لم يدهشني موقف أبو مازن وصحبته من تقرير جولدستون في أكتوبر 2009م، ولا ما يمارسونه كل يوم من تنسيق أمني مع الصهاينة ضد المقاومة الفلسطينية، ولا ما يصل إلينا من أنباء على مباركتهم للعدوان الصهيوني الأخير على غزة يناير 2009م.

 

ذلك لأن التنازل الذي تم بموجب اتفاقيات أوسلو هو الأساس لكل تلك الممارسات، وهو الموقف الأخطر والأسوأ في تاريخ القضية الفلسطينية منذ بدايات الصراع قبل قرن من الزمان.

 

وإنما الذي يشغلني، والذب أودُّ أن نتدارسه معًا، وأن تتدارسه كل القوى الوطنية المعنية بقضية تحرير فلسطين، هو كيف سقطت القيادات الفلسطينية كل هذا السقوط، فانقلبت من قوى للثورة والكفاح المسلح والتمسك بالثوابت الوطنية المنصوص عليها في الميثاق الوطني الفلسطيني الأصلي الصادر عام 1968م.

 

نقول كيف انقلبت إلى موقفها الحالي، والذي انتهجته منذ 1993م؟ والذي يتلخص في:

* التنازل عن فلسطين التاريخية، فلسطين 1948م التي تساوي 78% من مساحة كل فلسطين.

 

* الاعتراف بدولة "إسرائيل" وحقها في الوجود، وما لها من حقوق تاريخية في فلسطين.

 

* التنازل عن حق المقاومة والكفاح المسلح لتحرير ما تبقَّى من الأرض المحتلة (الضفة وغزة)، والالتزام بمطاردة واعتقال ومحاكمة كل مقاوم فلسطيني، والالتزام بنزع سلاح المقاومة.

 

وذلك وفقًا لما هو وارد بالنص في اتفاقيات ستة عشر عامًا الأخيرة.

 

*****

صحيح أن التراجع والسقوط والانقلاب على الثوابت الوطنية ليس قاصرًا على القيادة الفلسطينية، فهناك مصر الرسمية التي انقلب موقفها 180 درجة بعد كامب ديفيد، وكذلك باقي الدول العربية ممثلة في جامعتها التي قامت بالتنازل بالإجماع عن فلسطين 1948م بموجب مبادرة السلام العربية الصادرة في 2002م، بالإضافة إلى ما رأيناه على مرِّ العقود الماضية من سقوط عديد من القوى السياسية باختلاف اتجاهاتها، وانتقالها من معسكر المعارضة الوطنية المبدئية إلى صفوف أنظمتها الحاكمة.

 

ولكن تظل هناك خصوصية لتجربة منظمة التحرير الفلسطينية، كحركة شعبية ثورية خاضت معارك حقيقية ضد العدو الصهيوني ونجحت في استقطاب دعم وإعجاب وتأييد كل الشعب العربي بكل طوائفه وقواه في الفترة من 1964م وحتى 1982م.

 

وتكمن أهمية دراسة هذه التجربة ووضع الأيدي على أسباب السقوط، في ضرورة تأمين الذات وتأمين حركات المقاومة الحالية، خاصةً في فلسطين ولبنان من الوصول إلى ذات النهاية البائسة (لا قدر الله).

 

إن هناك مَن يطمئننا إلى استحالة تكرار ذات المصير للمقاومة الحالية؛ لأنها تتميز عن التجربة السابقة بمنطلقاتها الإسلامية التي تحصنها وتحميها من السقوط.

 

وهو كلام صحيح إلى حدٍّ كبير، ولكنه غير كافٍ، فقد ظهرت حركات تحرر إسلامية من قبل في واقعنا العربي، بدأت مبدئية وانتهت إلى غير ذلك، من أبرزها الحركة السنوسية في ليبيا التي كان لها دور كبير في مقاومة الاحتلال الإيطالي، ثم انقلبت الأجيال الأخيرة من قادتها وتحالفت مع الاحتلال.

 

كما أننا لا يمكننا أن نتجاهل وجود حركات تحرر وطني وحركات ثورية من خارج التيار الإسلامي، تمسكت بمواقفها المبدئية ضد الاحتلال حتى النهاية، مثل الثورة الجزائرية ومثل الثورة المصرية في 1956م، وكذلك في 1967م عندما أصرَّت على مواصلة القتال رغم الهزيمة.

 

كما أن هناك تجارب ثورية من خارج أرض الوطن في أمم أخرى مثل الصين وفيتنام، نجحت في الصمود حتى النصر، وهي ليست جزءًا من العالم الإسلامي من الأصل، والأمثلة كثيرة.

 

إذن، نحن في احتياج إلى البحث عن الأسباب الأخرى وراء سقوط قيادة م. ت. ف، خارج مسألة الأصول الفكرية الإسلامية وغير الإسلامية.

 

فالإسلام في أمتنا هو شرط لازم للصمود والنصر، ولكنه غير كافٍ، كما يقول الفقهاء.

 

*****

 وحيث إن هذه الورقة هي دعوة للحوار والتفكير والتأمل والتدارس، فأنني سأقوم بالتركيز على خمسة عوامل رئيسية، أدَّت مع عوامل أخرى إلى انهزام وتراجع الأولين، والتي قد تؤدي لا قدر الله إلى هزيمتنا جميعًا جيلاً وراء جيل إن لم نتداركها:

 

العامل الأول:

هو الحظر المفروض على الشعب العربي خارج الأرض المحتلة من الاشتراك في القتال ضد العدو الصهيوني، وهو حظر قديم يعود إلى نهايات الحرب العالمية الأولى، وما قبلها عندما تقاسمنا المستعمرون المنتصرون كغنائم حرب، وأعادوا صياغة عالمنا فقسموه وجزأوه، وصنعوا تصنيعًا مؤسسات أسموها دولاً، لتحمي هذا التقسيم وهذه التجزئة، فهذه دولة مصر وتلك دول سوريا ولبنان وفلسطين.. إلخ.

 

وسلَّحوا هذه الدول بآلاف القوانين والإجراءات لحماية التقسيم ومنع التوحد مرةً أخرى، من أول بطاقات الهوية والأناشيد الوطنية، ومرورا بالإعلام مختلفة الألوان والتصميمات، ثم قوانين الجنسية، وقوانين الأجانب التي حوَّلت كل عربي إلى أجنبي يعامل معاملةَ الخواجة في الأقطار الأخرى، ثم الدساتير التي تحدد حقوق وواجبات المواطن فتحجبها ضمنيًّا عن العربي الآخر، وتحدد قواعد السيادة على أرض القطر، وتجرم انتهاكها من العرب الآخرين، ثم الحدود التي وضعوا عليها حراسًا مسلحون أسموهم حرس الحدود، التي تعتقل وتطارد كل مَن يتجرَّأ من مواطنيها أو من العرب "الأجانب" من دول الجوار في الدخول والخروج إلا بأذنها وتصاريحها، وقد تطلق عليهم النيران وترديهم قتلى، إن لم يستجيبوا إلى نداء التوقيف الشهير "قف.. مَن أنت؟".

 

ولم يكتفوا بذلك، فأخذت المؤسسات المصنعة تصنيعًا المسماة بالدول العربية، تسنُّ من القوانين الداخلية ما يحرم حمل السلاح على المواطنين، وتقصره على قواتها المسلحة، وتوقع عقوباتٍ مشددةً على مَن يخالف وينتهك هذه القوانين حتى إن كان سلاحه موجهًا إلى العدو.

 

وأصدرت مزيدًا من القوانين لمنع الناس من تنظيم أنفسهم في جماعاتٍ أو أحزاب حقيقية ولو في مواجهة العدو، وأعطت نفسها فقط هذا الحق.

 

وحين غيَّرت الدول العربية مواقفها من العدو وقررت أن تترك له فلسطين، لم تسمح لمواطنيها بالاحتفاظ بمواقفهم المبدئية والتعبير عنها، فأخذت في مطاردتهم وتصفيتهم اعتقالاً وتجريمًا وسجنًا.

 

وفي النهاية، نجحت بالفعل هذه التجزئة الظالمة وحماتها من الدول العربية، ولو إلى حين، في وأدِ حركة الدعم الشعبي العربي لفلسطين، أو إضعافها وتحجيمها، وحرمانها من المشاركة في القتال، وهو ما أدَّى إلى عزل المقاومة الفلسطينية، وتركها وحيدةً محاصرةً، في مواجهة آلات الحرب الصهيوينة المدعومة أمريكيًّا ودوليًّا.

 

وكان من نتيجة ذلك أن انتصر العدو وساد وتوسَّع واستقرَّ، وكاد أن يُصبح أمرًا واقعًا يصعب إنهاؤه وتصفيته.

 

انتصر العدو قليل العدد، قليل الشأن على أمةٍ كاملةٍ عريقةٍ طويلةٍ عريضة، بدون أن يأخذ شعبها فرصةً حقيقيةً في القتال.

 

صحيح أننا في 1973م، قد شهدنا قدرًا من التعاون العربي في المعركة، والذي كان له بالغ الأثر، ولكن سرعان ما تحطم وعادت كل الدول العربية إلى حساباتها القطرية الإقليمية المحدودة والمعادية بالضرورة لمصالح الأمة الواحدة.

 

كان وسيظل هذا العامل، هو العامل الرئيسي وراء عجز كل حركات المقاومة الفلسطينية على امتداد قرن من الزمان، عن تحرير فلسطين من الصهاينة.

 

وبالتالي فإن توحيدَ الشعب العربي في المعركة ضد العدو، هو شرط لازم لتحرير كامل التراب الفلسطين، قد يطول هذا الأمر أو يقصر، وقد نمل من تكرار هذه الحقيقة فننصرف عنها عامًا أو عقدًا أو قرنًا، ولكن فلنكن على يقينٍ كاملٍ أنه بدون تحقيق هذه الوحدة لن تتحرر فلسطين، بل قد تضيع إلى الأبد.

 

قد يُقال إن هذا كلام كبير وصعب وبعيد، وإنه يتطلب جهودًا هائلةً تفوق الجهود اللازمة لتحرير فلسطين ذاتها، وكما يقول المثل الشعبي "مووت يا حمار"، وقد يُقال إنك تضع شرطًا مستحيلاً، ونحن نرد ونجيب: إنه الشرط الصحيح الوحيد، ففلسطين لن تتحرر أبدًا من داخلها فقط، ولم يحدث على مرِّ العصور أن تحررت إلا بقتالٍ عربي إسلامي فلسطيني موحد.

 

*****

العامل الثاني:

هو انسحاب الدولة المصرية من الصراع بعد 1973م بموجب اتفاقيات كامب ديفيد، وسرعان ما لحق بها على مراحل، العديد من الدول العربية، مهرولة إلى الانسحاب من المعركة هي الأخرى، في اتجاه نهجٍ طالما تبنَّته خفيةً، ولكنها لم تجرؤ على إعلانه والإفصاح عنه من قبل.

 

ونحن نعلم جيدًا من التاريخ القديم والحديث أنه لا حربَ بدون مصر، ولا نصر بدون مصر، ومنذ تم هذا الانسحاب، ضُرب خيار الكفاح المسلح كطريقٍ لتحرير الأرض المحتلة، فدخلت القوات الصهيوينة بعد توقيع اتفاقية الصلح المصرية الصهيونية بثلاثة سنوات إلى لبنان وطُردت القوات الفلسطينية بعد صمودٍ دام 83 يومًا، ونفتهم إلى أقصى بقاع الأرض العربية، تحت نظر وصمت ومباركة الدول العربية جميعًا، لم يحميهم أحد، لم يشاركهم أحد في القتال، لم تنطلق رصاصة عربية رسمية واحدة، وتركوهم لمصيرهم تحدده لهم "إسرائيل" وأمريكا.

 

وهناك في تونس، في المنفى، تم تسويتهم على نار هادئة، بحملاتٍ من التجاهل والمحاصرة والاتهام بالإرهاب، ومقاطعتهم ورفض إشراكهم في أي عمليات سياسية أو مفاوضات إلا إذا اعترفوا بـ"إسرائيل"، فصمدت القيادة قليلاً في البداية، ورفضت سنة وسنتين، ولكن انكسرت إرادتها في النهاية وخضعت وقررت قبول الاعتراف بـ"إسرائيل" والتنازل لها عن فلسطين ووقَّعت معها اتفاقيات أوسلو وأخواتها.

 

إن الشرط الثاني لتحرير فلسطين هو استعادة مصر وتحريرها من كامب ديفيد، كمقدمةٍ لاستعادة باقي الدول العريبة الأخرى إلى ساحة المعركة.

 

****

العامل الثالث:

هو الخديعة الرسمية العربية الكبرى، للفلسطينيين التي تمَّت عام 1974م في مؤتمر القمة العربية، والتي تمَّ تأسيس كل ما تلا ذلك بناءً عليها.

 

فلقد اجتمع ممثلو الدول العربية حينها، وقرروا أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، فيما ظهر وقتها أنه قرار يستهدف الدفاع عن استقلال المقاومة الفلسطينية وعدم التدخل في شئونها الداخلية وتحريرها من الضغوط الرسمية العربية التي عانت منها كثيرًا.

 

ولكن الحقيقة الكامنة وراء هذا القرار كانت هي انسحاب كل الدول العربية رسميًّا من الصراع ضد العدو، وتخليص أنفسهم، ونفض أيديهم، من أية مسئولية قتالية عن تحرير فلسطين، والاكتفاء بالدعم السياسي والمادي، فلقد باعوا القضية كما يُقال، وقاموا بتلبيس وتدبيس م.

 

ت. ف والفلسطينيين وحدهم بهذه المسئولية كاملةً، وهم وشطارتهم.

 

ولقد فرحت القيادة الفلسطينية بهذا القرار في البداية، ولكنها اكتشفت بعد برهة أنه تم توريطها منفردة في مواجهة عدو يفوقها ويتفوق عليها في كل شيء، وبالفعل ومع توالي الأحداث انسحب الجميع وبقيت المنظمة، فانهزمت، فاستسلمت.

 

حدث ذلك في تل الزعتر 1975م، وفي لبنان عام 1982م، وفي تونس من 1982م- 1993م، وفي الضفة وغزة أيام الانتفاضة الثانية2000 – 2004م، والآن يتكرر مع الجيل الجديد من المقاومة 2007- 2009م، وربنا يستر.

 

****

العامل الرابع:

هو عزل المقاومة عن الشعب العربي، فطوال كل هذه العقود كانت أجهزة أمن الدول العربية، تحظر على رجال المقاومة الفلسطينية أي تواصل مع القوى الشعبية العربية، فمحظورٌ عليهم الاتصال بهم أو التنسيق معهم أو ممارسة أي عملٍ سياسي في أي قطر عربي، وإلا كان العقاب شديدًا موجعًا، كالقبض والاعتقال والترحيل والتعذيب والتشهير.

 

ورويدًا رويدًا تعلَّم القادة الفلسطينيون الدرس، وتابوا وأنابوا، وأغلظوا الأيمان أنهم لن يتدخلوا في الشئون الداخلية للدول العربية، واختاروا أن يدخلوا الأقطار العربية عبر البساط الأحمر في صحبة وحراسة ورقابة الرسميين العرب، فانفصلوا مكرهين ومرغمين عن القوى الوحيدة التي تدعم قضيتهم بصدق وإخلاص وهي قوى الشعب في الأرض العربية.

 

وعلى الجانب الآخر لم تلتزم الدول العربية وأنظمتها وحكامها بالاتفاق على عدم التدخل في شئون فلسطين، فتدخلوا تارة بالضغط الصريح لإرغامهم على إلقاء سلاحهم والدخول في عملية التسوية والتنازل، وتارةً أخرى بالضغط الضمني بانسحابهم جميعًا بربطة المعلم من ساحة المعركة؛ لتختل موازين القوى بشدة، فينهزموا، ويستسلموا.

 

إن البساط الأحمر العربي لن يحرر فلسطين، بل سيسعى ويعمل طول الوقت على تجريدها من القدرة على المقاومة، ولا بديل إلا بالالتحام بالشارع العربي، ومشاركته همومه ومعاركه وقضاياه؛ ليشاركنا معارك المقاومة والتحرير، ففي النهاية كلنا ضحية لقاهر واحد هو هذا النظام العربي.

 

****

العامل الخامس:

هو سقوطنا جميعًا خارج فلسطين في دوامة همومنا القطرية، والتي تشغل بعضنا طول الوقت أو تشغل معظمنا بعض الوقت، تشغلنا عن استمرار المتابعة والمشاركة فيما يتم داخل الأرض المحتلة، وفيما يتم في ساحات الصراع المتعددة ضد المشروع الأمريكي الصهيوني في المنطقة.

 

ولنضرب مثلاً على ذلك بالعدوان الصهيوني الأخير على غزة يناير 2009م، فطوال أيام العدوان، وبسبب عدد الشهداء وكمية الدماء التي كنا نراها يوميًّا على شاشات التلفاز، كنا في القلب من المعركة غاضبين، متظاهرين، ضاغطين.

 

ولكن بمجرد أن توقف العدوان، انصرفنا جميعًا إلى حال سبيلنا، فعدنا إلى سابق قضايانا وهمومنا القطرية الداخلية، وتركنا المقاومة وحيدة في أشد المراحل حرجًا، وهي مرحلة تسويات ما بعد الحرب، والتي هي أشد خطرًا من الحرب ذاتها، ففيها يتحدد مصير القضية لعقود مقبلة.

 

تركناها وحيدةً في مواجهة الضغوط الأمريكية الصهيوينة الدولية العربية، داخل الغرف المغلقة وعلى موائد المفاوضات، يحاولون أن ينتزعوا منها ما لم ينجحوا في انتزاعه خلال الحرب، وهو الاعتراف بالكيان الصهيوني والتنازل عن فلسطين وإلقاء السلاح والتخلي عن المقاومة التي أسموها إرهابًا.

 

إن الدعم الدائم والمستمر وغير الموسمي لقضية فلسطين، والربط طول الوقت بين مشاكلنا الداخلية وبين قضية التحرير، هي ضرورة يجب أن نؤكدها ونتمسك بها، فما يحدث لنا هنا وما يحدث لهم هناك ليس إلا مخرجات وتفريعات لعدوان غربي أمريكي صهيوني واحد على كامل الأمة، وأي فصلٍ بينها يوقعنا جميعًا في دوائر الهزيمة في كل القضايا وفي كل الساحات.

 

****

كان لهذه العوامل خمس، مع عوامل أخرى، بالغ الأثر في إضعاف وحصار وانهزام القيادة الفلسطينية على امتداد أكثر من ثلاثة عقود، وهي عوامل لا تزال قائمةً، بل أصبحت أكثر قوةً وتأثيرًا على حركات المقاومة الحديثة، بالذات في السنوات القليلة الماضية، وعلى الأخص بعد انتهاء العدوان الصهيوني الأخير على غزة.

 

صحيح أن الاستسلام للعدو والخضوع له والتنازل له عن فلسطين، لا يبرره شيء على وجه الإطلاق، فهناك كثيرون من نفس ذلك الجيل 1964/1987م صمدوا وواصلوا الكفاح، أو على أضعف الإيمان انسحبوا في صمت، واعترفوا بهزيمة مشروعهم السياسي، ولكنهم لم يستسلموا كما فعلت القيادات الحالية للسلطة الفلسطينية.

 

فالاستسلام يتطلب تكوينًا ذاتيًّا وشخصيًّا من نوع خاص، لا يتوفر إلا في أردأ العناصر في أي شعبٍ أو حركة أو جماعة.

 

كل هذا صحيح، ولكن تظل العوامل التي تناولناها، هي عوامل إضعاف وكسر وإخضاع لقوى المقاومة وإرادتها، أيًّا كانت منطلقاتها المبدئية والعقائدية.

 

وأي تجاهلٍ لهذه العوامل والأسباب، أو تقاعس عن مواجهتها، والاكتفاء بالرهان على الصلابة اللانهائية لإخواننا في الداخل، هو لعب بالنار، ومشاركة في الحصار.

 

****

وفي النهاية أتصور أن الخلاصة هي: أن وحدة المقاومة العربية في مواجهة العدو، واسترداد مصر من كامب ديفيد، وإرغام النظام الرسمي العربي على العودة مرةً أخرى إلى تحمل مسئولياته في تحرير فلسطين، وفي الاشتباك ضد المشروع الصهيوني الأمريكي، والالتحام مع المواطنين البسطاء وقواهم الوطنية ومشاركتهم همومهم وقضاياهم والبعد عن البساط الأحمر، والربط بين مشكلات وقضايا الامة الواحدة، هي خيارات أساسية في الطريق إلى تحرير الأرض المغتصبة، والنجاة من السقوط فيما سقط فيه الأولون، وهو طريق طويل وشاق ومليء بالعقبات الهائلة، ويحتاج إلى خططِ عمل كثيرة ومعقدة، ولكنه يظل هو الطريق الوحيد الممكن والمضمون، والله أعلم.

----------------

* Seif_eldawla@hotmail.com