د. حسن الحيوان

الوصفة هي أن نتقدم نحو مرحلة التخلف ثم نتصور مرحلة النجاح..
إنها ليست دعابة، فقبل كل شيء لا بد من تحديد أين نحن؟ أين تقف مصر الآن؟ ولذلك لا بد من توضيح بعض القضايا الأساسية الغائبة عن الثقافة المصرية.
مرحلة التخلف: التخلف هو، التأخر خطوةً أو خطوات في مسار الطريق الصحيح.
ونحن ما زلنا لم نبدأ في هذا الطريق بدليل استمرار التراجع في شتى المجالات: الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، وكذلك اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع، لذلك لا بد أولاً من معرفة نقطة بداية هذا الطريق، عند ذلك سنكون قد وصلنا إلى مرحلة التخلف عن الدول التي تتقدم العالم حاليًا.
- نقطة البداية: هي تحديد الإشكالية أو القضية المركزية فهي ليست كما يتصور البعض في الديمقراطية أو الاقتصاد أو الإدارة فكلها إشكاليات وإن كانت كبيرة فهي لا تتعدى أن تكون نتيجة للقضية المركزية، إلا وهي قضية الحرية والهوية، الحرية اللازمة للتفعيل العادل لدور الفرد في المجتمع (فالديمقراطية نتيجة للحرية وليس العكس)، والهوية اللازمة لتحديد اتجاهنا الفكري بشأن قضايا مثل تحديد العدو الإستراتيجي هل إسرائيل أم من؟ التطبيع مع اليهود؟ هل الزيادة السكانية تمثل عائقًا إستراتيجيًّا أم ثروة بشرية؟ وخلافه من القضايا المرتبطة بالعلاقة بين الإسلام، ومجالات الحياة، لقد أنجزت أوروبا أولاً اختيار فصل الدين عن مجالات الحياة (العلمانية) ثم سارت في طريق التقدم والنهضة ونحن نحتاج أولاً إنجاز عملية الاختيار في حد ذاتها ولا يعني ذلك أن نختار اتجاه العلمانية مثل أوروبا بل نختار ما يتناسب مع شعوبنا.
- الثروة في الفكر والحراك الإنساني وليس في الأرض:
اليابان بدون ثروات طبيعية تمتلك فكر يؤسس لانتماء المواطنين في إطار علاقة ايجابية فاعلة بين الدولة والمجتمع، حريات عامة ثم ديمقراطية واستقرار سياسي ثم نمو اقتصادي وماليزيا حققت تقدمًا إستراتيجيًّا هائلاً في أقل من خمسة عشر عامًا وأيضًا كوريا وسنغافورة، دول كانت منذ حوالي خمسة عقود فقط في موقف أضعف بكثير من مصر، في حين أن الدول العربية المالكة لثروات طبيعية هائلة لم تحقق ذلك والآن فيتنام على بداية مسار الطريق الصحيح وسنلاحظ تقدمها سريعًا.
- مفهوم الأمة والعمل الجماعي:
الأمة مجموع كبير من الناس تتوافق وتتحد في هوية وثقافة وحضارة غالبًا تكون نابعة من الدين خصوصًا في حالة الإسلام ذي المنهج الشامل للحياة وهذا التوافق يمثل أيضًا قيمًا ومبادئ عابرة للحدود الجغرافية والسياسية (دون أي تعارض معها) الماثلة أمامنا في منطقتنا منذ قرن من الزمان على الأكثر. والخلاصة أنه لا يوجد جنسية من البشر أذكياء والأخرى أغبياء لأن الخليط موجود بنفس النسب تقريبًا في كل الجنسيات والتعاون بين البشر لا يمكن أن يكون على أساس بيولوجي بل على أساس التوافق في الرأي والتنظيم في التطبيق والعمل، فالفرد المصري يمتلك قدرات تساوي قدرات الفرد الأوروبي أو الياباني لكن الواقع يؤكد أن مجموعة من المصريين لا تستطيع التوافق في الرأي ثم العمل الجماعي اللازم لإنجاز أي مشروع والعكس صحيح في حالة مجموعة من الأفراد في أوروبا أو اليابان أو غيرهم.
- عبقرية الاهتمام والتخصص: التخصص هو التركيز في ما يستغرق اهتماماتك ويتناسب مع قدراتك، وليس التخصص في الشهادة العلمية (كل ميسر لما خلق له) والبديهي والأنفع أن تكون الشهادة العلمية في مجال الاهتمام وليس وفقًا لمجموع الثانوية العامة فقط، أي الثقافة التي انتشرت منذ ثورة 1952 مما أدى إلى كارثة قومية حيث في كثير من الأحوال أصبحت الشهادات (بكل ما استهلكت من كل الأطراف) بدون قيمة.
إن اهتمامات المواطنين تمثل عنصرًا أساسيًّا ضمن المنظومة التي تؤسس للعقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع وتدفع إلى الحراك السياسي والاجتماعي، والشهادات العلمية لا بد أن تنطلق من ذلك وليس العكس كما هو حاصل الآن.
- ثقافة الأخلاق: ليست فقط في اجتناب الإباحية وكل ما يؤدي للعلاقات غير المشروعة بين الجنسين بل أيضًا في احترام الصغير للكبير والقوي للضعيف واحترام النظام والآداب العامة للدولة والمجتمع ثم تقديس العمل ومبدأ الكفاءة والعلاقة بين صاحب العمل والعامل وخلافه. لذلك الدول الغربية تمتلك في المجمل العام أخلاقًا جيدة مقارنةً بواقعنا بالرغم من أننا نمتلك المنهج الإسلامي الذي يقر الأخلاق كفريضة شرعية وليس فقط كضرورة دنيوية كما في الغرب.
- ثقافة الحوار وثقافة الآخر: قله من اليهود أقنعوا العالم بكل ما هو مزيف وباطل، ونجحوا في وصم الإسلام بالإرهاب ونحن مليار ونصف لا نستطيع إقناع أحد بالحق!! من ضمن الأسباب عدم توافر آليات الحوار وحدوده الفكرية فيما بيننا بمعنى أنه لا يوجد ثوابت فالخلط مثلاً واضح بين الحرية والإبداع من ناحية وبين الاعتداء على العقيدة والمقدسات من ناحية أخرى كما أن ثقافة الآخر لا تتمثل فقط في احترام رأيه بل أيضًا احترام المواعيد والالتزامات والقدرة على التواصل التكنولوجي بوسائل الاتصالات الحديثة والاهتمام بالجوهر والمظهر سويًّا والتركيز على الموضوعية المفقودة عندنا وخلافه.
والإجابة على السؤال الأبدي الذي يشغلنا جميعًا متى ننجح في الوصول فعليًّا للتغيير الإيجابي؟؟ إننا يمكن أن ننجز تقدمًا ونهضة في سنوات وليس في عقود كما يمكن أن نستغرق قرونًا دون فائدة ومربط الفرس هو التحديد والتجديد، تحديد أين نحن من نقطة البداية وتجديد التقاء الفكر والعقل بتعاون المفكرين والساسة من النخب المخلصة للمجتمع.
---------------
* رئيس جمعية المقطم للثقافة والحوار
Hassanelhaiwan@hotmail.com