عندما خطب أوباما في جامعة القاهرة في أوائل يونيو 2009م كانت أفضل التقديرات لموقفه من الصراع العربي الصهيوني تقول بأنه غامض أو أن الرجل حسن النية، يبحر في مياه لا يُحسن السباحة فيها.
الآن اتضح موقف أوباما من السلام الذي يريده في فلسطين، وهو أن يبدأ الاعتراف بـ"إسرائيل" وتطبيع العلاقات معها حتى يتمَّ تشجيعها على ابتلاع السم، وهو تأجيل الاستيطان وهضم الأراضي الفلسطينية بعض الوقت، ثم تعود مرةً أخرى للاستيطان، ويستأنف المشروع الصهيوني طريقه.
ومنطق أوباما أن الضغط على الكيان الصهيوني من أجل الاستيطان سيؤدي إلى سقوط الحكومة، وما دامت الانتخابات قد أفرزت القوى المؤيدة لاستمرار المشروع الصهيوني فلا فرق بين نتنياهو أو غيره، وعلى العرب التراجع حتى يفسحوا المجال لاستمرار تقدُّم قطار الصهيونية، وعلى العرب أن يتحلَّوا بالمسئولية ويدركوا هذه الحقيقة حتى قبل الضغط عليهم.
أما "إسرائيل" فيرى أوباما أنها اعترفت بأنها عازمةٌ يومًا ما على إنشاء دولة فلسطينية، شرح نتنياهو وضعها وشكلها، ولما كانت الساحة الفلسطينية غير مؤهَّلة أصلاً للاتفاق على أي شيء، بل إنها اتسع رتقها بإلقاء قنبلة اغتيال عرفات واتهام أبو مازن، فمن العبث ضياع الوقت والجهد في تصوُّر دولة ليست مستعدةً للقيام، كما أن الأرض التي يجب أن تقوم عليها ستتحوَّل إلى ملكية يهودية؛ ولذلك لن يكون أمامها إلا أن تقوم في الأردن، وهو مشروع صهيوني قديم عُرف باسم "الوطن البديل"، ثم أكده الكنسيت في قانون صدر في يونيو 2009م.
فماذا يحصل العرب مقابل الاعتراف بـ"إسرائيل" إذا كان وقف الاستيطان مؤقتًا يعود بعد أشهر إلى سيرته المقررة سلفًا، والدولة الفلسطينية الموعودة لن ترى النور في فلسطين أو الأردن، فضلاً عن أن العرب لا بد أن يعترفوا أيضًا بأن إسرائيل دولة يهودية؛ أي لا حق للفلسطينيين فيها؟ منطق أوباما في ذلك هو أن العرب يجب أن يساعدوا الفلسطينيين على حلِّ مشكلاتهم؛ بتوطين الفلسطينيين لديهم، والكف عن الحديث عن عودة اللاجئين، بل واستيعاب عرب 1948م لديهم فور اعترافهم بـ"إسرائيل" دولة يهودية.
أما مفاوضات نتنياهو مع الفلسطينيين فموضوعها إبرام اتفاق مخالصة، وإبراء ذمة تتسلَّم به "إسرائيل" فلسطين من السلطة الفلسطينية، وتشكرها على حسن إدارتها "للأقاليم" المحتلة من جانب الفلسطينيين، وصبرها على هذا الميلاد العسير للوضع الجديد الذي تعمل من أجله الحركة الصهيونية منذ القرن التاسع عشر، ويرى أوباما أن النزاع صار فلسطينيًّا صهيونيًّا على مسائل التصفية، وآن الأوان لإنهاء النزاع بقتل الجريح وليس بمعاقبة القاتل.
والحق أن زعماء إسرائيل عبر العقود الأخيرة- خصوصًا مع انطلاق قطار السلام في مدريد- لم يبخلوا علينا بكل هذه الإيضاحات التي ظنها البعض أوهامًا، ولكن الإصرار عليها وحشد عوامل القوة والغلبة لها واختراق الدول العربية من خلال نظمها؛ هو الذي جعل أوهام الثمانينيات والتسعينيات حقائق هذا القرن.
ذلك كله لم يكن مفاجئًا؛ لأننا تربَّينا وتدرَّجنا عليه، ولكن المذهل أن يتحوَّل الحلم الصهيوني إلى حقائق بهذه السرعة، وأن يجهد أولمرت نفسه في مقال مطوَّل في الـ(واشنطن بوست) نُشر يوم 17/7/2009م لكي يردِّد الحقائق الجديدة، وأظنه لم يكن بحاجةٍ إلى تذكير أوباما بخطاب الضمانات الذي سلَّمه بوش إلى شارون، وأن يذكِّره بأنَّ عدوَّ المنطقة والعالم الذي يجب الاحتشاد له هو إيران، وأن يؤكد المسئولون الأمريكيون والصهاينة أنَّ تصدِّي الكيان الصهيوني لإيران يتطلَّب تضامنًا عربيًّا، ليس مجاملةً للكيان، ولكن لأن للعرب مصلحةً في تقزيم إيران، وعليهم أن يدفعوا للكيان الصهيوني ما يتحمَّله في سبيل هذه المهمة "المقدسة" من تبعات.
المدهش ثانيًا هو أن يتحوَّل خطاب أوباما وهيلاري كلينتون إلى لومٍ للزعماء العرب على أنهم لم يلتقطوا الرسالة بذكاء، ويتقاطرون على "إسرائيل"؛ لأن الضغط الأمريكي عليها- وهي غير معتادة عليه- أصابها باضطرابٍ أخطر مما أصابها من صواريخ حماس.. إنه شعور العقوق العربي إزاء كرم "إسرائيل" وتضحياتها.
يبدو أن أوباما سوف يؤكد إذا تأخَّر العرب في التطبيع أن العرب اتفقوا على تصفية القضية، ولما قدَّم لهم الطريقةَ تقاعسوا نفاقًا وخجلاً.
المدهش ثالثًا أن ولي عهد البحرين كتب مقالةً في الـ(واشنطن بوست) بجانب مقالة أولمرت يوم 17/7/2009م، وقد تأثَّر برسائل واشنطن ورجائها، وأبدى تعاطفًا واضحًا معها، ودعا إلى تفهُّم الشعوب العربية لحاجات الصهاينة.
لقد التقط ولي عهد البحرين رسالة هيلاري كلنتون وهي تدعو النظم إلى دفع شعوبها نحو تقبُّل الحقائق الجديدة والبعد عن الأوهام القديمة والإمعان في "ضلالها" الذي دفعها إلى التعلُّق بأهداب أحلام قيم بالية وحقوق وهمية وقيم زمن لن يعود إلا في أحلام الرواة والمبدعين.
إنني بهذه السطور أحذِّر من خديعة أوباما المنسقة مع الحركة الصهيونية؛ لأنه يستخدم لونه وخطبه المعسولة لتخدير الشعوب العربية وتسهيل مهمة الحكام في الانحناء أمام هدير هذا المشروع الصهيوني الذي أنهكته المقاومة العربية.
إننا في مرحلةٍ فاصلة حقًّا وما لم يقاوم الجسد العربي بأعضائه الكبرى وأطرافه الصغيرة على السواء؛ فإنه خلال سنوات سيغمره المدُّ الصهيوني، وعندها ستكون المقاومة الشعبية هي عنوان هذه المرحلة ضد النظم التي خدَّرت الشعوب، وسمحت بمرور المشروع من بوابات الأوطان الرسمية، ولكنَّ الجسد العربي لن يقيل المشروع مهما طال الزمن وتعاقب على البيت الأبيض كل ألوان البشر.