العراق دولة عربية إسلامية مركزية في عالميها العربي والإسلامي ولها تاريخ معروف في الحضارات القديمة وعاصمة الخلافة الإسلامية لعدة قرون، ولكن المشكلة هي سياسات النظام في بغداد واحتكاكه بمحيط معقد بمفهوم الجغرافيا السياسية عبر العقود الخمسة الأخيرة، ولم يكن تركيبه الطائفي والعرقي يثير مشكلة تذكر. ولذلك فإن أمن الدول المجاورة قد تأثر بحجم المغامرات التي دخل فيها نظام بغداد حتى انتهى الأمر باحتلال العراق، وهو عمل استثنائي بمقاييس العلاقات الدولية المعاصرة، فلقي الاحتلال ردود أفعال متضاربة من البيئة الإقليمية. ثم تحول العراق إلى ساحة للقتال والإرهاب والمقاومة، خليط غير متجانس لكن المواطن العراقي هو الذي دفع ثمن هذا كله فضلاً عما أفرزته الساحة العراقية من فرز طائفي مقيت مزق لحمة العلاقات بين العراقيين، وارتبط ذلك بقانون بايدن في الكونجرس الذي رأى أن أفضل طريقة لتلافي حرب أهلية في العراق أن يتم تقسيمه بعد أن تم تحويله إلى نظام فيدرالي في دستور وضعته سلطات الاحتلال. ثم حدثت تطورات سياسية وقانونية لا مجال للتعليق عليها وكلها تمت في إطار سعي واشنطن إلى صياغة عراق جديد "ديمقراطي"، ثم تم إبرام اتفاق الترتيبات الأمنية وبموجبه انسحبت القوات الأمريكية إلى معسكرات خارج المدن في الساعات الأولى من صباح الأول من يوليو على خلاف بين المراقبين حول مدى قدرة العراقيين في هذه الظروف على ضبط الأوضاع في العراق بغير حاجة إلى القوات الأمريكية.

 

هذه هي باختصار مسيرة العراق وتطور المشهد العراقي فمن يحدد مصير العراق الجديد؟

الواضح أن لدينا أطرافًا كثيرة لها مصلحة في تحديد مصير العراق. في مقدمة هذه الأطراف الولايات المتحدة التي تريد عراقًا ينسجم مع مصالحها. ولكن هذا العراق الجديد الذي تتنازعه تيارات داخلية وإقليمية يحتاج في نظر الولايات المتحدة إلى تعاون عربي. من ناحية أخرى تريد دول المنطقة عراقًا خاليًا من الأسباب التي أدت بالشعب إلى ما يعانيه الآن، ولكل مواصفات يريدها. غير أن إيران التي رأت أن العراق القوي اللاعب الطامح في دور إقليمي بالتوافق مع قوى النظام الدولي كان خطرًا عليها، ولذلك واتتها الفرصة للمساهمة في تقليم أظافره، وتسعى قطعًا إلى إنشاء عراق ينسجم مع المصالح الإيرانية. ولديها مبرراتها وأدواتها. أما الطرف العربي فلا يزال يأمل- دون أن يعمل- في عراق عربي إسلامي موحد فاعل مسالم في أسرته العربية الإسلامية، أي عراق جديد تمامًا لم تعرفه العراق من قبل.

 

ذه الوصفة الخاصة العربية تواجه عددًا من التحديات أولها أن العالم العربي نفسه لم يتفق بعد على نموذج لعراق جديد في ضوء معطيات الموقف في العراق، ولذلك لم يكن الاتفاق شاملاً حتى بين العراقيين على ضرورة انسحاب القوات الأمريكية، ولولا أن قرار الانسحاب تحدده واشنطن وحدها في ضوء قراءتها لأوضاع العراق والمنطقة، لكان للعرب قول آخر.

 

فانسحاب القوات الأمريكية في هذه المرحلة هو تنفيذ لخطة أمريكية خالصة لأن أوباما وعد الشعب الأمريكي بذلك رغم أنه لا يأسف على قرار الغزو ولا يعتذر عما حل بالعراقيين من ضياع ودمار وامتهان, ولذلك فإن الساحة العراقية الواسعة والغامضة قد استقبلت هذا الانسحاب بردود أفعال ومواقف متباينة, حيث رأت الحكومة أن الانسحاب انتصار لخطها ورأت المقاومة أنه انتصار لخطها، بينما رأى آخرون أنه انتصار لخطهم أيضًا، ورغم كل شيء فإن هذا الانسحاب قد ارتبط بعدد من الحوادث الإرهابية المؤسفة التي تحتاج هي الأخرى إلى تفسير.

 

يبقى أن العراق الجديد يجب أن يرسمه العرب مع العراقيين وأن تتعاون معهم واشنطن إذا أرادت حقًّا عراقًا مستقرًا لا يصدر المآسي إلى بقية دول المنطقة بعد أن فاض كيل العراق والعراقيين. ولعل الساحة العراقية معرضة لكل الاحتمالات فهي مرشحة بشكل أكبر للمزيد من التدهور الأمني، وقد تعود القوات الأمريكية إلى مواقعها في هذه الحالة وبذريعة مقبولة تطبيقًا لتحذير من طالب واشنطن بعدم الانسحاب حفظًا لأمن العراقيين. من ناحية أخرى، فإن الفرص سانحة أمام إيران للحلول محل الولايات المتحدة، كما أن واشنطن قد تدفع بالعالم العربي إلى الحلول محلها وفي إطار مشروعها لمواجهة إيران فيصبح العراق ساحة للمواجهة العربية الإيرانية, بعد أن كان العراق يعمل نيابة عن بعض العرب وواشنطن في حربه الطويلة ضد إيران في بداية الثمانينيات من القرن الماضي. وأرجو ألا يزج العرب في هذه المعمعة وأن يكون لهم دور رشيد مدروس يحفظ على العراق وحدته وعروبته واستقلاله بعد أن تخلى العرب عن أدوارهم في هذه المجالات الثلاثة.

 

ولكن أي دور عربي جاد يتطلب المصارحة بعدد من الحقائق نخشى أن يغفل عنها البعض، ونخص بالذكر منها حقيقتين هما:

الحقيقة الأولى: هي أن الأهداف الأمريكية في العراق لن تتغير بتغير الإدارات الأمريكية، لأن مهمة أوباما ليست قطع كل صلة أمريكية مع العراق، وإنما تحقيق المصالح الأمريكية التي دفعت إلى غزو العراق بأقل قدر من التكاليف السياسية والأخلاقية والإنسانية والاقتصادية. فلا يزال هدف واشنطن هو خلق عراق جديد بعيدًا عن العراق القديم وألا يكون لديه حساسية من التعامل مع إسرائيل، وأن يكون للأكراد فيه دور بارز كحلفاء لواشنطن، وألا يكون إضافة إلى أي جهد عربي موحد في الصراع مع إسرائيل، وأن تظل ثروات العراق نهبًا لواشنطن.

 

الحقيقة الثانية: هي أن واشنطن حاولت أن تزرع نظامًا جديدًا متوافقًا مع مصالحها فأنشأت حكومةً وجيشًا وشرطة وميليشيات كلها تتصدى للبعثيين والمقاومة ولكن كل هذه القوى عاشت في ظل الحماية الأمريكية في مقر قيادة القوات الأمريكية في المنطقة الخضراء، ولذلك فإن انسحاب القوات الأمريكية يترك الساحة لصراع مفتوح بين حلفاء واشنطن الذين ينظر إليهم على أنهم تعاونوا مع الاحتلال ويجب أن يرحلوا معه، وبين المقاومة للاحتلال وترى أن العراق الجديد يجب أن يتصدر الساحة، فالتفاضل يتم بين العملاء والشرفاء. هذا المشهد يتطلب دورًا عربيًّا لتحقيق التوافق على شكل للعراق الجديد.