ارتبط تاريخ الحركات الإسلامية الكبرى بالتنظيم؛ باعتباره الوحدة المركزية لعمل الحركة الإسلامية، والتنظيم يمثل المؤسسة التي تقوم بالنشاط من خلال نظام خاص بها، يحدِّد شروط العضوية وأُسس العمل وقواعده الأساسية، وكل حركة اجتماعية تحتاج لمؤسسة تقوم على العضوية؛ لأن الحركة الاجتماعية تمثل كيانًا اجتماعيًّا داخل المجتمع، وتعدُّ أحد مكوناته، وهي تختلف عن المكونات الأخرى، من حيث إنها لا تقام من أجل وظيفة أو مهنة محددة، بل تُقام من أجل نشر فكرة وتحقيقها عمليًّا، والتنظيم هو الذي يجعل الحركة الاجتماعية كيانًا اجتماعيًّا مترابطًا ومتماسكًا، وقادرًا على الاستمرار.
وكل هذه الخصائص تجعل التنظيم في الحركة الإسلامية يمثل مؤسسةً اجتماعيةً قادرةً على الفعل والاستمرار عبر الأجيال، وهنا تبرز أهمية النظر في تركيبة التنظيم داخل الحركة الإسلامية ومقدار ما يمثله من المؤسسية الفاعلة، فهل التنظيم في جماعةٍ مثل جماعة الإخوان المسلمين يمثل مؤسسةً أم أن له طبيعةً خاصةً تختلف عن الطبيعة المؤسسية؟
طبيعة الحركة الإسلامية
في البداية يجب التفريق بين المؤسسة الجماعية التطوعية، وبين أي نوعٍ آخر من المؤسسات الاقتصادية أو المهنية، فالمؤسسات التي تمارس عملاً ربحيًّا لها قواعدها الخاصة القائمة على عقد العمل، والمؤسسات المهنية التي تعمل على رعاية مهنة معينة يكون الانتماء لها مرتبطًا بالانتماء للمهنة، والمؤسسات الخيرية الاجتماعية يكون الانتماء لها مرتبطًا بالرغبة في ممارسة عملٍ تطوعي خدمي، ولكن المؤسسة الجماعية التطوعية هي مؤسسة ينتمي إليها كل مَن يؤمن بفكرتها، ويرغب في العمل من أجل نشر هذه الفكرة وتنفيذها في الواقع؛ لذلك ينتمي إلى المؤسسة كعضوٍ فيها، يلتزم برؤيتها وفكرتها، ويعمل من أجل تحقيقِ رسالتها.
هناك أيضًا بُعدٌ آخر مهمٌّ، فعندما تنشأ حركة اجتماعية تعمل من أجل نشر فكرة معينة بين الناس، وفي ظل مناخ يسمح بحرية الحركة والفعل الاجتماعي والسياسي؛ فإن الانتماء لهذه الحركة لا يرتبط بدفع ضريبة باهظة، بل يكون نوعًا من ممارسة العمل الاجتماعي التطوعي.
ولكن بالنسبة للحركات الاجتماعية التي تحمل مشروعًا للتغيير، فهي بهذا حركة تغيير، لها تصوُّرها عن المستقبل المنشود، وتمثل حركةً نضاليةً من أجل الإصلاح والتغيير، بجانب أنها حركة اجتماعية لها تصوُّرها الذي تنشره بين الناس، وهنا تقوم الحركة من أجل نشر رؤيتها وتنفيذها في الواقع، ومن أجل إصلاح الواقع وتغييره، وهذه هي الحركة الاجتماعية الإصلاحية الشاملة، وهي أيضًا حركة تجديد حضاري، وحركة نهوض، تحاول أن تحقق نهضة الأمة، من خلال رؤيتها التي تتبنَّاها وتنشرها بين الناس.
فإذا أضفنا لذلك البعد الديني، وهو يمثل عصب الحركة الإسلامية، سنجد عنصرًا مركزيًّا في الحركة الاجتماعية الإسلامية، وهو أنها تقوم على تصورها عن النموذج الحضاري الإسلامي، وتحاول أن تجسِّد هذا النموذج في كيانها التنظيمي وفي أعضائها؛ مما يستلزم معه وجود انضباط مؤسسي بين الأعضاء في سلوكهم الحياتي واليومي؛ حيث يمثل هؤلاء الأعضاء النموذج الحي للفكرة والرسالة التي تحملها الحركة الإسلامية.
العوامل المؤثرة على المؤسسية
نتصور أن أهم العوامل المؤثرة على الطبيعة المؤسسية للحركات الإسلامية، ومنها جماعة الإخوان المسلمين، هي التزاوج الحادث بين أساسها الديني ووضعها كحركة نضالية إصلاحية تواجه حربًا منظمةً ضدها، ويظهر هذا التزاوج في جماعة الإخوان المسلمين في أهمية الالتزام والانضباط في مواجهة الأزمات والضربات الخارجية، بوصفه التزامًا دينيًّا وتنظيميًّا في وقتٍ واحد، وهنا تبرز مشكلة الفرق بين مدى وحدود الالتزام الديني، ومدى وحدود الالتزام التنظيمي.
تؤدي هذه المساحة بين التنظيمي والديني إلى تداخل آخر في المساحة بين المربي الديني والقائد التنظيمي، فهناك مجال للالتزام تجاه المربي الديني، يختلف عن مجال الالتزام تجاه القائد التنظيمي.
كما أن نوع الالتزام التنظيمي وتبعاته يختلف عن نوع الالتزام الديني وتبعاته؛ فمن يخرج عن الالتزام التنظيمي يختلف عن من يخرج على الالتزام الديني.
يُضاف إلى هذا التفرقة بين مجال التشريع ومجال التنفيذ، فكل مؤسسة لها جهازها التشريعي الذي يحدد رؤيتها وفكرها ومواقفها، وهو في جماعة الإخوان المسلمين مجلس الشورى، ويحلُّ محلُّه مكتب الإرشاد في حالة تعذُّر اجتماعه، وعملية التشريع هي مرحلة من التداول والدراسة والتفكير والحوار، وهي مرحلة المشاركة في صنع التوجهات العامة، وتحديد مسار الحركة وسياساتها وما تلتزم به من خطط ومواقف.
أما بعد انتهاء الجهاز التشريعي من تحديد موقفه، فيتم الانتقال إلى مرحلة التنفيذ؛ حيث يصبح على الجميع الالتزام بما تمَّ إقراره، فإذا تقلَّصت مرحلة التشريع، وحدثت هيمنة ما لفكرٍ معين قبل إقراره، واعتُبِر الالتزام به نوعًا من الالتزام الديني أو الالتزام تجاه المربي الديني؛ فهذا يُقلِّص عملية التشريع، ويجعل الالتزام التنظيمي بعد ذلك ليس له المبرر المؤسسي الكافي؛ لأنه التزام برأي فئة، أكثر من كونه التزامًا برأي مؤسسات التشريع داخل الجماعة.
ثم يأتي دور ما تواجهه الحركة الإسلامية من حربٍ منظمة ضدها، فتلك الحرب مع ما تفرضه على الحركة من ظروف خاصة، وأيضًا ما تفرضه من مخاوف على الحركة، قد تؤدي إلى تعطيل الجانب التشريعي، وأيضًا تعميم الالتزام الديني والأخلاقي، على الالتزام التنظيمي، فيصبح العضو مطالبًا بأن يلتزم بكل ما يصدر له، كدليلٍ على التزامه الديني، حتى وأن كانت القضايا تنظيمية بحتة، وهذا الأمر يحدث بسبب وجود مخاوف من احتمال اختراق التنظيم، أو مخاوف من عملية بثِّ الاضطراب أو الفرقة داخل التنظيم، أو وجود مخاوف من أي احتمالٍ لعدم الالتزام التنظيمي في مواجهة مواقف حرجة؛ حيث يمكن أن يؤدي عدم الالتزام التنظيمي إلى مخاطر شديدة على الجماعة، ولهذا يتم تحويل مجمل الالتزام التنظيمي إلى مجال الالتزام الديني؛ تحقيقًا لتماسك الجماعة ودقة تنظيمها.
تحديات أمام المؤسسية
تتحقق المؤسسية داخل الحركة الاجتماعية، من خلال المحافظة على بعض الأبعاد المحققة لجودة العمل المؤسسي، فالمؤسسة الجماعية تحتاج للتمييز بين الالتزام برسالتها والالتزام المؤسسي، فالالتزام بالرسالة شرط الدخول في المؤسسة، وعدم الالتزام بها كافي للخروج منها، أما الالتزام المؤسسي، أي الالتزام بالقرارات التنفيذية، فهو شرطٌ لما يقوم به العضو من دورٍ وما يكلف به من مسئوليات، وأي عدم التزام يؤثر على دوره داخل الجماعة، ولكن لا يخرجه منها، ما دام متمسكًا برسالتها.
والسمع والطاعة داخل مؤسسة الحركة الإسلامية، مرتبط أولاً بالالتزام المؤسسي تجاه ما يصدر من قرارات من أجهزة الجماعة، وما يصدر من جهازها التشريعي، فكل مؤسسة تقوم على الالتزام بما تصدره الجهات المخول لها إصدار القرارات، ولا يمكن لمؤسسة أن تستمر بدون التزام مؤسسي بالقرارات التنفيذية، وأيضًا التزام بالقواعد واللوائح الداخلية.
ولكن هذا الأمر يختلف عن السمع والطاعة بين التلميذ والمربي، فالحركة الإسلامية، حركة دعوية دينية، تقوم على التربية الدينية لأعضائها، وعملية التربية الدينية تقوم على علاقة الطاعة بين التلميذ والمربي، وهي طاعة مشروطة بقواعد الدين وأسسه وتعليمه، فإذا خرج المربي عنها، لن تكون له طاعة، ولكن هذه الطاعة تختلف عن الالتزام المؤسسي تجاه القرارات التنفيذية، ففي الأخيرة يحق لكل عضو أن يبدي رأيه في القرار وأن يوضح جوانب القصور فيه، وقد يطلب إعادة دراسته، فإن لم يستجيب له يكون ملزما بالتنفيذ.
ولكن الطاعة في مجال الأخلاق والقيم الدينية، وفي مجال العقيدة والعبادة، لا تقوم على هذا الجدل، وبالطبع ليس المقصود أن يناقش العضو قرارًا بصورةٍ تعرقل تنفيذه، ففي النهاية هو ملزم بحسن أداء المهمة، ما دامت صادرة عن الأجهزة المخول لها حق إصدار القرار.
الإخوان المسلمون والمؤسسية
تحتاج جماعة الإخوان المسلمين إلى المؤسسية أكثر من أي حركةٍ إسلاميةٍ أخرى؛ لأنها حركة واسعة الانتشار، كما أنها تحمل مشروعًا إصلاحيًّا شاملاً لنهوض الأمة، وتحمل أهدافًا كبرى لمستقبل كل الأمة الإسلامية، وتواجه حصارًا شرسًا، وضربات أمنية وحشية.
لكل هذا نرى أن أهم ما تحتاجه جماعة الإخوان المسلمين هو وضوح رؤيتها ومنهجها، وهو أمرٌ متحققٌ في أسسه وقواعده العامة، ومؤسسية متطورة في مختلف أجهزة الجماعة، ويتمُّ الالتزام بها طبقًا للقواعد المؤسسية المتعارف عليها، والتي تنصُّ عليها لوائح الجماعة.
وحتى يمكن لجماعة الإخوان المسلمين الحفاظ على بنيتها المؤسسية، وعدم تعريضها لأي نوعٍ من التجاوز وعدم الالتزام؛ يصبح من المهم النظر إلى مؤسسة الجماعة على أنها مؤسسة متعددة الأبعاد، وتحتاج إلى التمييز بين تلك الأبعاد المختلفة، فهي مؤسسة تقوم على المودة والتراحم؛ لأنها جسدٌ اجتماعي حي، يترابط العضو فيه مع غيره برباطٍ اجتماعي تراحمي، وهي أيضًا مؤسسة إسلامية، تقوم على التربية الدينية، وعلى الالتزام الديني، وتحاول أن تجعل من عضو الجماعة نموذجًا للمؤمن الصالح، وهي أيضًا مؤسسة إصلاحية، تحمل رسالةً وتنشرها بين الناس، وتعمل على تنفيذها، كما تعمل على إصلاح حالة الأمة وحال أنظمتها السياسية؛ بغيةَ تحقيق وحدة الأمة ونهضتها.
ولهذا يصبح من المهم التمييز بين القواعد الحاكمة للالتزام الاجتماعي بين الأعضاء، والالتزام الديني وبين الالتزام المؤسسي تجاه قرارات الجماعة، وتوضيح القواعد الحاكمة لكل نوعٍ من الالتزام، فتتضح المعاني المختلفة للطاعة، ويميز الالتزام التنظيمي المؤسسي عن غيره من الالتزامات، والالتزام المؤسسي في حدِّ ذاته التزام لائحي؛ أي يقوم على لائحةٍ معلنةٍ للجميع ويلتزم بها الجميع، ولا يُسمح بالخروج عليها في عملية التنفيذ.
والقيادة داخل الجماعة تحتاج إلى التمييز بين أدوارها المختلفة بصورةٍ واضحة؛ حتى تتضح الصورة لدى القواعد، وحتى تتميز قواعد الحوار والعمل حسب جوانبه المختلفة.
فالقائد عليه التمييز بين دور المربي ودور القيادة الاجتماعية ودور المسئول التنفيذي، حتى وإن كان شخص واحد يقوم بهذه الأدوار معًا.
وبالتأكيد فإن فاعلية المؤسسية تقوم أساسًا على فاعلية العملية الانتخابية التي تختار على أساسها أجهزة المؤسسة، وأيضًا فاعلية عملية التشريع، وتعميق ما يُحيط بها من دراسة وحوار وتبادل آراء، حتى تكون تلك العملية هي المساحة التي تُطرح فيها كل الآراء بصورة كافية، فإذا حدث تقصير ما في عملية التشريع فإن حجم الرضا في مرحلة التنفيذ يتأثر.
وليس من المستحب أن يكون الالتزام بقرارٍ ما غير نابعٍ من القواعد المؤسسية، بقدر ما يكون نابعًا من طاعة الأكبر سنًّا أو الأكثر خبرةً أو صاحب التاريخ الكبير في الدعوة؛ فالمحافظة على القواعد المؤسسية هي التي تحمي الجماعة، خاصةً أنها جماعة عابرة للأجيال.