قرأت محاضرةً ألقاها الجنرال الأمريكي كيث دايتون في ندوة "SOREF" التابعة لمعهد واشنطن في 7 مايو 2009م تحت عنوان: (السلام من خلال الأمن.. الدور الأمريكي في تطوير قوات أمن السلطة الفلسطينية)، ويتولى الجنرال دايتون حاليًّا منصب المنسق الأمني الأمريكي بين الصهاينة والسلطة الفلسطينية، وهو يشغل هذا المنصب من عام 2005م حتى الآن.
ولما كان ما جاء في هذه المحاضرة خطيرًا؛ فقد رأيت أن ألخِّصَها، وأضعَ خطوطًا تحت أخطر ما فيها؛ لنعلم الدور الذي تمثله اتفاقات التنسيق الأمني لتكبيل أهلنا في فلسطين عن الثورة ضد الاحتلال الصهيوني، وحماية هذا الاحتلال بأيدي قوات السلطة الفلسطينية للأسف الشديد.
وإليكم التلخيص:
((اسمي كيث دايتون، وأنا أتولَّى رئاسة فريق صغير من الضبَّاط الأمريكيين والكنديِّين والبريطانيين والأتراك؛ أُرسِلَ إلى الشرق الأوسط للمساعدة على إدخال بعض التنظيم على قوات أمن السلطة الفلسطينية.
إنني أقول لأصدقائي الإسرائيليين وبشكل مستمر إنه وكما قال الرئيس أوباما في العام الماضي: "إن الروابط بين الولايات المتحدة وإسرائيل غير قابلة للانفصام، لا اليوم ولا غدًا، وستبقى إلى الأبد".
لقد وصلت إلى المنطقة في شهر كانون الأول (ديسمبر) 2005م، قادمًا من البنتاجون في واشنطن، والآن ظهر إلى الوجود مكتب التنسيق الأمني الأمريكي في آذار (مارس) 2005م، كمجهود لمساعدة الفلسطينيين على إصلاح أجهزتهم الأمنية؛ حيث لم تكن قوات الأمن الفلسطينية تحت سلطة عرفات قادرةً على إنجاز التماسك الداخلي، وليس لديها مهمة أمنية واضحة أو فاعلة.
كانت الفكرة من تشكيل (USSC) فريق التنسيق الأمني الأمريكي خلق كيان أو جهاز ينسِّق بين مختلف المانحين الدوليين في إطار خطة عمل واحدة تُنهي حالة تضارب الجهود، وتعبِّئ المزيد من الموارد وتهدئ من مخاوف الإسرائيليين حول طبيعة قدرات قوات الأمن الفلسطينية، وكان على فريق التنسيق أن يساعد السلطة الفلسطينية على تحديد الحجم الصحيح لقواتها، وتقديم النصح لها فيما يتعلق بإعادة بنائها وتدريبها وتحسين قدراتها؛ لفرض حكم القانون، وجعلها مسئولة أمام قيادة الشعب الفلسطيني الذي تخدمه.
نحن فريق متعدد الجنسيات.. هذا مهم.. العناصر الأمريكيون يخضعون لقيود السفر عندما يعملون في الضفة الغربية، لكنَّ العناصر الكندية والبريطانية لا يخضعون لمثل هذه القيود.
في الواقع، معظم المجموعة الإنجليزية (8 أفراد) تسكن في رام الله، ومن يعرف منكم شيئًا عن المهامِّ في أعالي البحار يعلم أن الولايات المتحدة لا تفهم أن العيش مع الناس الذين تعمل معهم أمرٌ ثمينٌ.
أما الكنديون الذين يتجاوز عددهم ثمانية عشرة فهم منظَّمون في فريق يُدعَى "محاربي الطريق"، ويتنقَّلون يوميًّا في مختلف أنحاء الضفة الغربية، يزورون قادةً أمنيين فلسطينيين، يطَّلعون على الأوضاع المحلية، ويعملون مع فلسطينيين ويتحرَّون الأمزجةَ على أرض الواقع.
هناك نقطة مهمة أخرى، وهي أننا مُنِحْنَا منذ البداية العمل مع كافة أطراف الصراع، باستثناء الإرهابيين، وهذا يعني أننا نتعامل بصورة يومية مع الفلسطينيين والإسرائيليين.. هذا أمرٌ فريدٌ من نوعه في المنطقة (صدِّقوا أو لا تصدقوا).. في أي يوم قد ألتقي في رام الله وزيرَ الداخلية أو قائدَ قوات الأمن في السلطة الفلسطينية صباحًا، ثم ألتقي المديرَ العامَّ لوزارة الدفاع الإسرائيلية بعد ظهر نفس اليوم.
غالبًا يزور فريقي وأنا الأردن ومصر، وحتى إنه سُمح لنا بالتنسيق مع دول الخليج، ونحن نعمل معهم أيضًا بصورة مشتركة على إصلاح النظام القضائي، كذلك نحن على ارتباط وثيق مع جهود ممثل الرباعية الخاص توني بلير وفريقه، ونحن أيضًا على صلة وثيقة بصديق لي من هيئة الأركان المشتركة العميد بول سيلفا، في القوى الجوية، الذي يتابع ويراقب خارطة الطريق، ويرسل تقاريره مباشرةً إلى وزيرة الخارجية كلينتون.
ولأن الحرس الرئاسي يقدم تقاريره مباشرةً إلى الرئيس عباس، وليس خاضعًا لنفوذ حماس؛ اعتُبروا أطرافًا في اللعبة، لكنَّ كافة قوى الأمن الأخرى عانت كثيرًا من إهمال حماس لها، وعدم دفع رواتبها، واضطهادها، وفي الوقت نفسه واصلت حماس بناء قوات أمن خاصة بها بدعم سخيٍّ من إيران وسوريا.
في حزيران (يونيو) 2007م- كما أعتقد أنكم تعرفون- قامت حماس بانقلاب في قطاع غزة ضد قوات أمن السلطة الفلسطينية الشرعية.
وبعد أن عيَّن محمود عباس سلام فياض رئيسًا لحكومة من التكنوقراط في حزيران (يونيو) 2007م؛ انتقل مركز اهتمامنا من غزة إلى الضفة الغربية.
في تموز (يوليو) أعلن الرئيس بوش عن طلب 86 مليون دولار من الكونجرس لتمويل برنامج مساعدات أمنية لقوات الأمن الفلسطينية، ووافق الكونجرس على الفور، وما لم يقلْه الرئيس هو أن ميزانيتنا في الثمانية عشر شهرًا الأولى كانت صفرًا، لم يكن لدينا مال، كنت عمليًّا منسقًا لجهود أناس آخرين، ولكن هذه المرة لدينا النقود في جيوبنا، ولدينا مهمة جاهزون لإنجازها، ومنذ ذلك الوقت سلكنا سمتًا ثابتًا في دعمنا لحكومة سلام فياض المعتدلة في الضفة الغربية.
وأمدَّنا الكونجرس والإدارة بـ75 مليون دولار إضافية نهاية العام، وبمبلغ 161 مليون دولار بات بإمكان فريق الأمن الأمريكي الاستثمار في مستقبل السلام بين إسرائيل والفلسطينيين من خلال تحسين الأمن، إذن.. ماذا فعلنا؟ فعلنا ذلك في أربعة مجالات رئيسية:
المجال الأول: التدريب والتجهيز
ومع أننا عملنا بصورة وثيقة مع الحرس الرئاسي حتى الآن، إلا أننا ركَّزنا على تحويل قوات الأمن الوطني الفلسطينية إلى جندرمة فلسطينية- قوة شرطة منظمة أو وحدات شرطة كما كانت- لتعزيز العمل الجاري من قِبَل الشرطة المدنية الخاضعة لنصائح الأوروبيين.
يستغرق برنامج التدريب مدة أربعة أشهر في مركز تدريب الشرطة الدولي في الأردن، وهو خارج مدينة عمان، ويمتاز المركز بوجود كادر تدريبي أمريكي- أردني، ويتبع منهاجًا تدريبيًّا أمريكيًّا مطورًا، يركِّز على حقوق الإنسان والاستخدام الخاص للقوة، والسيطرة على تظاهرات الشغب، وكيفية التعامل مع الاضطرابات والقلاقل المدنية، ويركِّز التدريب أيضًا على تلاحم الوحدة وعلى القيادة.
والآن يمكن أن تتساءلوا: لماذا الأردن؟ الجواب بسيط.. الفلسطينيون أرادوا التدرُّب في المنطقة، لكنهم أرادوا الابتعاد عن العشيرة والعائلة والتأثيرات السياسية.. الإسرائيليون يثقون بالأردنيين، والأردنيون متلهِّفون للمساعدة، تجهيزاتنا كلها غير خطرة، وهي منسَّقة مع الفلسطينيين والإسرائيليين، تأكدوا من فهم هذا، نحن لا نقدم شيئًا للفلسطينيين ما لم يتم التنسيق بشأنه مع دولة إسرائيل وبموافقة إسرائيلية.
لدينا الآن ثلاث فرق متخرجة، بمعدل خمسمائة رجل لكل منها، من مركز التدريب الأمريكي- الأردني، وهناك فرقة أخرى قيد التدريب، وتتلمذ الخرِّيجون بكثافة على أيدي الأردنيين الذين عملوا بجدٍّ وحماسٍ في هذه المهمة، منطلقين من الولاء للعلَم الفلسطيني والشعب الفلسطيني.
ما الذي بنيناه؟! أقول هذا تواضعًا، ما فعلناه هو بناء رجال جدد، تتراوح متوسط أعمار الخرِّيجين بين 20 إلى 22 عامًا، وهؤلاء الشباب وضباطهم يعتقدون أن مهمتهم بناء دولة فلسطينية.
دعوني أقتبس لكم، على سبيل المثال، ملاحظات على التخرُّج من كلمة لضابط فلسطيني كبير من الخرِّيجين وهو يتحدث إليهم في اجتماع لهم في الأردن في الشهر الماضي، قال: "أنتم يا رجال فلسطين، قد تعلمتم هنا كيف تحققون أمن وسلامة الشعب الفلسطيني.. أنتم تتحمَّلون المسئولية عن الشعب ومسئولية أنفسكم.. لم تأتوا إلى هنا لتتعلموا كيف تقاتلون إسرائيل، بل جئتم إلى هنا لتتعلموا كيف تحفظون النظام وتصونون القانون، وتحترمون حقوق جميع مواطنيكم، وتطبِّقون حكم القانون من أجل أن نتمكن من العيش بأمن وسلام مع إسرائيل".
والآن لدى عودة شباب فلسطين الجدد هؤلاء؛ أظهروا حوافز وانضباطًا ومهنيةً، ويا له من تغير!!، وأنا لا أتباهى بهذا؛ فقد جعل هذا التغير ضباطًا في الجيش الإسرائيلي يسألونني في أغلب الأحيان: "كم من هؤلاء الرجال الجدد تستطيع أن تصنع، وبأية سرعة؛ لأنهم الوسيلة التي ستؤدي إلى رحيلنا عن الضفة الغربية؟!!".
المجال الثاني الذي ركَّزنا جهودنا عليه قدرة وقابلية البناء في وزارة الداخلية:
في الشهور الثمانية عشرة الأخيرة استثمرنا أموالاً كافيةً وعناصرَ كافيةً في جعل وزارة الداخلية ذراعًا قائدةً للحكومة الفلسطينية، ولديها ميزانية كافية لتفكر بطريقة إستراتيجية وتخطط عملياتيًّا، كما قلت إنها مفتاح الوضع الطبيعي في فلسطين، ولم تعُد القرارات الأمنية في فلسطين من صنع رجل واحد في منتصف الليل، وبهذا اجتزنا طريقًا طويلاً.
المجال الثالث هو: البنية التحتية
في الشهور الثمانية عشرة الأخيرة، عملنا مع المقاولين الفلسطينيين لبناء كلية للتدريب الفني للحرس الرئاسي في أريحا، وكذلك أيضًا قاعدة عمليات من نوع جديد يمكنها- كما هو واقع الحال الآن- إسكان ألف من القوى الأمنية الفلسطينية العائدين من الأردن على قمة تلة خارج مدينة أريحا.
ونخطط لبناء قاعدة عمليات أخرى في جنين، وبموافقة ودعم كاملين من الجيش الإسرائيلي، ونحن أيضًا في وسط إعادة بناء مركز تدريب للجندرمة والشرطة الفلسطينية أيضًا في أريحا.
والمجال الرابع الذي ركزنا عليه هو: تدريب القادة الكبار.
لقد خرَّجنا فعلاً نوعين من الرتب: الرائد، والمقدم، والعقيد، من خلال دورة أقرب إلى حلقة بحث لمدة ثمانية أسابيع؛ حيث لدينا ستة وثلاثون رجلاً من مختلف القوى الأمنية تعلَّموا كيف يعالجون القضايا اليومية، وكيف يعملون بصورة مشتركة واحترام للمعايير الدولية.. إنه العمل الأكثر شعبيةً الذي قمنا به.
وعليَّ أن أخبركم أن الشباب الذين تدرَّبوا في الأردن هم المفتاح، لنتوقف قليلاً عند الخليل؛ لأن أي واحد منكم إذا كان يعرف شيئًا عن الخليل فهي مكان صعب.. إنها أكبر مدينة في الضفة الغربية، وفيها عدد كبير من المستوطنين وهم عدوانيون، وهي مكان مقدَّس لليهود والعرب، منذ عام رفض جيش الدفاع الإسرائيلي أي اقتراح يسمح للسلطة الفلسطينية بتعزيز حاميتها في الخليل، وهي قوةٌ لا يزيد عديدها عن 400 شرطي ودركي، مع أنها أكبر مدينة في الضفة الغربية.
أردنا أن نعزِّز قوتهم ببعض المتخرجين من البرنامج الأردني، قالوا لا، ولكن أداء هؤلاء الخرِّيجين في جنين- حيث كان أول مكان لانتشارهم- جدَّ مؤثرٍ؛ بحيث إنه بعد ستة أشهر لم يسمح الجيش الإسرائيلي فقط بتعزيز القوة في الخليل، بل قادها أيضًا، وكانت هناك قرى في محافظة الخليل لم تشاهد شرطيًّا فلسطينيًّا بالزي الرسمي منذ العام 1967م، فكِّروا في هذا، ليس بعد الآن.. في ذلك المكان الذي ساد فيه القانون القبلي وقانون الشريعة مكان القانون العلماني للسلطة الفلسطينية.
كنت في الخليل الأسبوع الماضي؛ حيث كانت مجموعة- حوالي 125 رجلاً- ممن تدرَّبوا في الأردن، من الفرقة الثانية الخاصة لقوات الأمن الوطني؛ تعمل تحت إمرة قائد المنطقة، وتقدم الدعم لرجال الشرطة والدرك فيما سمِّي باتفاق أوسلو المنطقة A، وأيضًا في المنطقة B، التي تتبع السيطرة الإسرائيلية، حسب اتفاق أوسلو، لماذا هم في المنطقة B؟ لأن القائد العسكري الإسرائيلي في المنطقة قال: "أنا بحاجة إلى مساعدتهم، وأنا أثق بهؤلاء الشباب.. لم يعودوا يكذبون عليَّ كما في السابق".
هذا أيضًا تحوُّل ذو مغزى جيد، وسأخبركم بما رأيت، وبالتقارير التي تلقيتها من الكنديين والبريطانيين الذين يتنقَّلون أكثر مني، وفحواها أن التحوُّل الذي كان موضع جدل في أصعب مدينة في الأراضي الفلسطينية المحتلة قد أصبح عميقًا، وفي وسط كل هذا لم يعد هناك صدامات، سواء بين القوات الأمنية الفلسطينية والجيش الإسرائيلي أو بين القوات الفلسطينية والمستوطنين الإسرائيليين الذين يعيشون في المنطقة... هذا أمرٌ رائعٌ، وأعتقد أننا سعداء به.
عبر الضفة الغربية تتسم الحملات الأمنية بالتشدُّد مع العصابات المسلحة، وسط وجود بارز للشرطة، وبتفكيك الميليشيا غير الشرعية، وبالعمل ضد نشاطات حماس غير الشرعية، وبالتأكيد على أمن وسلامة المواطنين الفلسطينيين، تضاءلت الجريمة.
وعلى امتداد السنة الماضية لم يكن هناك تحدٍّ أمنيٌّ في الضفة الغربية يوازي التحدي الذي واجهه الفلسطينيون في حفظ القانون والنظام أثناء عملية "الرصاص المسكوب"، الغزو الإسرائيلي لغزة في (كانون ثان/ يناير).
قبل الغزو البري، حذَّرني سرًّا أصدقائي في الجيش الإسرائيلي من أن توترات شعبية كبيرة قادمة إلى الضفة الغربية، وتوقَّع البعض انتفاضةً ثالثةً، وهو أمرٌ يرعبهم لكنهم رغبوا في المخاطرة لإيقاف إطلاق الصواريخ على جنوب إسرائيل، إلا أن أيًّا من هذه التنبؤات كما ظهر فيما بعد لم يتحقق.. حدثت تظاهرات وكان بعضها صاخبًا، لكنَّ أيام الغضب الموعودة التي دعت إليها حماس باستمرار فشلت في أن تترجم عمليًّا.
لماذا حدث ذلك؟.. كان هناك سببان؛ الأول كما أعتقد أن المهنية والأهلية الجديدة التي تمتَّعت بها القوى الأمنية الفلسطينية الجديدة قد ضمَّت تعاملاً مدروسًا ومنضبطًا مع التظاهرات الشعبية، وكانت التوجيهات من رئيس الوزراء والرئيس واضحة؛ فقد سمحت بالتظاهرات دون أن تسمح لها بالتحوُّل إلى العنف، ولذلك أُبعد المتظاهرون بعيدًا عن الإسرائيليين.
وفي هذا الوقت وخلافًا لأي وقت في الماضي؛ كان لدى الرئيس أو رئيس الوزراء الأدوات المناسبة للمهمة، وشعر الجيش الإسرائيلي أيضًا- بعد أسبوع أو نحوه- أن الفلسطينيين كانوا هناك، وأن بإمكانهم الوثوق بهم، في الواقع، فإن القسم الأكبر من القوات الإسرائيلية تحرَّك إلى غزة من الضفة الغربية، فكروا في هذا اللحظة، والقائد كان غائبًا لثمانية أيام متتالية، وهذا يكشف عن نوع الثقة، التي وُضعت في هؤلاء الناس الآن.
على أية حال تعمَّد الإسرائيليون الحدَّ من ظهورهم، وبقوا بعيدين عن التظاهرات، ونسقوا نشاطاتهم اليومية مع الفلسطينيين؛ ليتأكدوا أنهم ليسوا في المكان الخطأ والزمان الخطأ؛ من أجل أن يتجنبوا صدامًا أو أن يبقوا بعيدًا عن التظاهرات القادمة، وهكذا كان القائد الفلسطيني وبطريقة نموذجية يبلِّغ القائد الإسرائيلي في المنطقة بقوله: "لدينا تظاهرة متجهة من نقطة A إلى نقطة B، وهي قريبة من نقطة تفتيش لكم هنا في بيت إيل، نأمل أن تغادروا النقطة لمدة ساعتين من أجل أن تمر التظاهرة، وعندها يمكنكم أن تعودوا".. هذا ما فعلوه على وجه التحديد.. يا للروعة!!.
حسنًا، إلى أين نذهب من هنا؟ إذا وافق الكونجرس سنواصل مبادراتنا مع وزارة الداخلية الفلسطينية لتمويل وإعادة بناء القوى الأمنية الفلسطينية في الضفة الغربية، من خلال المزيد من التدريب والتجهيز والتأهيل، وتكثيف العمل مع الاتحاد الأوروبي والمزيد من البنى التحتية، ولدينا الآن خطط على الورق وتجهيز 3 فرق أخرى في الأردن- أي ما يعادل خمسة عشر ألفًا من قوات الأمن الوطني- وإقامة قاعدتي عمليات، ولدينا خطط لتوسيع تدريب القادة، بما في ذلك المستوى المتوسط من الضباط.
وندرك جيدًا أن هناك حاجةً لبنية إدارية ولوجيستية ووظيفية فريدة من نوعها للسلطة الفلسطينية، ونعمل بجد وجهد مع وزارة الداخلية ورؤساء الأمن؛ لتصميم أمور كهذه تناسب الفلسطينيين، ونعمل بصورة مشتركة مع القادة العسكريين الإسرائيليين في الضفة الغربية لاكتشاف الخيارات؛ للتقليل من آثار أقدام (وجود) الجيش الإسرائيلي، مع تقدم قدرات الفلسطينيين والبرهنة على ذلك، كان هناك تقدُّمٌ قد حصل فعلاً، وأريدكم أن تعلموا هذا، بموازاة الجهود التي بذلها الجيش الإسرائيلي لتقليل وجوده الأمني، وخاصةً في الشمال.
نحن نبني حقائق جديدة على الأرض من أسفل إلى أعلى، ولدينا شركاء حقيقيون في المملكة الأردنية وفي السلطة الفلسطينية وفي دولة إسرائيل.
وآخذ على عاتقي تلك الكلمات الطيبة التي ردَّدها صديقي، وهو مسئول كبير وصارم وبراجماتي في الجيش الإسرائيلي، وهو ناقدٌ لاذعٌ فيما مضى ولم يعُد كذلك الآن.. هو القائل- وأنا أقتبس قوله مباشرةً من الجريدة-: "الفريق الأمني الأمريكي قام بعمل عظيم، وكلما عمل الفلسطينيون أكثر سنفعل نحن الإسرائيليين أفضل".
وكعسكري محترف أقدِّر حذَر الإسرائيليين ونفاد صبر الفلسطينيين، ولكن من المفيد أحيانًا النظر إلى الخلف كما النظر إلى الأمام، أعيد إلى الأذهان الاجتماع في شباط (فبراير) بوجود ضابط إسرائيلي كبير متشدد ومسئول مباشرةً عن أمن إسرائيل.. كنا نتحدث في مكتبه عما لم يحدث في الضفة الغربية في كانون الثاني (يناير) وحول التوقعات في المستقبل.. اعتدل في جلسته وقال: "التغيُّر بين الرجال الفلسطينيين الجدد في العام الماضي كان معجزةً، جيلي نما مع الانتفاضات والآن لديَّ الأمل في أن أطفالي لن يواجهوا الشيء نفسه، وبالنتيجة آمل أن نخاطر باتخاذ خطوات إلى الإمام.
-------
* عضو مكتب الإرشاد.