمي الديمقراطي على المشكلة الكردية وأن تتحول لموقف إيجابي وتشارك بدلاً من الهروب ووضع العراقيل رغم أنها المرة الأولى بتاريخ تركيا المعاصرة التي يتم تقديم مشروع عملي سلمي للمشكلة الكردية.

 

وقال حسين شليك عضو البرلمان وزير التعليم السابق (كردي) إنه لا يوجد أي شيء يدفع للتردد والخوف من المشروع لأن وحدة ترابنا واحدة وعلمنا واحد ودستورنا واحد ولا يوجد من يتحدث عن فيدرالية فقط، الناس تريد حق الحديث باللغة الأم وتلقي ثقافة بها والتركية هي لغة التعليم في تركيا.

 

وانتقد عضو البرلمان عوني دوغان (من العدالة) المعارضة بقوله: "بيننا من يصفق للانقلاب على الحياة المدنية والديمقراطية"، وقال بشير أطالاي وزير الداخلية أمام المجلس إن المعارضة جزء أساسي من النظام الديمقراطي، ولكن يجب أن لا يكون موقفها مجرد معارضة الحكومة وإنما الإدلاء برأيها والمشاركة الإيجابية ونحن كحكومة نريد إفساد مخطط الإيقاع بين عناصر الشعب وتخليص شعبنا من الألم الطويل ونؤمن بكون المشروع سيضع حلاًّ لأزمة طويلة.

 

التنمية هي الحل

من جهته يقول غالب أنصار أوغلو رئيس غرفة تجارة وصناعة محافظة ديار بكر- أكبر محافظات شرق تركيا ويرأس بلديتها حزب المجتمع الديمقراطي الكردي المعارض بالمجلس- إن منطقة شرق تركيا بحاجة عاجلة وماسة لمشروعات تنمية للبنية التحتية وإنشاء مطار مدني وربط ديار بكر بمنطقة ساحل البحر الأبيض بالسكك الحديدية لكي يمكن نشل المنطقة من حالة الفقر والحاجة الشديدة، معربًا عن أمله في اتخاذ البرلمان والحكومة خطوات عملية في هذا الصدد. كما أصدر المفكر الكردي حمزة تركمان كتابًا حديثًا بعنوان: "مأزق القومية: الأكراد والبحث عن حل"، ذكّر فيه بأهمية مراعاة كون أي مشروع سياسي يبتعد عن الفطرة وتعاليم الوحي الإلهي يمكن أن ينتج المزيد من المظالم وأن أي خطوة تتجه صوب تخليص المنطقة من التعصب العرقي مفيدة من ناحية إصلاح الإخلالات القائمة في مجال الحقوق، مؤكدًا أن الهوية الإسلامية تحل معضلة التعصب العرقي القومي.

 

خطوات تمهيد الأرضية

تجدر الإشارة إلى أن مجموعة مكونة من 34 كرديًّا من مواطني تركيا، ومن مسلحي منظمة حزب العمال الانفصالية (بي كي كي) سلّموا أنفسهم للسلطات التركية يوم 19/10 الماضي عند الحدود العراقية البرية الشمالية، وتم إطلاق سراحهم- في إطار تمهيد الأرضية لتنفيذ مفردات مشروع الحل- بعد تحقيق سريع تم معهم من طرف النيابة العامة وقامت وزارة العدل مؤخرًا ببناء ملحق بسجن جزيرة إمرالي ببحر مرمره لينزل فيه عبد الله أوجلان زعيم المنظمة الكردية المحبوس بعقوبة المؤبد مع إنزال مجموعة من السجناء الأكراد معه في هذا السجن وتخفيفًا لحالة السجن والعزلة الانفرادية التي يعيشها منذ حبسه في عام 1999 كما حصل طيب أردوغان رئيس الحكومة التركية على وعد شفاهي من الرئيس السوري بشار الأسد بإطلاق سراح أكراد سوريا المنضمين للمنظمة المسلحة في حالة تسليم أنفسهم للسلطات كمساعدة لتنفيذ الجانب الخارجى لمشروع المصالحة مع الأكراد ونفى وزير الداخلية ادعاء وجود مقترح حكومي بتقديم مساعدة مالية بقيمة 5 آلاف ليرة تركي (حوالي 3 آلاف دولار) لمن يعود من أكراد تركيا- عددهم حوالي 10 آلاف كردي- الموجودين في مخيم محمور بشمال العراق منذ منتصف التسعينيات.

 

ويناقش المجلس النيابي أيضًا تعديلاً قانونيًّا تقدمت به الحكومة يتعلق بالوضعية القانونية للأطفال الذين يقوم بإلقاء الحجارة على قوات الأمن أثناء المظاهرات والاحتجاجات التي تقع بمنطقة شرق تركيا التي تسكنها أكثرية كردية وتشير وسائل الإعلام التركية إلى أن التعديل سيمنع محاكمة من هم أقل من سن 18 سنة.