طالعنا جهاز أمن الدولة بحلقاتٍ جديدة من مسلسل البطش الأمني بالجماعات الإصلاحية في مصر، بعد اعتقال 20 من قيادات جماعة الإخوان المسلمين بتلفيقات معهودة في القضية التي حملت عنوان: "التنظيم الدولي وغسيل الأموال".
الاعتقالات التي جاءت على خلفية التفاعل الإخواني مع أحداث غزة أوائل العام الحالي، اعتمدت كسابقتها على الالتواءات الحكومية خلال العشرين عامًا الماضية، وهي:
1- عدم لجوء الحكومة للقضاء العادي؛ مثل النيابة العامة ونيابة الأموال العامة، واستخدام أوامر الاعتقال والتحويل للمحاكمات العسكرية للاحتيال على القانون الطبيعي.
2- اللجوء لحملات التشويه والافتراءات الإعلامية؛ من خلال الإعلام الحكومي و"مخبري" الصحف والفضائيات، لتقليص شعبية الجماعة ومصداقيتها لدى الشعب المصري.
وإذْ نتناول هنا الرد على مذكرة تحريات أمن الدولة والاتهامات الإعلامية بشأن قضية التنظيم الدولي، فنشير في البداية إلى حكم القضاء الطبيعي الذي أهمل هذه التحريات، وأسقط الاتهامات بقرار محكمة الجنايات يوم 28 يونيو الماضي بإخلاء سبيل جميع المتهمين، قبل استصدار جهاز أمن الدولة قراراتٍ من وزير الداخلية باعتقالهم جميعًا، ولا يزالون معتقلين.
اتهامات وردود
التهمة الأولى: الانضمام لجماعةٍ محظورةٍ تعمل على تعطيل أحكام الدستور، ومنع مؤسسات المجتمع من ممارسة أدوارها، كما تشجع الإرهاب.
وبغض النظر عن عدم وضوح معنى التهمة أو كيفيتها فلا يوجد بالتحريات أي دليلٍ على صدقها، بل الثابت للجميع أن الحكومة هي التي تخالف الدستور وتتلاعب به، ولا تنفذ الأحكام القانونية، ولا تؤدي مؤسساتها الأدوار المنوطة بها نحو الشعب، فضلاً عن قيامها بإرهابه بالقمع والترويع والظلم والتجويع، وما يُكتب ليلَ نهارَ في الصحف عن الفساد والاستغلال؛ فيه الكفاية.
أما تشجيع الإرهاب فهو لغو ردَّ عليه خصوم الجماعة قبل مؤيديها، إلا أننا نسأل: هل لديكم أي أدلةٍ أو وقائع أو أحداث جديدة تؤيد اتهاماتكم الباطلة؟ والإجابة: لا.
التهمة الثانية: الانخراط في تنظيمٍ دولي للجماعة المحظورة، ويشمل أقسام تدريب وتجنيد الشباب من وإلى جميع الأقطار، والقسم الإعلامي وقسم الطلاب الوافدين إلى مصر وقسم الاتصال والتنسيق.
ومذكرة أمن الدولة شملت في اتهاماتها عددًا من المواطنين المغتربين بدولٍ عربية وأوروبية، وأفراد من دولٍ أخرى تم إدراجهم لحبكة "الدولي" والأسماء الواردة لمواطنين لا توجد عليهم أي مخالفات أو شبهات في بلادهم، فهل امتدَّ ذراع أمن الدولة للتدخل في شئون دول أخرى واتهام مواطنين فيها لا شبهة عليهم.
* ملاحظة: تراجعت الحكومة المصرية عن إدراج اسم الشيخ عائض القرني المذكور بصراحة ووضوح في مذكرة أمن الدولة، وقالت إن المطلوبَ شخص آخر اسمه عوض القرني؛ وذلك فيما يبدو لشكوى تقدَّم بها الشيخ عائض.
ومن النقاط الأساسية التي يجب التذكير بها في هذه التهمة التي لا تستحق الرد عليها:
1- لا توجد كلمة واحدة صحيحة في هذا الاتهام، ولا توجد أي وقائع وأدلة أو شواهد له.
2- بعض ما ذُكِرَ في الاتهام هو من الأمور المشروعة التي لا يعاقب عليها القانون؛ مثل إنشاء قناة فضائية، وإنشاء شركة مساهمة لإدارتها وغير ذلك.
3- كل المراكز والشركات التي تزعم مذكرة التحريات استغلالها في التدريب والتجنيد والاتصال ذات وضع مالي وقانوني صحيح وخاضعة لرقابة الدولة منذ سنوات طويلة، ولا يوجد دليل واحد صحيح على ما زعمته المذكرة، أما الاتهام المرسل بأنها غطاء وتستخدم للإنفاق على الجماعة المحظورة، فهو غير حقيقي أو جدي وإلا لأمكن لصق مثل هذه التهمة بأي شركة أو مؤسسة تعارض النظام.
التهمة الثالثة: جمع تبرعات لغزة وفلسطين، والاستيلاء عليها، واستخدام الشركات المملوكة في ذلك، واستغلال هذه الشركات في عمليات غسيل الأموال.
ونود التركيز في التعليق على هذه التهمة على ما يلي:
1- إن جمع التبرعات يتم من خلال جهات رسمية معتمدة ذات حسابات بنكية واضحة، وتحت رقابة الدولة مثل: لجنة الإغاثة بنقابة الأطباء ولجنة الإغاثة التابعة لاتحاد الأطباء العرب، ولم تحدث مخالفات قانونية مالية من هذه الجهات.
2- مَن يستولي على هذه التبرعات هو الحكومة المصرية، وحوادث مصادرة الملايين من أفراد تابعين لحكومة غزة أثناء عودتهم للقطاع لا تخفى على أحد.
3- من الثابت والواضح لأي منصف أن إيجابية الإخوان وغيرهم من الغيورين على دينهم وأمتهم تظهر في كل المواقف الكارثية داخل مصر: مثل الزلازل والدويقة وغيرها، وخارج مصر؛ مثل البوسنة وأحداث غزة وغيرها، بل إن هذا هو السبب الحقيقي لهذه التهم الباطلة بالاستيلاء على أموال هذه التبرعات؛ حتى يمتنع الشعب عن البذل والتبرع.
4- أما بالنسبة للشركات المملوكة لأفراد أو شركات المساهمة؛ فهي شركات رسمية تمَّ إنشاؤها من سنوات عديدة بموجب القانون وتمارس عملها علانيةً، وتقدم إقراراتها بصفة منتظمة للهيئات الحكومية التي تراجع أوراقها باستمرار، فكيف يتم اتهامها فجأةً بالمخالفة ومن قبل أمن الدولة وليس نيابة الأموال العامة أو النيابة العامة، وبدون أي دليلٍ إلا مجرد الشك في انتماء أحد الشركاء في شركة ما أو تعاطفه مع جماعة الإخوان، وهذه أيضًا لا دليل عليها.
ملايين الصرافة
أما قصة شركات الصرافة، والتي تشهر الصحف بها، والتي تم منع تصرف صاحبها وزوجته في أموالها وممتلكاتها فإليكم هذه الحقائق:
أ- شركات الصرافة قانونية تمامًا، وتعمل منذ سنوات، ولا توجد أية شبهة في عملها.
ب- صاحب هذه الشركات ليس قياديًّا في الإخوان، ولا يرتبط تنظيميًّا بها، واتهامه لكونه نسيب أحد المتهمين بانتمائهم للإخوان في قضية التنظيم الدولي.
ج- المبلغ الذي تشهر به الصحف وهو مبلغ 2.7 مليون يورو تمَّ تحويلها إلى حساب صاحب الشركة الخاص من قبل شخص سوري وليس لبناني، كما تزعم الصحف بعد التعاقد معه ليستثمرها عقاريًّا في مصر، وقد تمَّ تحويل هذا المبلغ أول شهر يونيو أي بعد أسبوعين من القبض على نسيبه في قضية التنظيم الدولي.
زعمت نيابة أمن الدولة عن عمد أن التحويل تمَّ في أول مايو رغم أن الأوراق الرسمية تثبت خلاف ذلك؛ وذلك لإقحامه في القضية.
د- ذكر صاحب شركات الصرافة في إقرار عام 2008م عن نشاطه أن حجم التعامل يصل إلى 500 مليون جنيه، وهذا في الأوراق الرسمية المقدمة للحكومة، وقد روجعت كل الإقرارات، ولم يوجد بها شبهة.
هـ- زعمت الصحف كذبًا أن أمن الدولة عثر على 20 مليون جنيه في بيته، والحقيقة أن هذه المبالغ استولت عليها من شركات الصرافة، وهذا أمر طبيعي؛ نظرًا لحجم التعامل مع الجمهور.
نقطة أخيرة تتعلق بعملية غسيل الأموال التي تتناولها الصحف، ولا يعرف كثيرون معناها:
بتبسيط شديد غسيل الأموال يتم فيه نقل أموال مشبوهة المصدر أو مجهولة إلى مؤسسة مشروعة قانونيًّا لاستثمارها في عمليات وهمية، يخرج من خلالها المال بصورة مشروعة المصدر وقانوني، فيتم تداوله بعد ذلك دون أية شبهة.
والسؤال: ما علاقة الشركات التي يتم التشهير بها وبأفرادها بعملية غسيل الأموال؟ لأن مصادر هذه الشركات معلومة وقانونية، وتتم مراجعتها بواسطة أجهزة الحكومة الرسمية فأين شبهة الغسيل هنا؟!
إن كل هذه الادعاءات والاتهامات تصب مباشرة في صالح الكيان الصهيوني الذي يزعجه بشدة أي تبرعات تصل لغزة.
إن العمالة الصريحة للحكومة المصرية؛ هي التي تغلق معبر رفح، وتصادر الأموال الداخلة إلى غزة مع أشخاص رسميين، وتعتقل الشرفاء من أبناء هذا البلد، بل وتشكك في مصداقيتهم كذبًا وزورًا لتقليص تبرعات الشعب المصري إلى هذه الهيئات، تنفيذًا للتعليمات الصهيونية.
حسبنا الله ونعم الوكيل في هذا الظلم البين والتشويه المقصود للشرفاء، وحسبنا الله في تشتيت الأسر وترويعها، واعتقال أبناء الوطن من العلماء والنوابغ، وحسبنا الله في هذه العمالة الواضحة التي ستضيع مصر ما لم تتداركها رحمة الله، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
---------------
* أستاذ بجامعة الأزهر الشريف