عندما تتأسس دولة حضارية تستند للقيم المستمدة من المرجعية الحضارية الإسلامية، في قطر واحد، وتصبح بذلك دولة حضارية تعبر عن حضارة الأمة الإسلامية، دون تحقق الوحدة السياسية للأمة، تكون تلك الدولة دولة حضارية قطرية، وهي في نفس الوقت دولة وطنية.

 

وعندما تتحقق الوحدة السياسية بين الدول العربية والإسلامية، في صورة اتحاد سياسي، تظل الدولة الحضارية في كل قطر، دولة وطنية. فالدولة الحضارية هي دولة وطنية، ولكنها ليست دولة قومية. نقصد من هذا، أن الوطنية تختلف عن القومية، فالوطنية هي الانتماء للوطن، أما القومية فهي تحديد للهوية حصرًا على أساس العرق أو القومية أو الجنس. فالدولة القومية الجامعة المانعة تقوم على أسس تناهض الوحدة الإسلامية الجامعة للأمة، أما الوطنية فهي شرط لوحدة الأمة، وشرط لقيام الدولة الحضارية.

 

فالبعض يتصور أن الدولة الإسلامية، ليست دولة وطنية، والحقيقة أنها ليست دولة قومية، ولكنها دولة وطنية، وهي أيضًا دولة الوطن والقومية والحضارة. لذا يصبح من المهم البحث عن طبيعة الدولة الحضارية في مراحل استعادتها المختلفة، ومعرفة علاقتها بدوائر الانتماء المتتالية، حتى يتضح الفرق أكثر بين الدولة الحضارية كنموذج نابع من الحضارة الإسلامية، والدولة القومية كنموذج نابع من الحضارة الغربية.

 

الوطنية هي الوحدة الأولية

عندما تقوم دولة حضارية إسلامية في قطر من أقطار العالم العربي والإسلامي، فهذه الدولة سوف تستند أساسًا إلى وحدة الجماعة الوطنية التي تعبر عنها، ووحدة تراب الوطن التي تمثله. فهي بهذا دولة وطنية تحمل كل المهام الوطنية. ولا يمكن للدولة أن توجد، بدون وحدة المجتمع الذي تعبر عنه، بالتالي تصبح الوحدة الوطنية هي عمادها. كما أن الدولة الحضارية الإسلامية، سوف تستهدف تحقيق وحدة الأمة السياسية، ولا يمكن تحقيق ذلك بدون تحقق الوحدة الوطنية لمجتمعها أولاً.

 

وعندما تتحقق الوحدة السياسية للأمة، في صورة اتحاد للدول الإسلامية مثلاً، فإن كل دولة من دول هذا الاتحاد سوف تكون معنية أولاً بالحفاظ على وحدتها الوطنية وتماسك مجتمعها، كما أنها سوف تكون معنية أساسًا بحماية ترابها الوطني، كما ستكون معنية أساسًا أيضًا بتحقيق العدل بين مواطنيها، بما في ذلك تحقيق المساواة بينهم. ولكن الدولة الحضارية الإسلامية، التي تنتمي للوحدة السياسية للأمة، سوف تكون معنية أيضًا بالحفاظ على وحدة الأمة، كما ستكون معنية أيضًا بالدفاع عن أراضي الأمة، ومعنية بالتعاون في الدفاع عن كل دولة تنتمي للاتحاد الإسلامي.

 

إذن، يمكن القول بأن الدولة الحضارية الإسلامية، تحمل مسئولية الحفاظ على الوطن والأمة، وهي بالطبع تكون معنية أولاً بالحفاظ على الوطن، ومن ثم تستطيع الحفاظ على الأمة. فهي دولة وطن، كما أنها دولة أمة.

 

السيادة الوطنية

أما بالنسبة لمفهوم السيادة، فهو يرتبط أساسًا بنطاق فعل السلطة التنفيذية. فعندما تتأسس دولة حضارية إسلامية في قطر ما، يكون نطاق سيادتها هو هذا القطر، أي أن نطاق سلطتها تكون محصورة بحدود القطر الذي تحكمه، ولكن نطاق مسئوليتها يمتد لحدود الأمة كلها. فهي دولة تمارس السلطة داخل حدود جغرافية، ولكنها تحمل مسئولية الدفاع عن الأمة وحضارتها، كما تحمل مسئولية العمل من أجل تحقيق الوحدة السياسية للأمة.

 

وعندما يقوم اتحاد بين الدول الإسلامية، فإن كل دولة من هذا الاتحاد سوف يكون لها سيادة على أراضيها فقط، أي أن سلطتها تحدد بحدود القطر الذي تديره. فالسلطة التنفيذية تكون محصورة داخل حدود جغرافية. ولكن مسئولية هذه الدولة، ستكون ضمن مسئولية كل الاتحاد الإسلامي، المكلف بحماية الأمة والعمل على تحقيق نهضتها. وهنا نفرق أيضًا بين المسئولية والسلطة، فالسلطة قطرية تخص قطرًا بعينه ولكن المسئولية حضارية تخص الأمة كلها.

 

وحتى إذا قام الاتحاد الإسلامي في صورة دولة فيدرالية واحدة، فإن كل إقليم من هذه الدولة سوف يكون له جهاز الحكم الخاص به، وسوف يمارس سيادته أو نطاق سلطته في حدود الإقليم، وسوف تكون مسئوليته أيضًا حضارية عامة، وتخص كل الأمة.

 

وبالطبع فإن قيام الوحدة السياسية للأمة، سوف تنهي أي تعارض بين سيادة الدول أو الأقاليم، ولن يكون هناك سبب للتعارض بين سيادة الدول ومصالحها، كما يحدث في الدول القومية. لأن المصلحة سوف تكون مصلحة الأمة كلها. وبالتالي فإن نماذج الصدام بين الدول في مسألة السيادة، لن يكون له مجال.

 

القومية غير الدولة القومية

من المهم هنا أن نفرق بين القومية العربية، وبين الدولة القومية، وأيضًا نفرق بين الانتماء القومي العربي، وفكرة تأسيس وحدة قومية عربية أو دولة قومية عربية. فكما قلنا، فإن الدولة الحضارية الإسلامية تستند أولاً إلى الوحدة الوطنية الأولية، وهي أيضًا يمكن أن تستند إلى وحدات قومية، باعتبارها دوائر انتماء، تتدرج من الدوائر الصغرى إلى الدوائر الأكبر.

 

ولكن الدولة الحضارية تظل دولة تستند لمرجعية القيم والدين، ولا تستند إلى القومية، وهذا هو الفرق الجوهري بين القومية العربية بوصفها واحدة من حلقات الانتماء داخل المرجعية الإسلامية، وبين محاولة إقامة دولة تستند إلى القومية العربية، فتصبح دولة قومية محددة حصرًا.

 

وغالب تجارب القومية العربية كمشروع سياسي، اتجهت نحو العلمانية. لأنها حاولت تأسيس نموذج عربي للدولة القومية، وتخلت عن الانتماء الحضاري للأمة العربية، فجعلت العلمانية هي مضمون وجوهر المشروع القومي العربي، وبهذا تحولت تلك المشاريع إلى بناء دولة قومية عربية علمانية على النموذج الغربي. وهي لا تختلف فيما فعلته عن محاولات بناء دولة قومية علمانية في أي بلد مثل مصر، وكل الفرق إن محاولة بناء الوحدة العربية والتي فشلت، كانت تقوم على جمع الدول العربية في إطار علماني غربي، يستند للقومية بدلاً من الاستناد للمرجعية الحضارية الإسلامية.

 

لذا نقول إن الدولة الحضارية الإسلامية تستند للوطنية والقومية كدوائر انتماء وحلقات تنتهي بالانتماء العام للأمة الإسلامية. فإذا قامت دولة في مصر على المرجعية الحضارية الإسلامية، فسوف تكون دولة تستند إلى الوطنية المصرية والقومية العربية باعتبارها حلقات انتماء داخل الانتماء الأعم للأمة الإسلامية. لهذا لزم التفرقة بين القومية العربية كوحدة انتماء، وبين مشاريع بناء دول تستند للقومية العربية بدلاً عن المرجعية الإسلامية.

 

مسئولية الدولة الحضارية

نستخلص من هذا أهم مميزات الدولة الحضارية الإسلامية، فهي دولة تقوم على تعدد الانتماءات من الوحدات الصغرى حتى الانتماء العام للأمة. وهي دولة لها مسئولية حضارية تجاه أمتها. وهو ما يجعلها دولة تمارس سلطتها في الدائرة الأصغر، وتمارس مسئوليتها في الدوائر الأكبر. نقصد مثلاً، أن الدولة الإسلامية في مصر يكون نطاق سلطتها مصر، ولكن نطاق مسئوليتها وواجباتها يمتد إلى حدود الأمة الإسلامية كلها. فالدولة الحضارية الإسلامية، هي دولة مسئولة ومكلفة، قبل أن تكون دولة سلطة.