"الظروف التاريخية والدوافع"
هذه هي الحلقة الثانية في سلسلة الحروب الصليبية التي نتناولها من خلال كتاب "ماهية الحروب الصليبية" للدكتور قاسم عبده قاسم.
وكنا قد تناولنا في الحلقة الأولى جذور الأيديولوجية الصليبية، وفي حلقة اليوم سنتناول بإذن الله الظروف التاريخية التي سادت كل من أوروبا والإمبراطورية البيزنطية والعالم العربي الإسلامي. وكذلك الدوافع والأسباب التي حركت كل قوى وأطراف العدوان.
***
مشروع العصر:
* مثلت الحرب الصليبية انعطافًا خطيرًا في تاريخ الغرب الأوروبي من حيث مجالها الجغرافي أو إطارها الزمني أو إعداد الذين شاركوا فيها.
* وهي أول حرب يخوضها الأوروبيون تحت راية أيديولوجية واحدة.
* وكانت إفرازًا للتفاعل بين الكنيسة والإقطاع.
* فكانت الكنيسة تهدف إلى السيادة المطلقة على العالم المسيحي منافسة في ذلك الإمبراطورية.
* وكان فرسان الإقطاع يتوقون إلى توسيع سلطانهم وأملاكهم، ولم يكن هذا ممكنًا دون الصدام مع الملكية، وكان الحل في الحملات الصليبية.
* أما البرجوازية الناشئة ممثلة في المدن التجارية الإيطالية، فكانت تهدف إلى السيطرة على تجارة البحر المتوسط وتجارة العالم.
* أما الفلاحون فكانت الحملات الصليبية بالنسبة لهم؛ محاولة للتحرر من حياة البؤس والشقاء الذي كانوا يعيشونه في ظل النظام الإقطاعي.
* وبذلك مثلت الحملة الصليبية مشروع العصر بالنسبة للكثيرين.
***
حال أوروبا عشية الحرب:
* منطقة جغرافية لم تتشكل بعد على المستوى السياسي.
* وكانت مجرد منطقة ريفية بالقياس بكل من العالم البيزنطي والعالم العربي الإسلامي.
* فلقد كان الطابع الريفي مسيطرًا، وكان هناك إدراك بضيق الأراضي الأوروبية.
* وكانت البلدة والقرية هما النموذجان السائدان.
* بالإضافة إلى عدد قليل من المدن التجارية الإيطالية على البحر المتوسط مثل البندقية وجنوا وبيزا.
* وكانت الناس تحت رحمة الطبيعة إلى حد كبير: فيضانات ومجاعات وأوبئة كانت قد ضربت أوروبا قبل الحملة الأولى بعشر سنوات.
* وشهدت أوروبا بدءًا من القرن الحادي عشر ثلاثة قرون من الإبداع في القرون الوسطى؛ فلقد كان تبلور المؤسسات السياسية والاقتصادية والدينية والاجتماعية الذي بدأ منذ خمسة قرون، هو الأساس الذي قامت عليه الحضارة الأوروبية في العصور الوسطى، وشهدت هذه المرحلة عددًا من الشخصيات البارزة مثل وليم الفاتح ملك إنجلترا وهنري الثالث، وغيرهم من الحكام الجنود الذين يبحثون عن السلطة، كما عاش في القرن الحادي عشر معظم البابوات الإصلاحيين الذي كان أبرزهم جريجوري السابع الملقب بالشيطان المقدس، الذي كان خليفته هو البابا أربان الثاني صاحب الدعوة الشهيرة إلى الحملة الصليبية.
* كان التوسع والتنظيم من أهم سمات القرن الحادي عشر.
***
الفلاحون:
* كانوا أناسًا متعبين يعملون في إزالة الغابات واستصلاح أراضيها.
* وكانت الأراضي الزراعية لا تزال ضئيلة المساحة بالنسبة إلى مناطق البراري والغابات والأراضي البور.
* يعيشون في أكواخ حقيرة وطعامهم فقير وبسيط من إنتاج حقولهم، وملابسهم من إنتاج جلود حيواناتهم، يأكلون اللحوم الطازجة مرة واحدة في أعياد الميلاد، ويحتفظون بالباقي مقددًا ومملحًا لباقي السنة.
* وكان القساوسة في الريف في معظمهم أميين، يقدمون إلى الفلاحين معلومات مشوشة عن المسيحية يسودها التعصب والتزمت.
* وكان القرويون يجمعون بين التدين العاطفي والإيمان بالخرافات والمعجزات.
* وكان الفلاح مقيدًا بالتزامات قاسية تجاه السيد الإقطاعي، وتحول بالفعل الكثير منهم إلى أقنان وفقدوا حريتهم؛ وفيما يلي إحدى وثائق القنانة في ذلك العصر:
"ليكن معلومًا، لكل من يجيئون بعدنا، أن رجلاً في خدمتنا يدعى وليم، شقيق رينالد، الذي ولد لأبوين من الأحرار، قد تحرك مدفوعًا بحب الرب صوب غاية يحسبها له الرب حسنة. إذ وهب نفسه قنًّا للقديس مارتن في مورموتيه، ولم يكتف بأن يهب نفسه فقط، بل وهب جميع ذريته من بعده؛ لكي يظلوا إلى الأبد في خدمة رئيس الدير والرهبان في هذا المكان بشروط واضحة.
لكي يتم التأكيد على هذه الهبة وتوضيحها وضع حول رقبته حبلاً، كما وضع أربع قطع من النقود على مذبح القديس مارتن اعترافًا بالقنانة، وكرّس نفسه للرب العظيم. وقد رأى ما حدث، وشهد عليه أولئك الآتية أسماؤهم..".
* وكان القن مربوطًا بالأرض لا يمكنه الرحيل عنها، كما لا يستطع أن يستبدل سيده.
* ولم تقف الكنيسة ضد ظاهرة الأقنان، بل استفادت منها بصفتها من أكبر ملاك الأراضي الزراعية.
* وكان الأقنان يحتلون مكانة في البناء الاجتماعي بين الفلاحين الأحرار وبين عبيد الأرض من الأرقاء.
* وكان الأقنان يشكلون قطاعًا هامًّا من سكان الريف الأوروبي عشية الحملة الأولى.
* وكان النظام الإقطاعي بجناحيه الفرسان والقساوسة يعيشون من ناتج عمل الفلاحين.
* وكان للإقطاعيين السيطرة السياسية والقضائية على الفلاحين بما فيها حق جمع الضرائب منهم.
* ولذا كان الفلاحون فريسةً للخوف الدائم والاضطراب المستمر والافتقار للأمن، فمن ناحية يقعون تحت وطأة الطبيعة بمجاعاتها وأوبئتها، ومن ناحية أخرى وقعوا تحت وطأة السادة الإقطاعيين الذين جعلوهم وقودًا لحروبهم الإقطاعية.
* ولأنهم قد تشبعوا منذ فترة طويلة بأفكار الوعاظ الجوالين، فإنهم قد وجدوا في دعوة البابا فرصة للخلاص الدنيوي والأخروي.
* وهكذا كانت الأوضاع الاجتماعية المحبطة والجو الفكري المشبع بالخرافات والتعصب الديني من أهم الدوافع التي حركت المقهورين من أبناء الغرب الأوروبي إلى المشاركة في الحملة الصليبية الأولى، وهو ما أدى إلى الحملة الشعبية وهي الحملة التي أزعجت البابا الذي لم ير في هؤلاء القوى المناسبة لتحقيق أهداف الحملة.
* لقد كان الجوع الذي عض بأنيابه معظم أنحاء الغرب الأوروبي في سنة 1095 وراء خروج أعداد غفيرة من الفلاحين والمعدمين خلف قادة العصابات التي شكلت تلك الحملة الشعبية أو ما سميت بحملة الفلاحين.
***
الفرسان:
* كان للعوامل الاقتصادية والاجتماعية الجافة أهمية كبيرة في تفسير الدور الكبير الذي لعبه الفرسان الإقطاعيون في الحركة الصليبية.
* إن من أهم خصائص القرن الحادي عشر الميلادي في أوروبا الغربية هو بلورة النظام الإقطاعي الذي كانت مؤسساته آخذةً في التطور والنمو منذ القرن الثامن الميلادي.
* وقد قام النظام على ثلاثة عناصر هي:
أولاً: عنصر شخصي يربط السيد الإقطاعي بتابعه، ويتمثل هذا العنصر في رابطة الولاء الشخصي الذي يدين به التابع لسيده وقد اصطلح على تسميته السيادة والتبعية.
ثانيًا: عنصر فعلي، وهو حيازة الإقطاع في مقابل تقديم الخدمة العسكرية المناسبة في جيش السيد الإقطاعي.
ثالثًا: لا مركزية القضاء وقد اتاح هذا العنصر حقوقًا قضائيةً للسادة الإقطاعيين على حساب سلطة الملك المركزية.
* وتتلخص الفكرة الإقطاعية في أنه "لا أرض من دون سيد إقطاعي".
* وبذلك ظهر هرم إقطاعي على قمته الملك الذي له سلطة أسمية على كبار السادة الإقطاعيين.
* يليه مباشرة عدد من الأمراء الإقطاعيين، لكل منهم أتباعه، ولكل تابع تابع، إلى نصل إلى الفارس العادي الذي يملك أرضًا بالكاد تعوله وتكفيه.
* ولكل عضو في الهرم الإقطاعي التزاماته وواجباته تجاه سيده وتجاه أتباعه.
* وكان الهدف الأساسي من التنظيم الإقطاعي هو التعاون في الحرب.
* وكانت الحرب هي الحرفة الأساسية للفارس الإقطاعي، وكانت هي مهنة الرجل الراقي، يقضي الشطر الأكبر من حياته متدربًا على القتال أو مشتبكًا في معركة حقيقية.
* وكان من عادة فرسان الغرب الأوروبي منح الهبات السخية للأديرة التي أسستها العائلة أو تأسيس أديرة جديدة باعتبار أن ذلك وسيلة للتكفير عن الخطايا.
* ولذلك كانت الدعوة إلى الحملة الصليبية، وما يصاحبها من غفران مصدر إغراء لأبناء هذه الطبقة.
* ولم يكن الفارس يعيش في مستوى أفضل كثيرًا من مستوى الفلاحين في أرضه.
* وكانت الإقطاعات أقل من عدد الفرسان الطامحين إلى الحصول على الأرض وقد عرفت هذه الظاهرة باسم الجوع إلى الأرض وقد تسببت في كثير من الحروب الإقطاعية التي مزقت أوروبا تمامًا.
* وقد جاء في الخطبة الشهيرة للبابا أربان الثاني أثناء الدعوة إلى الحملة الأولى ما يلي:
"هذه الأرض التي تعيشون عليها محاطة بالبحر من كل جانب، تحوطها سلاسل الجبال، وتضيق بأعدادكم الكبيرة، وهي لا تفيض بالثروات الكبيرة، وإنما تكاد تعجز عن توفير الطعام لمن يقومون بزراعتها. وهذا هو السبب أنكم تشنون الحرب ضد بعضكم بعضًا"".
* وكانت هناك أسباب أخرى وراء ضيق الأرض في أوروبا، فلقد دأبت طبقة الفرسان على اتباع عدة وسائل للحفاظ على إقطاع العائلة دون تفتيت مثل أن حق الإرث قاصر على الابن الأكبر.
وكان الأبناء الأصغر بناء على ذلك، ينتهي بهم المطاف إلى الانضمام إلى الكنيسة أو الالتحاق بتبعية أحد السادة الإقطاعيين.
* وكان هناك أيضًا نظام الملكية على المشاع، أو ما يسمى بملكية الأخوة، وهو النظام الذي تم ابتكاره لمنع تفتيت الأرض أيضًا، وهو ما أدى إلى أن يتشارك الأعمام وأبناء إخوتهم في الملكية التي تضيق عليهم، مما دفع الكثير من الورثة إلى الالتحاق بالأديرة والكاتدرائيات.
* وفي القرن الحادي عشر كان الانضمام إلى الحملة الصليبية فرصة حقيقية للهرب من نظام ملكية الأخوة وتحقيق الاستقلال عن العائلة.
* لقد جاءت الحملة الصليبية متنفسًا لطبقة الفرسان التي كان عددها ينمو باستمرار بدون نمو في الأرض.
* على أي حال كانت ثمة أهداف ومطامع دنيوية عديدة وراء مشاركة أبناء هذه الطبقة في الاشتراك في الحملات الصليبية تبلورت كلها حول الرغبة في التوسع وملكية الأرض.
***
البرجوازية الناشئة:
* على الرغم من أن غرب أوروبا في القرن الحادي عشر، كان منطقة ريفية الطابع، إلا أن كان هناك عدة مدن إيطالية احتفظت بعلاقتها التجارية مع القسطنطينية وخرجت سفنها تجوب البحار.
* وفي منتصف هذا القرن كانت البندقية قد بنت أسطولها البحري القوي.
* وأخذت جنوا وبيزا زمام المبادرة في الهجوم على أساطيل المسلمين التي كانت قد دأبت على مهاجمة موانيهما والاستيلاء على سفنهما.
* وتحولت إلى جمهوريات مستقلة غير خاضعة لسلطة الكنيسة وفرضت نفسها على تجارة البحر المتوسط.
* وكان لها دور مهم في الحملة الأولى، في مقابل السيطرة على موانئ شرق المتوسط.
* كانت هذه الجمهوريات تحاول أن تفوز بالثروة الطائلة التي نعم بها العالم الإسلامي.
***
الكنيسة:
* كانت الكنيسة الكاثوليكية قد تورطت في الشئون العلمانية البعيدة عن المجالات الدينية إلى حد بعيد:
فملكياتها الكبيرة من الأراضي الزراعية، يقوم بحمايتها عسكريًّا وكلاء علمانيين.
والسادة الإقطاعيون يعينون الأساقفة ومقدمي الأديرة داخل إقطاعاتهم وإماراتهم، فكانوا يعملون لديهم مستشارين ورجال إدارة.
وكذلك كان التنافس بين العائلات الكبيرة على الفوز بمنصب البابا وجعله عرشًا وراثيًّا.
وأدى تداخل الكنيسة مع النسيج الإقطاعي، في النهاية إلى أن صارت الوظائف الكنسية تباع وتشترى.
ولقد أضر كل ذلك بالوظيفة الروحية للكنيسة إلى حد بعيد.
ولقد أدى ذلك في مرحلة ما إلى ضعف البابوية وهوانها.
* وبدءًا من بدايات القرن العاشر الميلادي بدأت تتبلور على مستوى أوروبا حركة إصلاحية داخل الكنيسة، هدفت إلى عدم تدخل النبلاء في اختيار البابا وقصر هذه المهمة على الكنيسة وحدها، كما سعت إلى زيادة سلطة البابا على الكنيسة في كل مكان، مما أدى إلى بداية الصدام مع سلطات الدول وملوكها في أوروبا.
ولقد وصل هذا الصراع إلى ذروته في عهد البابا جريجوري السابع 1073م، الذي قام بما سمي بالإصلاح الجريجوري أو الثورة الجريجورية واهتم بتدعيم سلطة الكنيسة إلى أبعد الحدود، وأصدر مرسومًا يحدد هذه السلطة يتكون من 26 نقطة كلها تدور حول مفهوم سمو البابوية على الدولة.
ودخل معارك كبيرة ضد الملك الألماني لمنعه من التدخل في تعيين كبار رجال الكنيسة، وقام بخلعه ووقع عليه قرارًا بالحرمان.
* وكان هذا نموذجًا للصراع الذي دار بين الكنيسة والدولة. وقد وجدت الكنيسة في الدعوة إلى الحروب الصليبية وسيلة وفرصة لتحقيق السمو البابوي على الإمبراطورية، فهذه الدعوة تضعها في مكانة المدافع عن الأراضي المقدسة، وتقربها من الوجدان الديني لدى مختلف فئات الشعب، ويمكنها من توظيف الميول الحربية لدى الفرسان بعيدًا عن الملوك المنافسين لها على السلطة والسيادة على أوروبا. كما أن الحملات على الشرق ستكون بعيدة عن الأراضي التي تسيطر عليها الملكية في أوروبا، في أرض لا يملكونها وليس لهم عليها نفوذ.
***
إذن كان التوسع في الخارج هدفًا مشتركًا للجميع: الكنيسة والفرسان والفلاحون والمدن التجارية في إيطاليا.
***
الوضع في الإمبراطورية البيزنطية:
* عندما مات باسيل الثاني الإمبراطور البيزنطي سنة 1025م، كانت الإمبراطورية شاسعة.
ولكن كانت هناك مشاكل من المسلمين على الحدود الشرقية ومن السلاف في منطقة البلقان ومن الروس أيضًا.
هذا بالإضافة إلى الأعداء الجدد من البشناق والنورمان والأتراك السلاجقة.
* أما البشناق فهي قبائل بدوية من أصل تركي، حاربت البيزنطيين في البلقان وحققت انتصارات كبيرة.
* أما في الجبهة الإيطالية؛ فكان العدو هو النورمان الذين غزوا صقلية وجنوب إيطاليا وهددوا وجود الإمبراطورية ذاتها.
* أما الأتراك السلاجقة الذين ظهروا في القرن الحادي عشر، فقد كانوا علامة على بداية مرحلة جديدة في تاريخ العالم الإسلامي، وفي تاريخ الإمبراطورية البيزنطية أيضًا.
وهم قبائل بدوية من الأتراك الغز، وقد اعتنقوا الإسلام على المذهب السني في القرن العاشر ثم تأقلموا مع المعطيات الحضارية في العالم الإسلامي.
ودخلوا بغداد بناء على دعوة من الخليفة العباسي 1055م، لصد مؤامرة لبسط سلطة الخلافة الفاطمية الشيعية على عاصمة الخلافة العباسية السنية، وبذلك حلوا محل البويهيين في الهيمنة على الخلافة العباسية الضعيفة.
وبدأ نفوذهم في التصاعد واشتبكوا في عدة حروب مع البيزنطيين إلى أن انتصروا عليهم في معركة "مانزكرت" الشهيرة عام 1071م. ونجحوا بعدها في التوغل في آسيا الصغرى منذ 1073م واستولوا على أنطاكية عام 1085م.
* وكانت هذه المعركة تعبيرًا عن حالة التردي في أوضاع الإمبراطورية التي كانت جيوشها تتكون من المرتزقة من كل لون. وكان اقتصادها منهارًا وخزانتها خاوية والحروب الداخلية مشتعلة.
* وفي مواجهة هذا طلبت القسطنطينية العون من بابا روما أربان الثاني الذي وجد فيها فرصة لإعادة توحيد الكنيسة تحت قيادته بعد الانشقاق الذي تم عام 1054م.
* وفي 1095م دعا البابا إلى مجمع في إيطاليا وطلب من الحاضرين تقديم كل مساعدة ممكنة للإمبراطورية الشرقية. وكانت هذه مقدمة هامة للدعوة اللاحقة بعدها بعدة شهور إلى الحملة الصليبية الأولى.
***
العالم العربي الإسلامي:
عشية الحروب الصليبية كان التمزق السياسي والتناحر العسكري مخيمًا على العالم العربي:
* فقد كان المسلمون في المنطقة العربية موزعين ومنقسمين في ولائهم السياسي بين الخلافة العباسية السنية في بغداد والخلافة الفاطمية الشيعية في القاهرة.
* وكانت بلاد الشام موزعة بين عدة إمارات صغيرة على رأسها حكام عرب أو سلاجقة، تتبادل مشاعر الحقد والشك والعداء السياسي والعسكري مما حال دون توحدها في مواجهة الغزو الصليبي.
* وكانت الخلافة العباسية في بغداد ذات سلطة أسمية فقط انتقلت فيها من نفوذ البويهيين الشيعة إلى السلاجقة الأتراك.
* ونجح السلاجقة في الاستيلاء على معظم أنحاء فلسطين من الفاطميين بما فيهم القدس عام 1071م، التي استعادوها عام 1098م، قبل أن يفقدوها على يد الصليبيين عام 1099م.
* وساد صراع آخر بين سلاجقة الشام وسلاجقة الروم حول السيادة على حلب.
* كانت المنطقة العربية في أخريات القرن الحادي عشر نهبًا للمعارك بين الحكام الكثيرين الذين اقتسموا حكم مدنها وأقاليمها بصورة فسيفسائية مربكة.
* والخلافة الفاطمية كانت قد دخلت مرحلة التدهور السياسي بعد أن سيطر الوزراء على الخلفاء وحولوهم إلى دمى يحركونها كيفما شاءوا. وضاع نفوذهم في الشام.
* أما مدن الشمال في آسيا الصغرى وأعالي بلاد الشام، فأخذت تنتقل من حكم البيزنطيين إلى حكم المسلمين وبالعكس، فخربت وتدهورت بشكل كبير.
* لقد كانت كل هذه الكيانات متورطة تمامًا في الحروب والمنازعات على مدى قرن كامل قبل قدوم الصليبيين، وعندما قدموا لم يكن لدى حكام المنطقة سوى ميراث طويل من الشك والمرارة تجاه كل منهم للآخر ومن ثم مضت قوات الصليبيين كما تمضى السكين في الزبد. وفي طيات الموجة الصليبية الأولى غرقت هذه الإمارة الصغيرة واحدة تلو الأخرى. وكان سقوط مدينة نيقية في أيدي قوات الحصار المشتركة من الصليبيين والبيزنطيين صدمة ونذير خطر لجميع القوى الإسلامية. ولكن الأنانية وضيق النظر جعل تلك الصدمة، وذلك النذير بلا فائدة.
---------------