البدوي عبد العظيم البدوي

 

يراقب الشارع المصري بكل شرائحه ومكوناته، والمهتمون والمراقبون على المستوى الدولي باهتمام لاقتراب موسم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية خلال العامين القادمين 2010م و2011م في مصر، وما لهذه الاستحقاقات من أهمية في تحديد مستقبل النظام السياسي في مصر خلال السنوات القادمة، ومؤشر لمدى تمتع الحياة السياسية في مصر بالديمقراطية والشفافية وحقوق الإنسان التي يتطلع إليها أبناء البلاد؛ وهو الأمر الذي سيظهر كنتاج تلقائي وطبيعي لتحديد اسم الشخص المرشح لاعتلاء هرم السلطة في مصر.

 

ورغم أن القوى الخارجية المهتمة بهذا الملف لا يعنيها حقيقة أن يتمتع الشعب بالحريات العامة والديمقراطية من عدمه، إلا أنها مهتمة وبقوة أن تظل الأوضاع في أحد أهم مناطق نفوذها تحت السيطرة؛ لذلك تجد نفسها دائمًا مدعوة للبحث عن الشخص الذي يستطيع تحقيق مصالحها وثوابتها في المنطقة؛ وأهمها ضمان أمن "إسرائيل"، وضمان عدم إنتاج الانتخابات لنظام قد يعرقل ترتيباتها ومخططاتها للمنطقة، خاصةً أن مصر تعد قاطرةَ المنطقة وبوابة التغيير فيها.

 

وعلى الرغم من أن وقع النظام السياسي المصري لا يمكن وصفه بأنه حي أو نشط إذ يعاني من مشكلات كبيرة تحمل في طياتها عوامل انهياره أكثر من عوامل بقائه، إلا أن النظام قد أفلح حتى الآن في إصابة الحياة السياسية في البلاد بالفشل والشلل التام عن طريق اتباع عددٍ من السياسات والأساليب؛ أهمها إخضاع الحياة الحزبية في مصر للنظام الحاكم، واتباع أسلوب العصا والجزرة معها، والتأكد من عدم اجتماع قوى المعارضة أو تكتلها في جبهة واحدة، تضم كافة ألوان الطيف السياسي المصري في مواجهة النظام لتفضح ممارساته الإقصائية.

 

كل ذلك يدفعنا لمراجعة الوضع السياسي العام في البلاد، وتقييمه في محاولة لتكوين صورة حول شكل مستقبل النظام السياسي في ضوء الحديث الذي لا يكاد يتوقف عن توريث الحكم في البلاد في إطار الاستحقاق الرئاسي المقبل.

 

دوافع نحو التوريث

يرى البعض أن عملية التوريث تكتسب قوتها من شخص الرئيس ومنصبة فقط، إلا أن  للتوريث عوامل أخرى تدعمه، بل وتدفع به إلى السطح كلما خفت، أو قل الحديث عنه، وأهم تلك العوامل الدافعة إلى تمرير عملية التوريث، وبالتالي عرقلة كل المحاولات الحزبية والشعبية والنخبوية لوقف هذا المشروع عاملين مهمين:

 

- العامل الأول: داخلي ويتمثل في لوبي أصحاب المصالح ورجال الأعمال والمتهمين بالفساد المالي، والإداري في البلاد، والذي يدفع لإنجاح وتمرير عملية التوريث لأسباب، تتعلق بإمكان توجيه اتهامات ومحاكمة أفراد هذا اللوبي وتحاشيًا للكشف عن ملفات فساد ضخمة قد تطال أسماء من قمة الهرم في السلطة في النظام الحالي، والذين لن يكون لهم مكان لو تمَّ تغيير رأس النظام، والذي تربطهم به علاقة وثيقة.

 

- العامل الثاني: خارجي، والمتمثل في المشروع الصهيوأمريكي في الشرق الأوسط، ومصلحته في أن يظل النظام الحالي قائم بدون تغيير؛ نظرًا لما يؤديه من خدمات لصالحهم  في المنطقة، خاصةً على صعيد القضية الفلسطينية، بل إن من مصلحتهم أن يظل هذا التجاذب مستمرًّا بشأن عملية التوريث من عدمه؟ وشخص المرشح، ولأطول فترة ممكنة؛ ما يمكنه من الحصول على أكبر قدر ممكن من التنازلات من الشخصية المحتملة، أو التي يتم طرح اسمها هذا من جهة، ومن جهة أخرى؛ فإن طول فترة التجاذب حول التوريث يعطي الولايات المتحدة الأمريكية الفرصة لترتيب أوضاعها، ودعم أنصارها في الداخل وتجهيز السيناريو البديل لنقل السلطة في البلاد، وبأقل التكاليف، وبدون أي تشويه لصورتها كدولة داعمة ومبشرة بالديمقراطية في العالم، ولم يكن خبر عزم الولايات المتحدة إنشاء مدارس للمتميزين من أبناء البلاد في مختلف المحافظات المصرية إلا في إطار تربية وإعداد جيل ترتبط مصالحهم بأمريكا من أبناء الشعب، وليس لدى أمريكا مانع من وجود فترة انتقالية يحكم فيها نجل الرئيس للبلاد (لأنه أفضل الخيارات المتاحة بالنسبة لها) لحين ترتيب والانتهاء من تشكيل نظام جديد.

 

الأحزاب السياسية المصرية

 تناقلت الصحف مؤخرًا أخبارًا عن اجتماع عقد بين النظام وأربعة من الأحزاب المصرية المعارضة، تلقت خلالها عرضًا بالحصول على عدد من مقاعد البرلمان- المقاعد التي تحوزها كتلة الإخوان المسلمين بالبرلمان- تتراوح بين 20 و30 مقعدًا لكل حزب في مقابل (عدم التحالف مع الإخوان المسلمين، وعدم التعاطي أو التبني لجبهة "ما يحكمش" المناهضة لمشروع التوريث، وعدم ترشيح منافس أمام مرشح الحزب الوطني، وعدم تعاطي صحفها الحزبية مع تحدي مشروع التوريث).

 

ثم تناقلت الأخبار بعد ذلك بأيام أنباء عقد اجتماع تنسيقي بين أحزاب المعارضة (المسماة بالرئيسية) الوفد، التجمع، الناصري، الجبهة على مستوى رؤساء الأحزاب والأمناء العامين بغرض التنسيق فيما بينها، وبحث مستقبل الحكم في مصر، وكذا تحركات تلك الأحزاب استعدادًا للانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة.

 

خيارات الأحزاب والسيناريوهات المحتملة

- السيناريو الأول: فشل المعارضة على توحيد صفوفها، أو رفضها تشكيل جبهة موحدة ضد النظام، وخروج أحزاب المعارضة الرسمية تلك عن الإجماع الوطني الحقيقي الرافض لاستمرار النظام، واستجابتها لمطالب النظام في مقابل الحصول على أي شيء من النظام؛ وذلك بسبب إحساس تلك الأحزاب بضعفها، وعدم قدرتها على الوجود على الأرض في الشارع السياسي المصري أو إحساسها بالغيرة من قوى وطنية أخرى، لها شعبية أكبر منها؛ ما يؤدي إلى أن يظل الواقع السياسي على ما هو عليه، وتزداد أوضاع المواطن العادي تدهورًا، وبذلك تكون قد أطلقت على نفسها رصاصة الرحمة، واستخرجت شهادة وفاتها الرسمية، وما يترتب على ذلك من نتائج أهمها خضوع البلاد للهيمنة الصهيوأمريكية بصورة معلنة، وانتهاء مشروعها الخاص الداعم لمشروع عربي أو إسلامي ما زال في المخاض، وبالتالي إلحاق أضرار ضخمة بالأمن القومي المصري؛ مثل تقديم مصر تنازلات من حصتها في مياه النيل، وتنازل مصر عن ريادتها الإقليمية لصالح المشروع الصهيوني الذى يهرول مسرعًا لإبرام معاهدات (سلام شكلي) بمساعدة الولايات المتحدة؛ تمهيدًا لإعلان نفسها قيادة جديدة للمنطقة، بديلاً عن النظم الديكتاتورية القديمة التي حصلت على فرصتها كاملةً، ولم تحقق التنمية لشعوبها.

 

- السيناريو الثاني: أن تقدم تلك الأحزاب مصلحة الشعب والوطن على مصالحها الخاصة- وتعيد كتابة شهادة ميلادها من جديد- وتوسع تحالفاتها لتشمل باقي قوى المعارضة الأهم والأقوى، وعلى رأسها الإخوان المسلمون، باعتبارها أنها الأكثر التساقًا بالشعب، وباقي حركات المعارضة النخبوية مثل "كفاية" و"ما يحكمش"، وغيرها من الحركات مثل "مصريون من أجل انتخابات حرة والنقابات المهنية"، وتفتح معهم حوارًا جادًّا؛ للتنسيق لبناء جبهه قوية للضغط على النظام داخليًّا وخارجيًّا من أجل إجبار النظام على تقديم تنازلات حقيقية لصالح الحريات العامة والشفافية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وبذلك تخرج تلك الأحزاب من إطار هيمنة النظام، وتتحول إلى فاعل سياسي مهم؛ ما يكسبها قوةً وأهميةً بالتدريج، فتعود لها قوة الدفع التي تفتقدها تدريجيًّا بالتالي أهميتها في الشارع السياسي المصري.

 

- السيناريو الثالث: أن تستجيب الأحزاب السياسية المصرية لمطالب النظام، وترضخ له خوفًا من العصا أو أملاً في الجزرة، كما في السيناريو الأول؛ ولكن في ظل متغير جديد، وهو خروج ورفض باقي قوى المعارضة عن لعب دور المفعول به، وإصرارها لعب دور المبادر والفاعل الحقيقي؛ فتتوحد لتشكيل جبهة وطنية واحدة، وتتخذ من الإجراءات الداخلية والخارجية ما يساهم في الضغط السلمي والدستوري على النظام، وبذلك تكتسب باقي قوى المعارضة قوة دفع أكبر لمشروعها الرافض لانهيار الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد، وفي سبيل تحقيق ذلك قد تضطر إلى تعرية النظام دوليًّا، والضغط عليه لتحقيق الإشراف الدولي على الانتخابات؛ إضافةً إلى الضغط الشعبي؛ ما يدفع النظام لتقديم تنازلات حقيقية على صعيد الإشراف الدولي على الانتخابات، بعد إلغاء الإشراف القضائي عليها.

 

والمأزق المهم هنا لأحزاب المعارضة؛ هو أنها سوف تتعرض لهجوم شعبي مماثل لما للنظام نفسة، باعتبار أنها تقوم بدور المحلل له؛ ما سيكلفها ثمنًا باهظًا على صعيد شعبيتها، وحضورها في الشارع، فضلاً عن خسائرها النخبوية التي ستكون شبه مؤكدة.

 

ومن جماع ما تقدم؛ فهناك عدد من الأسئلة التي تطرح نفسها للإجابة عليها؛ هل تستطيع قوى وأحزاب المعارضة في مصر أن ترتفع عن مصالحها المحدودة، وتنظر لمصلحة مصر التي هي فوق الجميع، وتفوت على النظام محاولاته لحماية مصالحه المحدودة؟ وهل لدى أحزاب المعارضة رؤية حقيقية لبناء مشروع وطني حقيقي، في حين أنها تنظر وتسعى لتحقيق مصالح شخصية أو مالية أو حتى إعلامية ضيقة؟ وهل تستطيع النخبة المصرية بما فيها أحزاب وقوى معارضة أن تنتشل البلاد من السقوط في غياهب المشاريع الوافدة التي تتمدد في منطقة النفوذ المصري والعربي، وأخطرها المشروع الصهيوأمريكي؟

 

وفي حقيقة الأمر، إن السؤال المهم، والذي يشغل خاطر كل غيور على هذه البلاد الطيبة هو إلى متى ستظل ترسم القوى الخارجية مستقبل بلادنا، دون أن يكون لنا الحق في أن نتمتع بالحياة في بلادنا، والتمتع بخيراتها في ظلِّ الشعارات التي ترفعها أوروبا وأمريكا والدول المتقدمة من حقوق إنسان وشفافية وتداول السلطة ومنح فرص للشباب؟ وإلى متى سيظل دور أحزاب المعارضة في البلاد مجرد رد فعل لما يعرض عليها؛ خاصةً في غياب مشروع حقيقي لدى أي منها؟ ولماذا لا تنتقل لدور الفاعل بتضامنها وتكتلها مع باقي ألوان الطيف السياسي في مصر؛ خاصةً حركة الإخوان المسلمين، باعتبار أنها الوحيده التي تمتلك مشروعًا حقيقيًّا له معالم محددة ورؤية واضحة؟

 

كل تلك الأسئلة في حاجةٍ إلى إجابات واضحة، إلا أن الإجابة عليها ليست لدينا، وإنما لدى قوى المعارضة المصرية، وعلى رأسها الأحزاب المعارضة، وقبولها للآخر من المعارضة على أنه شريك لها، وليس خصمًا، وبالتالي مد يد التعاون مع باقي قوى المعارضة لصالح البلاد، وهو ما سيظهر في خيارات المرحلة المقبلة.

----------

* مستشار قانوني- محكم تجارى دولي- باحث