نتصور أن من ضمن شروط تحقق مشروع الإصلاح الحضاري الشامل، أن يتمثل هذا المشروع في تيار واسع داخل المجتمع، ومن ثم داخل الأمة، حتى يمكن أن يتحقق واقعيًّا. فحتى يتحقق إصلاح الأمة، ومن ثم وحدتها، وبعدها تتحقق النهضة، يلزم وجود تيار واسع داخل الأمة يحمل مشروع الإصلاح الحضاري الشامل، حتى يمكن أن يتحول إلى واقع معيش. ويرجع ذلك، إلى أن المشاريع الكبرى لا تتحقق إلا إذا حازت على إسناد شعبي واسع، لأنها في الواقع مشاريع إصلاح شاملة، تريد إصلاح مجمل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

 

ما هو التيار؟

هنا تبرز أهمية تشكل تيار يحمل مشروع الإصلاح الحضاري الشامل. ونقصد بالتيار، أنه توجه عام سائد لدى فئة كبيرة من الناس، ويعبرون عنه في حياتهم بصور مختلفة، بدءًا من التعبير عنه بالرأي إلى التعبير عنه في السلوك الاجتماعي والسياسي، وكذلك التعبير العملي عنه في الأشكال المختلفة من التطبيقات الحياتية. وأي تيار بهذا المعنى، يكون له تأثير واضح في تشكل اتجاهات المجتمع، كما يكون له تأثير واضح في تشكل الرأي العام. ولكن إذا أصبح هذا التيار سائدًا وغالبًا، أي إذا أصبح تيار الأغلبية، هنا يصبح التيار قادرًا على التأثير في مجريات الأمور، وقادرًا على الدفع من أجل تحقيق تصوره في الحياة، أي قادرًا على تحقيق تصوره لعملية الإصلاح الحضاري الشامل.

 

التيار بهذا، ليس جماعةً أو حزبًا أو مؤسسةً، ولكنه إطار افتراضي لكل المكونات والمؤسسات والأفراد، التي تنتمي إلى مشروع واحد. والتيار يتشكل على الأسس العامة لأي مشروع، ويكون بداخله قدر معتبر من التنوع. فإذا تكلمنا عن تيار الإصلاح الحضاري الشامل، فإن تشكل هذا التيار لا يعني أن يكون متفقًا في كل أفكاره، ولكن سيكون متفقًا على الأسس المشكلة لفكرة الإصلاح الحضاري الشامل، وسيكون بداخله تنوع في الرأي حول التفاصيل والقضايا الفرعية. لذا نقول: إن من أهم الأسباب التي تساهم في تشكل التيار، هي بروز الأسس الفكرية أو المبادئ الأساسية التي يقوم عليها.

 

هوية التيار

نقصد من هذا مثلاً، أهمية التوصل إلى الأفكار المركزية التي تعبر عن جوهر مشروع الإصلاح الحضاري الشامل، المستند للوسطية الإسلامية، حتى يتشكل تيار له وحدة فكرية معبرة عن هذا التوجه، ومن ثم يمكنا القول بأن هناك تيارًا يحمل الفكرة، وبعد ذلك يصبح تحول هذا التيار إلى تيار ممثل للأغلبية هو البداية الحقيقية لتحقق مشروع الإصلاح.

 

وأي تيار له الغلبة سيكون بجانبه تيارات أخرى تمثل رؤى تشترك معه في العديد من الجوانب، ولكنها تختلف معه في فكرة أو أكثر من الأفكار الأساسية. وتلك التيارات وما دامت تنتمي للمرجعية الحضارية الإسلامية، فسوف تصبح تيارات متحالفة مع التيار الغالب، عندما تبدأ مراحل التحرك من أجل تنفيذ عملية الإصلاح. ولكن قبل تشكل التيار الغالب، سوف تظل العلاقة بين التيارات المختلفة المنتمية إلى المرجعية الحضارية، تمثل اتجاهات متنافسة أحيانًا ومتخاصمة أحيانًا، ومتحالفة أحيانًا أخرى.

 

وهنا يمكنا التمييز بين الفروق التي تمثل تنوعًا داخل التيار السائد، وتلك التي تفرق بين التيارات. ففي المشروع الإصلاحي الحضاري، سنجد أن الرؤية الوسيطة تقوم على تحقيق الشورى من خلال آليات العمل الديمقراطي. وأي اختلاف حول هذه القضية يعد اختلافًا حول برنامج الإصلاح المطلوب تنفيذه، لذا يعد هذا الاختلاف سببًا في التنوع بين التيارات. ولكن أي تصورات حول بنية النظام السياسي وهل تكون رئاسية أم برلمانية مثلاً، فهذا يعد تنوعًا داخل تيار الإصلاح الحضاري الشامل، لأنه تنوع داخل فكرة مركزية متفق عليها، وهي أن الشورى ملزمة، وأن آليات الديمقراطية مناسبة لتحقيقها.

 

بالطبع لا تكون الصورة على أرض الواقع بهذه الدقة، لذا نتوقع أن الصورة الواقعية سوف تمثل تيارًا غالبًا وتيارات أخرى تختلف معه في فكرة أو أكثر، وتداخل بين حدود تلك التيارات، وهذا التداخل في الواقع يؤدي ضمنًا إلى إقامة رابط بين تلك التيارات، بصورة تسمح بحدوث تنسيق وتعاون بين تلك التيارات، خاصة عندما تبدأ مرحلة تحقيق عملية الإصلاح الحضاري الشامل.

 

تيارات الحركة الإسلامية

وإذا تابعنا الحركات الإسلامية عبر قرن من الزمان، سنجد أن تلك الحركات تكشف عن تنوع كبير، ولكن مع الوقت تظهر بينها تيارات فكرية تمثل رؤى متنوعة، ثم تظهر بعض التيارات الفكرية وكأنها تنتشر بصورة أكبر وتلقى المزيد من التأييد. كما يظهر أحيانًا تحول حركة ما من تيار فكري إلى تيار آخر. وكل الحركات الإسلامية تنتمي للمرجعية الحضارية الإسلامية، وتمثل تيارات داخل هذه المرجعية. ولكن مع استمرار حالة التفاعل بين تلك الحركات والمجتمعات التي تنشط داخلها، تبرز تيارات فكرية واضحة المعالم نسبيًّا، ثم تبرز التيارات الأكثر انتشارًا.

 

حدث هذا في الحركة الإسلامية بصورة تجعلنا نرى أن تيار الأغلبية بدأ في التشكل، وبدأت ملامحه تظهر. وهو التيار الذي أطلق على نفسه تيار الوسطية. والوسطية صفة للأمة الإسلامية، وهي أيضًا صفة للإسلام كدين، وهي بالتالي صفة المرجعية الحضارية الإسلامية. ومعنى هذا أن كل تيارات الصحوة الإسلامية تنتمي للوسطية الحضارية الإسلامية. ولكن أحد تيارات هذه الصحوة، اعتبر نفسه يمثل الطرح الوسطي داخل الحضارة الإسلامية الوسطية. وبالفعل يمكن أن نقول إن هذا التيار يمثل وسط الحضارة الإسلامية الوسطية. والمقصود بذلك، أن هذا التيار له فكر ومنهج ومشروع، يصلح تسميته بأنه وسط داخل أمة الوسط.

 

أزمة تعريف تيار

هنا تبرز لنا أهم العقبات التي تؤثر على مجرى تشكل تيار الوسطية الحضارية، وربما تعرقل وصوله لمرحلة التيار السائد، وتتمثل هذه العقبة في عدم وضوح حدود الفكرة الوسطية، كما تتمثل أيضًا في استخدام الفكرة الوسطية في العديد من المواقف السياسية، بمعنى يقربها من معنى المرونة، مما أدى إلى نوع من الخلط في المفهوم بين استخداماته المختلفة، وبين مستخدميه المختلفين. حتى ظهر الكثير من النقد لتيار الوسطية من تيارات إسلامية أخرى، رأت أن مصطلح الوسطية أصبح مطاطًا، وغير واضح المعالم، بل اعتبر البعض أن هذا المصطلح أصبح عنوانًا لتقديم تنازلات فكرية واسعة، للتكيف مع الأوضاع الراهنة. مما جعل العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، وهو رائد من رواد الوسطية، يكتب مؤكدًا على ضرورة تحديد ملامح وأسس الوسطية، حتى لا ينسب لهذه الرؤية مواقف متعارضة تجعلها عنوانًا لأشياء مختلفة وغير متجانسة.

 

وهنا نؤكد على أن الوسطية تمثل موقفًا ورؤيةً ومنهجًا ومشروعًا يقوم على الاعتدال داخل المنظومة الحضارية الإسلامية، وأنها ليست محاولة للتكيف مع الأوضاع السياسية القائمة، وليست أيضًا محاولة للتكيف مع الشروط الغربية المفروضة على الأمة، ولا هي بالطبع محاولة لفتح الباب أمام الحركة الإسلامية للوصول للسلطة.

 

وكلما اتضحت الرؤية الفكرية للتيار الأكثر انتشارًا، سيؤدي هذا إلى إدراك وجود هذا التيار بين المنتمين له، وكذلك بين غير المنتمين له، وأيضًا من المراقبين. وبهذا تتشكل للتيار هوية وملامح عامة، تجعله قادرًا على تعريف نفسه وإدراك وجوده وهويته. وهذا يؤدي ضمنًا إلى تبين المكونات التي تنضوي داخل هذا التيار، من أفراد ومؤسسات وحركات. وبهذا يدرك كل الأطراف أنهم جزء من تيار واسع، وأنهم بهذا جزء من حركة واسعة، يمكن أن تقود عملية الإصلاح والنهضة. ومع هذا الإدراك، يتحقق وعي كل طرف بالدور الذي يقوم به داخل هذا التيار الواسع، وبالتالي يعرف ما يمكنه أن يفعله، وما ستفعله أطراف أخرى داخل التيار. وهنا نكون بصدد تيار بالفعل، له عنوان وله أسسه الفكرية واختياراته المنهجية، وله أيضًا العديد من المكونات المنتمية له، والتي تدرك ذلك.

 

الحركة المركزية للتيار

وهنا يبرز دور الحركة أو الحركات المركزية داخل التيار، والتي تمثل الوحدات الكبرى داخل هذا التيار. وتلك الحركات المركزية، هي بالفعل من أهم الوحدات التي تنشر التيار وأفكاره الأساسية، وهي بهذا تلك الوحدات التي تقوم بدور مركزي في تأسيس التيار. وبالنسبة لتيار الوسطية الإصلاحية الحضارية، سنجد أن جماعة الإخوان المسلمين، مثلت الحركة المركزية التي ساهمت في وجود هذا التيار. كما أن كل الحركات والرموز التي انتمت إلى مدرسة الإخوان المسلمين حول العالم، مثلت أيضًا وحدات أساسية في نشر فكرة الوسطية ونشر منهج الإصلاح الحضاري الشامل، كوسيلة لتحقيق وحدة الأمة ونهضتها.

 

والمتابع لمسار تيار الإصلاح الحضاري الشامل، سيجد أن الفكرة تبلورت بصورة حركية واضحة لدى جماعة الإخوان، ثم انتشرت من خلال جماعات الإخوان حول العالم، وتحولت لمدرسة تتبناها العديد من الحركات والتي لا تنتمي مباشرة لجماعة الإخوان. ثم تظهر الفكرة على مشارف حركة الإخوان المسلمين، ومن مفكرين وفقهاء وعلماء، من داخل الحركة ومن خارجها، وتنمو الفكرة في العديد من المسارات، ولكن كل تلك المسارات تظل مشكلة لوحدة في الرؤية والتفكير، مما يجعل أصلها المشترك واضحًا. وأيضًا أدى هذا إلى تفاعل جيد بين مختلف الإسهامات التي تخرج من رحم الوسطية كمشروع للإصلاح والنهضة. مما نتج عنه ثراءً واضحًا للفكرة، وأيضًا بدأت تتشكل التنوعات الداخلية لتيار الوسطية.

 

التيار السائد

نحن إذن بصدد تيار وسطي، يمثل مشروع الإصلاح الحضاري الشامل. وهذا التيار يوجد بالفعل، وله حركات تعبر عنه، ولكنه لم يصل بعد لمرحلة التيار السائد والقادر على تحقيق عملية الإصلاح على أرض الواقع. وحتى يتحقق لهذا التيار الأغلبية المجتمعية التي تمكنه من قيادة مشروع الإصلاح، يحتاج للتمدد أكثر مجتمعيًّا، وكما يحتاج إلى تشكل العديد من الوحدات الفاعلة التي تنتمي له، من مؤسسات اجتماعية وأخرى تعليمية وهكذا. فكلما انتشر التيار، وانتمت له العديد من الوحدات والمؤسسات الفاعلة، وأصبح تواجده في مختلف شرائح المجتمع، عندئذٍ تكون قوته الجماهيرية قد بلغت مستوى الأغلبية.

 

وهنا يبرز دور الحركة المركزية، أي مدرسة الإخوان المسلمين، لأنها تمثل النقطة المركزية الفاعلة والمؤثرة. لذا يكون عليها العديد من الأدوار، منها المساهمة في نشر الملامح الجوهرية لتيار الوسطية، وتأكيد عناوينه الأساسية، مما يساهم في إدراك كل من ينتمي له لتلك الهوية المميزة له كتيار. كما يكون على الحركة المركزية، دور في نشر فكرة المشروع لمن ينتمي لها، ومن لا ينتمي لها. حتى تكون بذلك، البؤرة التي تكسب الفكرة قوة الانتشار الواسع، مما يساعد على تكون وحدات أخرى تنتمي للمشروع، ويساعد أيضًا على قيام مؤسسات أهلية مختلفة تنتمي للمشروع، كما يساعد على تكوين مجموعات في مختلف المجالات تنتمي للمشروع الإصلاحي الحضاري الوسطي. وكل هذا يؤدي إلى تبلور التيار المؤهل للقيام بعملية الإصلاح.

 

التيار والحركة

ويتضح الدور المحوري للحركة المركزية في أي تيار، فهي الجماعة القائدة، والتي يقع عليها مسئولية قيادة الحركة وقيادة التيار، وقيادة فعله من أجل الإصلاح والتغيير. كما يكون عليها مسئولية تنظيم حركة التيار، فالتيار الواسع يحتاج لمنظم، وجماعة الإخوان المسلمين، خاصة مع انتشارها في مختلف البلاد العربية والإسلامية، تمثل منظم تيار الوسطية الحامل لمشروع الإصلاح الحضاري الشامل. ولهذا يكون عليها القيام بمسئولية الحركة المركزية، والتي تحافظ على تناسق الحركة والفعل والتوجه، بين مختلف مكونات التيار، حتى تمكنه من ترشيد حركته، وفي نفس الوقت تساعده على تعظيم نتائج تلك الحركة.

 

الخلاصة

ونحن الآن نشهد وجود تيار الوسطية، والذي دخل في مرحلة تعريف هويته بدقة، حتى تتضح معالمه بصورة جامعة مانعة. وهو تيار يمثل أغلبية، لم تدرك بعد انتماءها إليه، مما يجعله في مرحلة تعريف نفسه، وتعريف من ينتمي إليه. وتلك عملية سوف تحدث تدريجيًّا، حتى تتشكل أغلبية مدركة لمشروعها وطريقها، فتصبح تيارًا سائدًا وفاعلاً.