كلما استطال المشهد في إيران، أمكن رصد طبيعة الأزمة وأطرافها وحدود الصراع ومساره، ولكن استطالته تؤذن بالمزيد من تعقيده أو انفجاره، كما يمكن رصد المواقف الدولية والإقليمية خاصة العربية، خلال استطالته.

 

ويقصد بالعالم العربي في هذا المقام الحكومات ومعها الصحف الحكومية أو التي لا تتمتع بأي هامش بعيدًا عن المواقف الرسمية المعلنة أو المبطنة، كما يقصد بالعالم العربي موقف الكتاب المستقلين والشارع العربي عمومًا.

 

ولا شك أن الموقف في العالم العربي من المشهد الإيراني يمكن تحديده في ضوء عشرة عوامل:

العامل الأول: هو دور إيران في دعم المقاومة العربية في لبنان وفلسطين.

 

والعامل الثاني: هو التوتر الأمريكي و"الإسرائيلي" مع إيران بسبب الملف النووي على الأقل.

 

والعامل الثالث: هو أن إيران دولة إسلامية في مواجهة الغرب الذي يعادي الإسلام والمسلمين وفق معظم الأوساط العربية؛ حيث لم تستوعب هذه الأوساط بعد رؤية أوباما التي تنتظر التأكيد والتصديق.

 

أما العامل الرابع: فهو سلوك إيران في الجزر العربية في الخليج والبحرين وشيعة المنطقة وفي العراق، ودورها المساند لواشنطن في العراق وأفغانستان.

 

أما العامل الخامس: فهو التوتر بين إيران وبعض النظم العربية بصرف النظر عن مَنْ المخطئ والمصيب في هذه المعادلة.

 

أما العامل السادس: فهو أن الانتخابات الإيرانية في نظر البعض مسألة داخلية، وفي نظر آخرين لم تعد كذلك.

 

العامل السابع: هو موقف البعض في العالم العربي من ثنائية السلطة والمعارضة، فمنهم من ينحاز للسلطة مهما كانت سوءاتها، ومنهم من ينحاز للمعارضة مهما كان جموحها.

 

العامل الثامن: هو الموقف الطائفي من الشيعة والسنة في العالم بأسرة والعالم العربي بوجه خاص، وبشكل أخص في دول كالعراق التي أشعلت فيه واشنطن الفتنة الطائفية القائمة على أسس مصلحية، فصار القتل على الهوية عملاً وطنيًّا وجهادًا دينيًّا، ما دام التفكير هو مسوغ القتل ورخصة في يد المجرم.

 

العامل التاسع: هو الشعور الجارف عند الشعوب العربية بالرغبة في الديمقراطية، والتمني بأن يكون لدى هذه الشعوب التجاسر على حكامها إذا اعتقدت أنهم زوَّروا الانتخابات، لولا أن حكامها يوفرون عليهم مشقة الذهاب إلى صناديق الاقتراع من الأصل.

 

العامل العاشر: خشية الحكومات العربية من امتداد العدوى الجماهيرية وصلابة المحتجين إلى بلادهم فيتحدون كل شيء ويسقطون كل شيء، ولا شك أن موقف الشعوب والحكام في العالم العربي يتحدد بطبيعة المشهد؛ فإذا كان صراعًا أمريكيًّا إيرانيًّا، فالشعوب مع إيران والحكام ضد إيران، أما إن كان الصراع واقعًا بين الشئون الداخلية، والاهتمام الدولي، فإن الشعوب والحكام يؤثرون عدم الخوض في القضية.

 

على المستوى الشعبي بدا الاتجاه العام متضامنًا مع المرشد الأعلى في إيران للمحافظة على الاستقرار، وأظن أن هذا الاستقرار هو هدف الحكومات العربية أيضًا؛ لأن صراع السلطة في إيران سوف يضر بمنطقة الخليج بأسرها. كما بدا الاتجاه الشعبي العام متضامنًا مع إيران ضد أمريكا و"إسرائيل"، خاصة أن الشعوب العربية تنظر إلى تحدي إيران لهما بديلاً عن عجز الحكومات العربية عن القيام بذلك؛ حتى لو كان هذا التحدي لمصلحة إيرانية خالصة.

 

وقد استشعرت الشعوب العربية أن نتائج الانتخابات هي المناسبة التي ظهرت فيها صفحة الصراع العالمي، ولذلك فهمت مغزى مساندة شافيز في فنزويلا وكذلك ميدفيديف في روسيا لأحمدي نجاد بوصفه المرشح الفائز في الانتخابات، أي أنها دعمت سلامة الانتخابات بما يعني أن القضية سياسية دولية وليست فنية داخلية. أما الحكومات العربية فإنها في معظمها آثرت الحياد في قضية حساسة لها أبعاد دولية وداخلية، وأي تعليق عليها سوف يدخل الدولة المعنية في أتون هذا الصراع.

 

ولا شك أن الحكومات العربية لا تمانع في أن تنقد صحفها قسوة مواجهة المحتجين، ولكن بعض هذه الصحف تجاسر على الإشادة بالمحتجين بأنهم كسروا حاجز الخوف، وهذا النقد قد يرتد إلى داخل هذه الدول، وإن كانت المنطقة العربية لديها حصانة ضد العدوى من هذا النوع؛ لأن الشعوب تقهر وتحبس غضبها إيثارًا من السلطة لفضيلة الاستقرار ودرء الفتنة التي تنشرها هذه الأفكار "الهدامة". أما الدول العربية التي جاهرت بموقفها فهي سوريا وقطر.

 

فقد صرَّح وزير خارجية سوريا بأن رهان الغرب على سقوط النظام رهان خاسر، أما أمير قطر فأعلن احترامه لإيران ونظامها وأثنى على ديمقراطيتها التي كفلت تعاقب أربعة رؤساء منذ 1979م على خلاف ما هو قائم في الوطن العربي، ولكنه لم يعلق على الأبعاد الداخلية والدولية للأزمة.

 

ولا أظن أن العالم العربي في إجماله مهتم بشخص الرئيس الإيراني؛ ولكنه فيما يبدو مهتم بألا يؤدي الجدل حول النتائج إلى فوضى تسهم في إغراء الصهاينة أو أمريكا على ضرب إيران، أو السعي إلى تفتيت إيران كما حدث في العراق؛ لأن العالم العربي يضار من إيران المتوحشة أو إيران الطامعة أو الجريحة، ولكن يريد إيران الجار المتضامن مع قضايا المنطقة المعافى من الفتنة الداخلية، وهذا فيما يبدو لي هو الموقف المشترك بين الحاكم والمحكوم في العالم العربي.