وما زالت المصائب تتوالى، تترى في العهد "المبارك" "النظيف" "المفيد"، فما يكاد الشعب المنكوب يفيق من كارثة حتى تنزل على أم رأسه كارثة أشدُّ، والحال على ما هو عليه: لجان تحقيق ومتابعة حثيثة من السيد الرئيس، ومعونات للمصابين وتزيد قليلاً للموتى، وينتهي الأمر على ذلك.
ودون الدخول في تفاصيل الحادث وأسبابه- فهذا ذهب مع الصناديق السود والحمر والخضر- فإن أشدَّ ما آلمني وجعل الدموع تذرف من عيني هو تلك اللا مبالاة والاستهانة من الإعلام الرسمي لدماء المصريين على الأرصفة؛ ففي الوقت الذي كانت الفضائيات الخارجية (خاصةً الجزيرة) تنقل الأحداث أولاً بأول، وسخِّرت قناة (الجزيرة مباشر) وقتها لنقل وقائع الحادثة واستخراج الموتى والمصابين وعمليات الإنقاذ على الهواء مباشرةً؛ اكتفت بعض القنوات الخاصة، مثل (دريم) و(المحور) بتقريرٍ سريع عن الحادثة، ثم انتقلت لجدول برامجها الطبيعي ما بين الغناء، (كانت (المحور) تذيع أغنية راقصة ماجنة لعمرو دياب) وبرامجها العادية (كانت (دريم) تذيع برنامجًا حول انتخابات الرئاسة القادمة).
لكنَّ الأشد والأقسى الذي لم أكد أصدقه تليفزيون الدولة الرسمي؛ فكنت أتنقَّل بين محطاته بين الفينة والأخرى لأراقب تغطيته للحدث؛ فإذا بالقناة الأولى المصرية مشغولة تمامًا بنقل حفلٍ غنائي، وإذا بالفضائية المصرية تنقل برنامج "البيت بيتك" الذي كان يتحدث عن موضوعٍ بعيدٍ عن الحدث، لم أستطع حتى أن أتعرَّف على الموضوع؛ فتعجبت من هذا البرود واللا مبالاة غير المعقولة.
وبعد قليلٍ رجعتُ إلى القناتين المصريتين مرةً أخرى فإذا بالأولى تُذيع بعد الحفل الغنائي عرضًا للسيرك ثم عرض باليه، وإذا بالفضائية تذيع فيلمًا دراميًّا، وكأنَّ الأمرَ لا يعنيهم في شيء، وكأنَّ الحادثَ وقع في بلاد "الواق واق"، وليس على بُعد عشرات الكيلو مترات من ماسبيرو، أو كأنه وقع في قطر؛ لذلك سخَّرت (الجزيرة) إمكانياتها لنقله مباشرةً.
ربما يكون التليفزيون الرسمي نقل الحادثة من باب ذرِّ الرماد في العيون، لكن هل مجرد النقل يكفي في مثل هذا الأمر؟!
عشرات القتلى والمصابين تسيل دماؤهم بين قضبان الحديد.. والغناء والباليه والأفلام الخليعة تسيطر على قنواتنا الرسمية؟! ألا توجد بقية من حياء أو حمرة خجل تجعل القائمين على هذا الجهاز الخطير الذي ينهب من دماء الشعب الكثير يسخِّرون قنواته لمتابعة الحدث وتطمين الناس وإرشادهم لطريقة التعامل المثلى مع مثل هذه الأمور؟!
وإذا لم يكن قد وصل لهذه الدرجة من الوطنية والإنسانية.. فكان حريًّا به أن يلتزم الصمت أو يأتي حتى ببرامج أخرى مألوفة من تلك التي تكرِّس للنظام وأهله وأولاده؛ فإن ذلك كان أرحم بالناس ومشاعرهم.
ولكن ربما يلتمس لهم البعض عذرًا؛ لأنهم لو اتبعوا هذا المنهج في نقل المصائب فإن القنوات ستتحوَّل لمأتم طوال الوقت لكثرة الحوادث والنوائب والمصائب؛ فحالهم كالحانوتي الذي اعتاد رؤية الجثث والموتى فألف قلبه الموت وشواهده.
فمن مصيبة إلى مصيبة ومن كارثة إلى كارثة، ومن عدد موتى ومصابين إلى أعداد أخرى، في حال عبر عنه أصدق تعبير لقناة "الجزيرة مباشر" ذلكم الفلاح المصري البسيط الذي كان شاهد عيان على حادثة القطارين، مذكِّرًا بحادث احتراق قطار عام 2002م في نفس المكان؛ إذ قال: "إحنا عندهم زي الناموس مبيهتموش بينا ولا بأرواحنا".
وإحساس هذا المواطن بهذه النظرة الدونية من المسئولين نابعٌ من تاريخ من الكوارث لم يقابَل بأي ردة فعل مناسبة من الحكومة.
وفي هذه الأثناء تذكرتُ الموقف الرائع لوزيرة كويتية- تقارَن بمئات الوزراء الرجال عندنا- قدَّمت استقالتها كوزيرة للصحة الكويتية؛ بسبب حريق في مستشفى "الجهراء" أودى بحياة ثلاثة مواطنين، رغم أن فترة توزيرها كانت قصيرةً؛ أي لم تكن تتحمَّل مسئولية أي تقصير عما حدث، لكنها في مقابلة تليفزيونية بعد ذلك صرَّحت بأن شعورها الأدبي والمعنوي تجاه الضحايا جعلها تبادر بذلك.
فأرجو أن يكون عند وزرائنا ولو مثقال ذرة من الشعور الأدبي تجاه هذه الوزيرة التي احترمت شعبها فاحترمها شعبها بعد ذلك، وحصلت على أعلى الأصوات في انتخابات مجلس الأمة الأخير.. إنها الدكتورة "معصومة المبارك".
ولا أريد الاستطراد في تعامل الدول الأخرى مع مواطنيها وتحمُّلها للمسئولية تجاه هذه الأمور، لكن قبل أن أختم أنقلكم إلى برنامج (العاشرة مساء) الذي أشرت إليه منذ قليل عن الانتخابات الرئاسية المقبلة، وأبرز المرشحين الشعبيين لها، وإذا بمَن كان حريًّا به أن يحترم علمه وتخصصه الأكاديمي، ولا يحصر نفسه في مجال حزبي ضيق أفقده الكثير من هيبته العلمية واحترامه البحثي، حتى جعله يرتضي أن يقبل بكرسي مزوَّر في البرلمان المصري.. إنه مصطفى الفقي الذي جاء لـ(العاشرة مساءً) ليكرِّس نظرية الحاكم الأوحد والحزب الأوحد، وأترك لكم التعليق على قوله في البرنامج عن رئيس مصر: "أنتم بتتكلموا عن رئاسة مصر يا إخوانا.. مصر مش أي دولة.. وعشان كده فرئيس مصر لازم يبقى عارف كل كبيرة وصغيرة فيها.. عارف حواريها وشوارعها وطرقها.. عارف جوامعها وكنائسها، عارف سكانها ومشاكلهم وهمومهم"، أو كما قال ابن الفقي لا فض فوه.
وفي النهاية رحم الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي قال: "والذي بعث محمدًا بالنبوَّة، لو أن سخلة ذهبت بشاطئ الفرات لأُخذ بها عمر يوم القيامة.. إنه لا حرمة لوالٍ ضيَّع المسلمين".
----------