مع انتخاب "باراك أوباما" رئيسًا لأمريكا، وفي ظل الأزمات التي يواجهها والتي خلفها له الرئيس السابق "جورج بوش الابن"؛ بدأت سلسلة من التراجعات عن السياسات البوشية، والتي روَّج لها المحافظون الجدد، والتي تسبَّبت في دمار شديد في كافة أنحاء العالم وأصابنا منها الكثير من الخراب.

 

كانت المظلة التي خيَّمت على تلك السياسات هي نظرية "صدام الحضارات"، وكان للحادث الجلل في 11 سبتمبر 2001 الأثر الكبير في الترويج لتلك الإستراتيجيات والسياسات.

 

كان أهم تلك السياسات والإستراتيجيات:

1- الحروب الاستباقية ضد الإرهاب والدول الراعية للإرهاب.

2- نظرية بناء الأمم لتتوافق مع المعايير الغربية والأمريكية.

3- فرض الديمقراطية بالضغط على النظم الحاكمة الموالية لأمريكا وفرض الإصلاحات عليها.

4- أمريكا فوق الجميع ولها حق الانفراد بالقيادة العالمية.

5- الإصرار على سياسات السوق المفتوحة وتقليص دور الدولة.

 

ويمكن القول الآن- ولم تمضِ سنة على دخول "أوباما" البيت الأبيض- أن كل تلك السياسات قد تبخَّرت، وبدأت مراجعة شاملة لها دون الإفصاح عن ذلك، وها نحن نشهد في ظل الأزمة الاقتصادية ومع خطابات "أوباما" المتتالية وزياراته إلى أنحاء العالم معالم رؤية جديدة تقوم على عكس ما سبق من إستراتيجيات.

 

- فالحروب الاستباقية توقفت، وحتى المعلَّقة فوق رأس إيران ابتعدت، رغم كل الطبول التي تدقُّها "إسرائيل"، وبدأ تفاهمٌ قد يصل إلى صفقة حول برنامج إيران النووي.

 

وهناك برنامج معلَن للخروج من العراق، وسياسة جديدة نحو السودان، وتمهُّل في اتخاذ سياسات في أفغانستان.

 

- توقفت كل ألوان الضغوط على الحكومات العربية والإسلامية؛ من أجل المزيد من الحريات واحترام حقوق الإنسان والالتزام- ولو شكليًّا- بالمعايير الديمقراطية من انتخابات حرة وأحزاب متعددة.

 

- وخطبت أمريكا ودَّ أوروبا من أجل الشراكة القيادية العالمية، بل ذهبت إلى ما هو أبعد، مثل كسب ودِّ روسيا نفسها بإلغاء الدرع الصاروخية في أوروبا، ولم تعد قادرةً على فرض وجهة نظرها حتى في حلف الأطلنطي.

 

- وتدخَّلت الحكومة الفيدرالية الاتحادية الأمريكية بقوة لإنقاذ الاقتصاد الأمريكي والعالمي من كارثة محققة، رغم كل الاتهامات بالاشتراكية والشيوعية، بل يرهن "أوباما" مستقبله السياسي على مشروع قانون جديد للرعاية الصحية لمعظم مواطني أمريكا، يرهق الميزانية العامة بحوالي 900 مليار دولار على عشر سنوات.

 

وها هي نظريرة "بناء الأمم" التي تبنَّتها الإدارة البوشية تتهاوى في أفغانستان، وتُنذر بخراب شديد في العراق مع قرب رحيل القوات الأمريكية التي تحتل أرض الرافدين.

 

أفغانستان تحت ضغط "جون كيري" والدول الأوروبية ستُجري بعد شهرين إعادةً للانتخابات الرئاسية بين أقوى متنافسين، وهما جميعًا من رجال الغرب والمدعومين ماليًّا وسياسيًّا من أوروبا وأمريكا: حامد كرازاي، وعبد الله عبد الله.

 

"كرازاي" الذي أصبح رمزًا للساسة الهابطين بالبراشوت "المظلة" على بلادهم بعد صناعتهم في الخارج؛ يتلقَّى التعليمات والأوامر الصارمة بقبول الجولة الثانية بعد الإخراج السينمائي لنتائج الجولة الأولى، والتي انتهت بثبوت تزوير فاضح وإلغاء مئات اللجان الانتخابية، وطرد حوالي 50 % من مندوبي الأمم المتحدة، الذين أشرفوا على الانتخابات.

 

وها هو البطل الغربي الثاني عبد الله عبد الله يطالب بالمزيد، ويصرُّ على طرد أعضاء من لجنة الانتخابات ليقبل الدخول في الجولة الثانية التي قرَّرها الغرب، ويثبت يقينًا حالات رشاوى وفساد وتزوير فاضح تحت سمع وبصر الإشراف الدولي على الانتخابات.

 

وتسرَّبت التقارير الصحفية عن حكم عائلة "كرازاي" الذي شبَّهه "فريد مان" بعائلات "المافيا"، وحمل مقاله مرارةً شديدةً عن صديق أمريكا والغرب لمدة سنوات قليلة فكان الحصاد مرًّا.

 

انتشر الفساد والرشوة والمحسوبية، وزادت زراعات المخدرات، وازدهر محصول الأفيون الذي يهدِّد صحة شباب العالم، خاصةً في أوروبا وأمريكا، وتدهورت المرافق والخدمات، وحلَّ محلَّ "أمراء الحرب" أمراء جدد من العائلة أو القريبين منها، وتفككت البلاد، وحلَّ السخط في نفوس العباد، وانفصل الناس في كافة أنحاء أفغانستان عن الحكومة المحاصرة في "كابل"، والتي تحميها القوات الدولية من غضب الشعب وليس من قنابل طالبان فقط.

 

أصبحت أفغانستان ساحةً للتدخلات الأجنبية بعد أن قدمت أمريكا والاتحاد الأوروبي وحلف الناتو القدوة والمثال، وموَّلت الدول المحيطة وأجهزة المخابرات العالمية الحرب الدائرة، والتي تكسب طالبان فيها كل يوم ساحةً جديدةً، وتفرض سلطتها على محافظات متعددة، وتغرق القوات الدولية في المستنقع يومًا بعد يوم؛ ما يبشِّر بقرب رحيلها مكلَّلةً بالخزي والعار، بعد دمار البلاد، ومصحوبةً بلعنات الأفغان، الذين لم يذوقوا طعم الراحة وراحة البال منذ الغزو السوفيتي لبلادهم، والذي استثمرته أمريكا والغرب في لحظة تاريخية لإنهاك العدو القديم والقضاء عليه، ثم اخترعوا عدوًّا جديدًا هو "الإسلام والمسلمين"، وجاء الآن الدور عليهم ليذوقوا من نفس الكأس الأفغاني.

 

الحصيلة الآن في أفغانستان بعد عقد تقريبًا من الزمان مخيبةٌ لكل الآمال على كل الأصعدة فيما يتعلق ببناء الأمم.

 

وإذا كان البعض يعترض على مصطلح "بناء الإنسان" أو "صياغة الفرد" كما حدث في البلاد الشيوعية وكما ينادي بعض الإسلاميين؛ فإن الغرب يقع الآن في نفس الخطأ وعلى مستوى أكبر.

 

وها نحن نرى في العراق أيضًا نُذُر الفشل السياسي والاقتصادي والمجتمعي، مع عدم قدرة البرلمان العراقي على إقرار قانون جديد للانتخابات، وفشل النخب السياسية التي تفرز يوميًّا ائتلافاتٍ جديدةً في الاتفاق على تفسير الدستور وحسم الخلافات، والارتفاع فوق الطائفية المقيتة، واحترام التنوع والتعدد العرقي والمذهبي من أجل بناء عراق جديد، لا يترحَّم أبناؤه على أيام البعث وصدام حين يفتقدون الحد الأدنى من الأمن والاستقرار والخدمات.

 

والسبب الرئيسي هو اعتماد نظرية "بناء الأمم"، وتصميم هندسة المجتمع على أوراق خارجية أو في أجهزة الكمبويتر، دون إلمام بطبيعة البشر وتركيبة المجتمعات، وكأن الطوائف والفرق والبشر أحجار على رقعة شطرنج، يحرِّكها المبرمجون كيفما شاءوا!!.

 

انهارت سياسات بوش الابن ومحافظيه الجدد، ولم تبدُ في الأفق حتى الآن ملامح رؤية أوباما الجديدة، والسؤال: هل سنظل تنتظر رؤية "أوباما" وسياسته الجديدة طويلاً؟ وهل تظل في محلِّ "المفعول به" دائمًا؟! ولماذا لا نأخذ بأيدينا زمام المباردة لإنقاذ أنفسنا وإنقاذ مستقبل أولادنا وأحفادنا وبلادنا؟

 

أمراضنا معروفة لنا وتشخيصها وعلاجها تمَّ وصفه أكثر من مرة، ولكن مَن يُجبر المريض على تناول العلاج؟!

 

أول العلاج أن نعتمد بعد الله على أنفسنا، وألا ننتظر من الآخرين مساعدةً لن تكون أبدًا مجانيةً أو لوجه الله.

 

الذين ينتظرون رقابةً دوليةً على الانتخابات لمنع تزويرها المستمر سينتظرون طويلاً دون جدوى، حتى لو أتت الرقابة الدولية وجيوشها من المندوبين، وها هو الدرس واضح في أفغانستان.

 

والذين ينتظرون "رؤية أوباما" ويريدون منه الضغط على الحكومات العربية والإسلامية لفرض المزيد من الحريات وتدعيم الديمقراطية؛ عليهم أن ينظروا إلى ما يحدث في باكستان وما يجري في مصر والبلاد العربية؛ بعد خطاب أوباما الشهير، وسينتظرون طويلاً دون فائدة.

 

أما الذين يجاهدون في بلادهم من أجل انتزاع الحقوق الأساسية للمواطنين، وفرض دولة القانون واحترام حقوق الإنسان، ويقدمون في سبيل ذلك كل التضحيات ويتنازلون عن بعض أولوياتهم من أجل القواسم المشتركة مع الفرقاء والآخرين، ويعظِّمون القدر المشترك من الاتفاق الوطني، ويحتكمون في النهاية إلى الإرادة الشعبية الحرَّة في انتخابات دورية.. هؤلاء هم على طريق النجاح، وإن طال بهم الطريق وعظمت التضحيات.

 

سقطت نظرية "بناء الأمم" وفشل استيراد النماذج الجاهزة، فلندرك الواقع، ولنبدأ بأنفسنا، ولنتوافق على برامج الإصلاح، ونعتمد على الله.