هذا هو عنوان كتاب مهم ومتميز للدكتور قاسم عبده قاسم، أود أن أشارككم قراءتي له في رحلةٍ قد تستغرق عددًا من المقالات، أبدأها اليوم بالحلقة الأولى التي تتناول قراءة تاريخية عامة للحروب الصليبية.

 

ولكن قبل أن أبدأ، أود أن أعرض الأسباب التي دفعتني إلى ذلك:

* كان السبب الأول هو تميز ودقة وموضوعية الدراسة المقدمة.

 

* والسبب الثاني هو غياب الوعي الشعبي بالقصة الكاملة والحقيقة للحروب الصليبية، فقد نجد حتى الآن أن المصدر الرئيسي لمعلومات الكثيرين عن هذا الموضوع هو فيلم الناصر صلاح الدين للمخرج يوسف شاهين.

 

* السبب الثالث هو أن نجاحنا في دحر تلك الحملات الشرسة، كان بمثابة النجاح في الاختبار الأول لاختصاصنا بأوطاننا وامتلاكنا لها، وهو ما كان الغرب يشكك فيه منذ الفتح الإسلامي.

 

* السبب الرابع هو مجال التشابه بين ذلك العدوان البعيد، وبين العدوان القريب الذي بدأ منذ حملة نابليون 1798 ولم ينته حتى الآن 2009م، وفي القلب منه المشروع الصهيوني الاستيطاني، وأهمية ذلك في استخلاص عناصر النصر القديم، علها تفيد في تحقيق التحرر والنصر في المستقبل القريب.

*****

مدخل تاريخي:

* يمكن اعتبار يوم 27 نوفمبر 1095م هو البداية الفعلية لأحداث الحركة الصليبية، وهو تاريخ الخطبة الشهيرة التي ألقاها البابا "أربان الثاني" في منطقة كليرمون بجنوب فرنسا، والتي وجَّه فيها الدعوة إلى شنِّ حملة تحت راية الصليب ضد المسلمين في فلسطين.

 

* وكانت هذه الخطبة بمثابة إشارة البدء لسلسلةٍ من الحملات الصليبية، قادتها أوروبا الكاثوليكية للعدوان على العالم العربي تحت راية الصليب.

 

* بدأت أولها عام 1096م ولم تنته وتندثر إلا عام 1291م.

 

* خلال هذه الفترة أسس المعتدون عددًا من المستوطنات الصليبية على التراب العربي في فلسطين وأعالي بلاد الشام والجزيرة.

 

* وكانت هذه الحملات سببًا رئيسيًّا من أسباب تعطُّل قوى الإبداع والنهوض والنمو في الحضارة العربية الإسلامية، والتي أدَّت فيما بعد إلى ضعفها ووقوعها تحت السيادة العثمانية.

 

* ورغم أن العثمانيين قاموا بحماية العالم الإسلامي من العدوان الغربي لقرون طويلة، إلا أنهم لم ينجحوا في إعادة استنهاضه من التراجع الذي تم بسبب الحروب الصليبية؛  مما أدَّى في النهاية إلى سقوط العالم العربي تحت الاستعمار الأوروبي الحديث.

 

* كما كانت هذه الحروب هي أول المشروعات الاستعمارية الأوروبية، وكانت السابقة أو التجربة التي سبقت مرحلة الاستعمار الحديث.

 

* فضلاً عن أنها كانت إلهامًا للتجربة الصهيونية الاستيطانية.

 

*****

مصطلح الحروب الصليبية

* تتمثل إشكالية مصطلح "الحروب الصليبية"، في اقتران حركة استعمارية شريرة وعدوانية، بالصليب وما يمثله من رمز ديني تميَّز بالسلام والفداء والتضحية من أجل الآخرين، خاصةً ما يمكن أن يثيره المصطلح من إشكاليات معاصرة بين عناصر أمة واحدة تتشكل من المسلمين والمسيحيين، وهي الإشكالية التي عالجها يوسف شاهين في فيلمه الشهير بتقديم شخصية البطل العربي المسيحي "عيسى العوام".

 

* وقد أطلق العرب على هذه الحروب، "حروب الفرنج"، ولم يرتبط اسمها في الكتابات المختلفة بالصليب إلا بعد قرن ونصف من بدايتها.

 

* بل إن أول ظهور لكلمة الصليبيين كان وصفًا للموسومين بالصليب؛ لأنهم كانوا يخيطون صلبانًا على ستراتهم، ولم يكن وصفًا للحركة.

 

* ولقد أطلق الكتاب والمؤرخون الغربيون القدماء عليها مصطلحات متعددة مثل حركة الحجاج، رحلة الحج، الرحلة إلى الأرض المقدسة، الحرب المقدسة، حملة الصليب، الحملة العامة، مشروع يسوع المسيح.. إلخ.

 

* ولكن لم يستقر مصطلح الحروب الصليبية إلا في القرن الثامن عشر على أيدي المؤرخين الغربيين المحدثين.

 

* وعندما تقدم الآلة الإعلامية الغربية الاستعمارية الحديثة، قصة الحروب الصليبية للرأي العام، فإنها تقدمها كمثال براق يوحي بالشجاعة والتضحية بالنفس في سبيل المثل الأعلى.

 

* وهو ما يكشف تناقضًا كبيرًا مع الصليب نفسه، بصفته رمزًا للفداء والتضحية بالنفس في سبيل الآخرين، وليس رمزًا للحرب والقتل والعدوان.

 

* ولكن في جميع الأحوال لا يمكن التغاضي عن مصطلح الحروب الصليبية التي ترسخ في الدراسات العربية وأصبح له مدلول تاريخي، والذي قد يكون المعنى الأدق له هو: تلك الحملات الاستعمارية الاستيطانية التي قام بها الغرب على أوطاننا متذرعًا بذرائع دينية في القرنين الثاني والثالث عشر.

*****

جذور الإيديولوجية الصليبية

أولاً- الحج والحرب الصليبية:

* ظهرت فكرة الغفران الصليبي والنظام الكنسي المبكر للتكفير عن الذنوب، والغفران له ثلاث خطوات هي الاعتراف بالذنب والرضا والمصالحة بمعنى العودة إلى الجماعة المسيحية. وكان الحج هو إحدى الوسائل المهمة للتكفير عن الذنوب (الحج التكفيري).

 

* لم تتوقف رحلات الحج إلى الأراضي المقدسة عبر العصور، في ممارسة دينية هادئة وطبيعية، وتنامت هذه الرحلات في القرن الحادي عشر كوسيلةٍ للتكفير عن الذنوب، كما أسلفنا، بتوجيه من الكنيسة أو بفرض منها، أو الحج للرغبة في الخلاص قبل نهاية العالم، وفقًا لبعض الأساطير والخرافات التي سادت، عن نهاية العالم بعد الألفية الأولى من ميلاد السيد المسيح، المهم أن حركة الحج ظلت حركة متصاعدة.

 

* ولقد استثمر أصحاب الدعوة الصليبية، حركة الحج التي وصلت في القرن الحادي عشر إلى مجموعاتٍ يصل عددها إلى عدة آلاف.

 

* ثم تطورت فكرة الحج فيما بعد إلى فكرة الحرب الصليبية، انطلاقًا من أفكار مثل: أن الأرض التي شهدت قصة المسيح وفيها ضريحه لا بد أن تكون تحت سيطرة أتباعه، وضرورة تخليص الأرض المقدسة من المسلمين، وحملات الحج المسلحة أو عسكرة الحج. ومما جاء في خطبة البابا الشهيرة:

"إنني أخاطب الحاضرين، وأعلن لأولئك الغائبين، فضلاً عن أن المسيح يأمر بذلك، أنه سوف يتم غفران ذنوب أولئك الذاهبين إلى هناك إذا ما انتهت حياتهم بأغلالها الدنيوية سواء في مسيرتهم على الأرض أو أثناء عبورهم البحر، أو في خضم قتالهم ضد الوثنيين، وهذا الغفران أمنحه لكل مَن يذهب بمقتضى السلطة التي أعطاني الرب إياها".

 

* ولقد منح البابا الغفران الجزئي من الذنوب إلى كل الذاهبين للحملة الصليبية ضد الوثنيين.

 

* وطور البابا أجينيوس الثالث الغفران في الحملة الثانية 1145/1149 إلى غفران الخطايا والإعفاء من التوبة والتكفير.

 

* وتطورت مسألة الغفران لتشمل الحملات ضد أعداء الكنيسة داخل أوروبا نفسها.

 

* ولقد أصبح الغفران بعد ذلك سلعة تُباع بالمال فيما عُرف من صكوك الغفران، ولكن هذه مسألة أخرى.

*****

ثانيًا- الحرب العادلة والحرب المقدسة:

* كان مفهوم الحرب المقدسة من أهم روافد الأيديولوجية الصليبية.

 

* وكان موقف آباء الكنيسة حرجًا وهم يواجهون مشكلة التوفيق بين تعاليم المسيحية الداعية إلى السلم ونبذ الحرب من ناحية، وبين مقاومة الشر الحتمي في الحياة الدنيا من الناحية الأخرى.

 

* ولقد أدان اللاهوتيون في العالم البيزنطي، الحرب باعتبارها عملية قتل جماعي، ولكن في الغرب اللاتيني كان الموقف مختلفًا، تحت تأثير الغزوات الجرمانية التي اجتاحت أوروبا بين القرنين الخامس والسابع الميلادي، مما ساعد على تقديم تبريرات دينية لضرورة الحرب.

 

* وكان القديس أوغسطين 354-430 م هو أول من طرح فكرة الحرب العادلة ووضع لها 3 شروط:

1- أن يكون هناك سبب عادل لشن الحرب مثل رد العدوان أو الأعمال الضارة.

 

2- أن يصدر قرار الحرب من سلطة شرعية. وهو سلامة القصد بمعنى أنه يجب على كل مشارك في الحرب أن تكون دوافعه نقية سليمة، وأن تكون الحرب هي الوسيلة الوحيدة المتاحة لتحقيق هدف عادل.

 

* من ناحية أخرى، اجتذبت ثروات الكنائس والأديرة جماعات الغزاة مما دعم فكرة ضرورة الحرب كوسيلة دفاعية.

 

* وحيث إن المغيرين والغزاة لم يكونوا مسيحيين؛ لذا اقترنت فكرة الحرب العادلة بفكرة الحرب ضد الوثنيين أي غير المسيحيين عمومًا، وهو ما حول فكرة الحرب العادلة إلى فكرة الحرب المقدسة.

 

* وهو المعنى الذي صاغه في صيغته النهائية جريجوري السابع 1073-1085 م ولقد استخدم تعبير "جيش المسيح" لأول مرة.

 

* من ناحية ثالثة تأسست حركة تحمل اسم "سلام الرب" في مواجهة المنازعات والحروب الإقطاعية الكثيرة التي سادت أوروبا في هذه المرحلة، وتأثرت بها الكنيسة ومن ثَمَّ تورطت في تنظيم الحملات العسكرية ضد كل مَن يُعكِّر صفو السلام، واعتبرت بهذا المعنى بمثابة حروبًا مقدسةً.

 

* ولقد استثمرت فكرة الحرب المقدسة على أكمل وجه في الحملات الصليبية المختلفة.

 

* ورويدًا رويدًا، صارت الكنيسة الكاثوليكية قوة عسكرية إقطاعية استخدمت قواتها في الدفاع عن الدويلات البابوية.

 

* وكذلك كانت الحرب ضد المسلمين في الأندلس، هي الأخرى، أحد المقدمات التاريخية للحروب الصليبية.


* كل ذلك مثل سوابق وتجارب عملية مهدت للحروب الصليبية.

 

* وبحلول القرن الحادي عشر صارت البابوية قوية بالقدر الذي يجعلها تفكر جديًا في تجريد حملة عسكرية ضد الشرق العربي الإسلامي.


*****

وأخيرًا كان لطبقة الفرسان الإقطاعيين التي تطورت ونضجت في أوروبا عبر أحداث القرون الماضية دور رئيسي في الحروب الصليبية، من خلال مصالحها ونفوذها وقوتها العسكرية.

 

*****

تناولنا اليوم جذور الحركة الصليبية في مسائل مثل الحج والحرب المقدسة وتطور الفكرة الصليبية، ولكن لا شك أن العوامل الاقتصادية والاجتماعية كان لها أهميتها البالغة في فهم وقراءة الحروب الصليبية، وهو موضوع الحلقة القادمة بإذن الله.

------------

* Seif_eldawla@hotmail.com