![]() |
|
د. زكريا سليمان بيومي |
ولعل أبرز هذه البرامج هو البرنامج الذي عرضته قناة (mbc) باسم "مَن سيربح المليون؟" الذي يُقدِّمه واحدٌ من الإعلاميين الذي اكتسب شهرةً واسعةً به وهو "جورج قرداحي"؛ حيث لم يكن معروفًا بهذا الحجم من قبله، وتهافت الناس على المشاركةِ في هذا البرنامج أو متابعته متمنين- وبخاصة الغلابة منهم- أن يمنَّ الله عليهم بالحصول على منحةٍ ماليةٍ من بقايا فتاتِ أصحاب رءوس الأموال تُخرجهم بين عشيةٍ وضحاها من ظلماتِ الفقر إلى بصيصٍ من نورِ الانتعاش، وداعين الله أن ييسر عليهم الأسئلة الهزيلة التي تُطرح على سعيدِ الحظ منهم فتزداد سذاجةً لكي يحصل على بعض المال دون جهدٍ أو عناءٍ أو مشقةٍ يعانونها في بلدانهم وفي وظائفهم، فضربة حظ، وحظ فقط، تحقق لهم ما عجز عنه العمل الشاق والجهد المضني والعلم الواسع والإبداع المهمل، فلا مكانَ لهذه المعاني أمام ابتسامة الحظ بالسفر إلى عاصمة الضباب أو إلى أي مكانٍ يُقرر فيه مندوبو الأحلام السفر إليه.
والغريب في الأمر أن هذه القناة مملوكة لمستثمر سعودي يفرض عليه انتماؤه من الرأي العام الإسلامي أن يدعم الثقافة التي تتماشى مع القيم الإسلامية أو حتى التي لا تتعارض معها، تلك القيم التي تُعلي من شأنِ العلم والعمل وبذل الجهد والكفاح من أجل لقمةِ العيش، فذلك أمرٌ له تقديره في منهج الله.
وتدعم ثقافة هذا البرنامج برامج أخرى تتصل بالبنوك تشجيعًا للادخار وتكهنات نتائج الألعاب الرياضية فتكون هناك جوائز عشوائية يحددها الكمبيوتر أو القرعة فتهبط على سعيد الحظ هبوطًا مفاجئًا فتثق الناس في المثل الدارج "قيراط حظ ولا فدان شطارة" دون ثقةٍ في تقديرِ الخالق العظيم.
وزاد من حدةِ هذه الثقافة برامج جديدة تتفق مع مثيلاتها في الهدف إلا أنها تزيد عليها في فُجر الوسيلة، ولعل من أهمها برنامج "لعبة الحياة" الذي تعرضه قناة الحياة، وتُقدمه ممثلة لبنانية هي رزان مغربي التي تركت قناة (mbc) لتنقل خبرتها إلى قنوات مصرية، ومما يزيد الأمر غرابةً أنها تُقدِّم هذا البرنامج لأول مرةٍ في شهر رمضان المبارك، شهر العمل والحض عليه والسعي لتحسينه وإجادته أملاً في زيادة الثواب من الله، فيأتي البرنامج ليعادي كل هذه القيم ويربط كل شيء بالحظ، فقط الحظ، ومن خلال التباهي بعري الصدور وضيق الملابس وزيادة المكياج والرقص على نغماتِ الكسب والخسارة، والعدوان على لغة القرآن بالتعقيب "ديل أور نو ديل" بين ناطقين بالعربية.
إن مثل هذه البرامج تمثل عدوانًا صارخًا على ثقافتنا وتقاليدنا وعقائدنا وقيمنا، فالكسب عندنا مرتبط بالعمل والجهد الذي أرسته الديانات السماوية، ولا ترضى بثقافة القمار واللوترية والحظوظ، بل ترتبط بعلم وإبداع ومهارة وكفاءة، فكفانا ما ترسيه ألعاب أخرى قللت من قدر وحجم أصحاب العلم ودعاة القيم، وإلا فلماذا العلم ولماذا الإبداع ما دامت الثروات تأتي بفعل ضربة حظ أو قدم ولعبة حياة؟.
وإذا كان المبرر أن مثل هذه البرامج هي نتيجة طبيعية للتحول الرأسمالي فذلك قولٌ يُراد به باطل؛ حيث لا يوجد مبرر لثقافة الحظ والبلطجة، إنها ثقافة سيئة أفرزها زمن سيئ في قنواتٍ أسوأ تُشكِّل خطرًا على مستقبل الشباب وعلى هويةِ الأوطان.. فهل من مغيث؟؟.
----------------
** أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر جامعة المنصورة
