لم أكن لأتأخر عن الكتابة عن د. محمد السيد سعيد، ذلك المفكر والباحث الفريد، الذي سطَّر الكثيرون عن مناقبه، وتحدَّث الجميع عن مآثره، ولم يعد هناك من مزيد للقول فيه وعنه.

 

تميَّز د. محمد السيد سعيد بين أقرانه من المفكرين والباحثين والخبراء في العلوم السياسية والاجتماعية بعدة ميزات رفعته فوق الجميع.

 

كان متواضعًا، زاهدًا، بسيطًا، بشوشًا، مستمعًا باهتمام لمن يتحدث إليه، مجددًا، ذكيًّا متألقًا، فوق أنه كان يأتي دائمًا بالجديد، وكأن الأفكار طوع يمينه، وكان متنوعًا في اهتماماته، لا يحصر نفسه في مجال واحد من مجالات العلوم السياسية والاجتماعية، ولا أنسى مقالاً في يوم عيد يتحدث عن غياب بهجة العيد من النفوس.

 

وكان فوق ذلك أيضًا ملتزمًا بما يقول، ويعمل بما يقتنع به ولو كان في ذلك تضحيات جسام، ويكفي في ذلك موقفان:

 

الأول: تعرضه للتعذيب والسجن؛ بسبب مناصرته لعمال السكك الحديدية في إضرابهم الشهير نهاية الثمانينيات، ولولا تدخل نقيب الصحفيين بعد رؤيته له في السجن لمكث في السجن بضع سنين!.

 

الثاني: موقفه أمام رئيس الجمهورية في حوار نادرٍ بين مثقفٍ ومفكرٍ حقيقيٍّ يعبِّر عن آمال المصريين في الإصلاح ورئيس دولة يحاول الجميع تبرئته من تبعة تدهور الأمور في البلاد ويلقي بالتبعة على غيره من المسئولين، وكان الراحل الفريد متألقًا متدفقًا في الكلام، مستعدًّا للموقف بمذكرة ضافية وافية، وقوبل باستهزاء شديد، لم يمنعه من بيان رؤيته، ولم يصرفْه عن استكمال حديثِه، ثم لم يوقفْه عن الاستمرار في نشاطه بعد اللقاء؛ من أجل إصلاح هذا الوطن، المنكوب بنخبته الحاكمة ونخبته المثقفة، التي تمالئ الحكَّام ولا تقول لهم كلمة الحق الصريحة ولو كانت مُرَّةً.

 

وهذا الموقف الأخير لم يقفْه في مصر الحديثة إلا عددٌ يُعَدُّ على أصابع اليد الواحدة؛ أذكر منهم الشيخ الغزالي رحمه الله مع الرئيس عبد الناصر في مؤتمر الاتحاد القومي، والشيخ عاشور (مع كل التحفظات) مع الرئيس السادات في مجلس الشعب، والأخوين الكريمين حمدين صباحي وعبد المنعم أبو الفتوح في لقاء اتحاد الطلاب مع السادات في السبعينيات، والكاتب الكبير محمد سيد أحمد اليساري المعروف أمام مبارك أوائل التسعينيات، ومحمد سيد سعيد في منتصف الألفية الثانية، منذ حوالي 3 سنوات.

 

كان الجميع يتوقع رحيله بعد رحلة المرض المضني المؤلم الذي أصابه منذ أكثر من سنة، وتلقَّاه برضا وتسليم، ولم تفارق البسمة شفتيه في أشدِّ الأوقات صعوبةً، ولكنَّ الجميعَ كان يتمنَّى حدوث معجزة إلهية تُبقي محمد بينهم؛ لأن الكل يستمد منه قوته وثباته، ويرى فيه نموذجًا فريدًا ومقياسًا للنبل والكبرياء فى وقت عزَّ فيه النبلاء، واستنوق فيه الجمال، وخضع فيه المثقفون لغواية السلطان وإغراء المال.

 

عندما بلغني نبأ الوفاة الذي طيَّرته الفضائيات ورسائل المحمول ومواقع النت؛ توقفت من أجل الدعاء له، وهنا توسَّلت إلى الله تعالى ببعض ما أعرفه عن محمد السيد سعيد، واستحضرت هؤلاء الذين ذكرهم الله ورسوله، وكيف غمرتهم رحمة الله تعالى بأعمال نظنُّها عاديةً وهي عند الله عظيمة، تذكَّرت وقوفه بجوار الضعفاء، ودفاعه عن أصحاب الحقوق الضائعة، ونصرته المستمرة للفقراء والمساكين، وقوله الحق ولو كان مرًّا، وجهره بالصدق في وجه سلطان جائر وحاكم ظالم لم يخشَ بطشه وجبروته، ونصحه المستمر من أجل هذا الوطن، وإيمانه القويّ برحمة الله وصبره الطويل على المرض الخطير، وعدم تبرُّمه وتذمُّره مما أصابه من ابتلاء، ومطالبته الدائمة بإطلاق سراح المعتقلين والمحبوسين، ووقوفه ضد المحاكمات العسكرية للمدنيين ونصائحه التي لم يدَّخر وسعًا في إسدائها لكل القوى السياسية، خاصةً للإخوان المسلمين، وترحيبه الدائم بالحوار مع المختلفين معه، ودعوته للسلم الأهلي والمصالحة بين جميع المصريين... و... و... إلخ.

 

ومع استحضاري نية الدعاء، تذكَّرت كيف رحم الله رجلاً سقى كلبًا في الصحراء أصابه العطش، وكيف ذكر الله قصة مؤمن آل فرعون في القرآن، لرجل من حاشية الحاكم دافع عن نبي الله موسى عليه السلام، وكيف دخل الجنة كثيرون بأعمال نظنُّها عاديةً ولا تدخل ضمن العبادات المعروفة ولا الذي ألفه المتدينون من أعمال الخير والطاعات، ولكن اكتنفتها نية خالصة، وصدرت عن نفس مشرقة مؤمنة، وجاءت بها السنة النبوية لتذكِّرنا أن رحمة الله واسعة، وأنه لا يستطيع بشرٌ أن يحيط بسعتها ولا أن يحجرها على أحد.

 

ستفتقد الساحة المصرية والعربية مفكرًا فريدًا من طراز نادر، كما افتقدت من قبل أمثال: محمد سيد أحمد، وعبد الوهاب المسيري، ومن قبلهما جمال حمدان، وسيخسر المدافعون عن حقوق الإنسان مناضلاً قويًّا زاهدًا متفردًا، في ظل وجود كثرة من المتاجرين بقضية حقوق الإنسان، وستخسر الصحافة المصرية والعربية معلِّقًا ومراقبًا ومدقِّقًا عزَّ وجود مثيله الآن.

 

لذلك حضرت كلُّ التيارات الفكرية والسياسية جنازة الراحل والفقيد في بلده بورسعيد، وشارك الأخَوَان النائبان أكرم الشاعر وأحمد الخولاني، وسافر الأخ د. سعد عمار من دمياط لوداع الفقيد.

 

كما رأيت في عزاء "الأهرام" ممثلين لكل القوى والتيارات، وجلست بجوار المرشد العام الأستاذ محمد مهدي عاكف، نستمع إلى آيات الذكر الحكيم، أو نتذكر مناقب الفقيد، وسط حشد من المثقفين والسياسيين والخبراء، الذين أتمنَّى أن يتذكروا جميعًا يوم رحيلهم، وماذا سيقول الناس عنهم؟! وماذا سيقدمون بين يدي الله يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم؟!

 

أشهد يا محمد السيد سعيد- على قدر معرفتي بك- أن قلبك كان سليمًا من الغش والخداع والنفاق للسلطان.

 

ولا أنسى ونحن في غياهب السجن بعد المحكمة العسكرية عام 1995م كيف كنا ننتظر كلمةً منصفةً في حقنا وفوجئنا بعمود لمحمد سيد سعيد في "الأهرام" يطالب بالإفراج عنا، في حين امتنع الكثيرون عن مجرد ذكر أسمائنا أو التطرُّق لقضيتنا، والمطالبة بأبسط الحقوق لنا، وهو الحق في الحرية.