الصورة غير متاحة

 شعبان عبد الرحمن

 

لا يستطيع المرء أن ينتظر شيئًا ملموسًا للأسف على الأرض من حوارات القاهرة بين "حماس" و"فتح"،  ولذلك أسبابه الخفية والظاهرة، فمنذ بدء تلك الحوارات في 25/7 /2009م وعلى امتداد ست جلسات أصبح الملموس أن هناك "طبخةً مسمومةً" يجري سبكها بهدوء لإطعامها لـ"حماس" بأية حيلة حتى يمكن التخلص منها للأبد بطريقة ديمقراطية حوارية بعيدًا عن ميادين المعارك والحروب التي فشلت فشلاً ذريعًا في تحقيق ذلك.

 

ويبدو أن المطلب الأوحد من تلك الحوارات موافقة حماس على إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية لمعرفة خيار الشعب فيمن يحكمه، وبعدها يتمُّ حلُّ كلِّ الملفات العالقة، وظاهر هذا الكلام معقول.. لكن مربط الفرس أن الرأي بين كل الأطراف التي سعت للقضاء على "حماس" خلال حرب غز؛ استقر على أنه لم يبق َمن سبيل لإخراج "حماس" من الساحة إلا السبيل الذي دخلت منه، وهو الانتخابات، ولذلك يتم إعداد المسرح جيدًا لتكون نتائج تلك الانتخابات مضمونةً مائة في المائة في الضفة الغربية؛ حيث الغالبية العظمى من المقاعد والأصوات لصالح محمود عباس.

 

وما يقوم به الجنرال الأمريكي كيث دايتون وفريقه الأمني المرابط هناك وما يجري من اعتقالات مكثفة لقادة وكوادر "حماس" (ما يقرب من الألف والرقم مرشح للزيادة)، ثم إن استمرار إغلاق المعابر ومواصلة حصار غزة؛ كل ذلك يصب في إعداد "الطبخة" إياها.. "طبخة" انتخابات إخراج حماس من الساحة!.

 

والحسبة تأتي كالتالي أنه لو قدِّر لـ"حماس" الحصول على كل أصوات غزة وحصل محمود عباس على كل أصوات الضفة ذات الأغلبية السكانية فإن الرئاسة والمجلس التشريعي تعود لـ"فتح" بكل سهولة، وحتى يتحقق ذلك فلا بد أولاً من تفريغ "حماس" من كوادرها التي يمكن أن تكون على قوائم الترشيح وتجريدها من كل إمكاناتها بمصادرة سلاح المقاومة وإغلاق وتخريب المؤسسات الخيرية والبحثية والاقتصادية، حتى تلك التي كانت موجودةً قبل وجود "حماس" أغلقوها؛ لأنهم اشتموا منها رائحة الإسلام!.

 

يحدث ذلك وسط أجواء من الرعب تسود المواطنين في مدن وقرى الضفة خوفًا من الاعتقال والتعذيب، إن فكَّر أحدهم في الاقتراب من "حماس" أو حتى أثنى عليها بلسانه، في تلك الأجواء يريدون الاحتكام إلى صناديق الاقتراع بزعم الاحتكام إلى الديمقراطية، ومن عارضهم في ذلك سيُردُّ عليه بأنه إرهابي رافض للأساليب الديمقراطية!.

 

ولذلك فإن فتح تتعنَّت خلال حوار القاهرة في فتح ملف المعتقلين، رافضةً إطلاقهم وتسوية ذلك الملف؛ حتي تكون هناك أجواء مواتية للحوار وذلك في مقابل إصرار "حماس" على أن نقطة البدء في حوار حقيقي وتحقيق مصالحة هو إطلاق المعتقلين؛ إذ كيف يتحاور طرفان على تحقيق مصالحة، بينما أحد الأطراف يقوم بعمليات اعتقالات واسعة للطرف الآخر في الوقت الذي يجري فيه الحوار.

 

في هذه الاونة يجري الإعداد لتشكيل جيش من أتباع محمود عباس على عقيدة "إن العدو هو المقاومة- وفي القلب منها "حماس"- وليس إسرائيل، وإن مهمته الأولى والأخيرة مقاومة الإرهاب (المقاومة) والتعاون مع الصديق الصهيوني في ذلك، ويتولى تلك المهمة منذ عام 2005م بعد توقيع اتفاقية خارطة الطريق.

 

وقد كشف خطاب الجنرال كيث دايتون الذي ألقاه في ندوة SOREF التابعة لمعهد واشنطن في 7 مايو 2009، تحت عنوان (السلام من خلال الأمن.. الدور الأمريكي في تطوير قوات أمن السلطة الفلسطينية) الكثير من مهام ذلك الجيش المرتقب .( اقرأ ص22- 26 من هذا العدد).

 

وحاول دايتون والصهاينة تجريب كفاءة طلائع ذلك الجيش وجديته في القضاء على المقاومة، فأطلقت السلطات الصهيونية يده في أربع مدن بالضفة الغربية هي: بيت لحم ورام الله وأريحا وقلقيلية لمواجهة ما يسميه "أي تهديدات عاجلة" من جانب رجال المقاومة الفلسطينية؛ وذلك تمهيدًا لتسليمه السيطرة على بقية المدن لتقوم بمهمة اعتقال وقتل وسجن كوادر المقاومة وتخريب بيوتهم وإشاعة الرعب في ربوع تلك المدن نيابةً عن الصهاينة.

 

في هذه الأجواء يجري حوار القاهرة ولا حديث جديًّا فيه إلا عن إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية،  ومن هنا فإن الحوار ربما يطول كثيرًا، والحسم فيه سيكون لعامل الزمن، وفي دهاليز الزمن القدر الكثير من المفاجآت، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.