خطبة "البابا" والاستجابة الشعبية

هذه هي الحلقة الثالثة مع الحروب الصليبية التي نتناولها من خلال قراءتنا لكتاب الدكتور قاسم عبد قاسم، وكنا قد تناولنا في الحلقتين السابقتين: الأيديولوجية الصليبية والظروف التاريخية والدوافع.

*******

الخطبة الشهيرة:

في السابع والعشرين من نوفمبر سنة 1095م، ومن مدينة صغيرة في جنوب فرنسا تُدعى "كليرمون"؛ وجَّه "البابا" أربان الثاني خطبة إلى جمع غفير من الناس، يشمل الأساقفة ورجال الدين والأمراء والإقطاعيين؛ دعا فيها إلى القيام بحملة مقدسة تحت راية الصليب، هدفها تحرير فلسطين من أيدي المسلمين.

 

وكان أهم ما جاء بها:

أولاً: أن البابا وجَّه الدعوة إلى حملة مقدسة إلى فلسطين؛ هدفها تحرير الكنيسة الشرقية من ربقة المسلمين، وتخليص الأرض المقدسة من سيطرتهم، هذه الأرض التي وصفها الكتاب المقدس بأنها الأرض التي تفيض باللبن والعسل، ووصفها أربان الثاني بأنها ميراث المسيح.

 

ثانيًا: وأنه قد أضفى القدسية على نفسه؛ اعتمادًا على نصوص وردت في الأناجيل المسيحية، وأهمها نص من إنجيل "لوقا" يقول: "ومن لا يحمل صليبه ويأتي ورائي فلا يقدر أن يكون لي تلميذًا".

 

ثالثًا: وأنه كان يدعو إلى هذه الحملة المقدسة باسم الرب، بوصفه نائبًا عنه في الأرض؛ فقد ذكر أنه قال: "ومن ثم فإنني، لست أنا، ولكن الرب هو الذي يحثكم باعتباركم وزراء المسيح أن تحضوا الناس من شتى الطبقات..".

 

رابعًا: ولقد امتدح "البابا" شجاعة الفرنج وقدراتهم القتالية، وأدان حروبهم ضد بعضهم البعض، وحثهم على عدم إراقة الدماء المسيحية، وفرق بين الفارس الجديد الذي يحب المسيح، ويحمل صليبه، ويحب جاره، ويناضل من أجل تحريره؛ وبين الفارس القديم الذي يسعى وراء أطماعه الشخصية، ويصب العنف على إخوانه المسيحيين.

 

خامسًا: أشار "البابا" إلى منح غفران جزئي لكل من سيشارك في هذه الحملة؛ سواء مات في الطريق إلى القدس، أو قُتل في الحرب ضد المسلمين.

*******

ولقد لقيت خطبة "البابا" استجابةً فوريةً وهائلةً، فلقد طرح مشروعًا طال انتظارهم إياه بما فيه من مكاسب دنيوية وخلاص للروح، وتجسد هذا القبول والحماسة في الصيحة المشهورة التي رددها الحاضرون "أي الرب يريدها".

 

وظلت هذه هي الصرخة الرسمية للحروب الصليبية، والتي يرددونها في كل معاركهم ضد المسلمين.

 

وسارع الكثيرون يقسمون أمام "البابا" على القيام بالرحلة، كما أخذ كثيرون يخيطون صلبانًا من القماش على ستراتهم، وقد تمَّ الاعتراف بجميع الفرسان الذين أقسموا على الذهاب جنودًا في جيش الرب في احتفال رمزي.

 

وصار الصليب شارةً لكل فارس في كل حملة صليبية؛ فهو علامة على الحماية الإلهية، بالإضافة إلى تحوله إلى شارة قانونية، تدل على الامتيازات الدنيوية؛ لأن الكنيسة أصدرت مراسيم غاية في الأهمية لصالح الصليبيين، فأثناء فترة غيابه تعفى أملاك الصليبي من الضرائب، وقد يُمنح تسهيلات في ديونه.

 

ولقد حدثت استجابة سريعة من جانب الكثير من الفئات؛ فبدأ الغرب الأوروبي يتحرك كله استعدادًا للخروج: "كافة ممالك الأرض كانت تتحرك، لم يكن هناك منزل خالٍ من المشاركين...."، على حد قول بعض شهود العصر.

*******

الحملة الشعبية:

على عكس رغبة "البابا" الذي وجَّه دعوته إلى المحاربين من الفرسان والنبلاء، كانت أولى القطاعات استجابة هي العامة من الفلاحين والفقراء، الذين رأوا في هذه الدعوة فرصة للتحرر من الإحباط والجوع، ومن نير القنانة وسيطرة السادة الإقطاعيين.

 

فقد فاقت استجابتهم كل التوقعات في فرنسا والأراضي الواطئة وألمانيا وغرب إيطاليا.

وتكونت منهم حركة شعبية ارتبطت باسم بطرس الناسك؛ وهو راهب هجر الدير بتكليف من "البابا"؛ لكي يقوم بالدعوة إلى الحملة الصليبية.

 

وقد تحوَّل بطرس الناسك فيما بعد إلى أسطورة؛ فقد نسب إليه فضل إثارة الغرب الأوروبي لشن الحملة الصليبية ضد الشرق العربي الإسلامي، واعتبره بعض المؤرخين نبي الحركة الصليبية.

 

وتكونت الحملة الشعبية من آلاف الفلاحين الذين لم ينتظروا الموعد المتفق عليه؛ فبدأوا الزحف في ربيع 1096م.

 

وكان أول فرقة من حملات الفلاحين تحت قيادة شخص يُدعى "والتر المفلس"، وبدأ أتباعه في عمليات السلب والنهب في أراضي بلغاريا، فقاتلهم البلغار وقتلوا العديد منهم.

 

وفي 20 أبريل 1096م غادر جيش بطرس الناسك الأراضي الألمانية، وضم مئات من الأفاقين والمجرمين وبنات الهوى والفلاحين والفقراء من أهل المدن، فضلاً عن عدد صغير من الفرسان، متوجهًا شرقًا إلى القسطنطينية.

 

وعند مدينة "سملين" على حدود المجر مع الإمبراطورية البيزنطية؛ كشف جيش الرب عن وجهه القبيح، وجرت على "سملين" وأهلها من المسيحيين مذبحة رهيبة، وأزهقت أرواح 4000 من أبناء المدينة.

 

وتكررت المأساة في مدينة "نيش" إذ قام جيش الصليبيين بإحراق مساكن القرويين بسكانها الأحياء في داخلها.

 

فقامت الحامية البيزنطية بمهاجمة جيش بطرس الناسك، وقتلت الكثيرين من رجاله، فتفرقوا بضعة أيام، ثم تجمعوا مرة أخرى، ووصلوا مشارف القسطنطينية في أغسطس 1096م، وعاثوا فيها فسادًا فنهبوا وأحرقوا وسرقوا؛ فنقلهم الإمبراطور بسرعة إلى آسيا الصغرى عبر المضايق، وهناك ومرة أخرى ارتكبوا أبشع المذابح ضد السكان المسيحيين.

 

وانتهى بهم الأمر أن وقعوا في شباك كمين، أعده لهم الأتراك السلاجقة؛ وتم الإجهاز على الحملة الشعبية، وقُتل "والتر المفلس"، وهرب بطرس الناسك إلى القسطنطينية.

 

وكانت هذه البدايات الأولى التي كشفت عن الوجه الحقيقي لجيش الرب.

--------

* Seif_eldawla@hotmail.com