لماذا كل ذلك الاهتمام بالشأن الإيراني؟

ببساطة لأنها جار جغرافي مهم جدًّا، له دور تاريخي في المنطقة العربية، وله نفوذ حاليًّا في الجوار الإسلامي، وله معارك مُسجَّلة في التاريخ وفي القرآن مع الروم، وحفروا في التاريخ المصري سنوات، وإن كانت قليلة قياسًا مع اليونانيين أو الرومان.

 

وأيضًا لأنها تجربة في الحكم الإسلامي؛ وإن كانت مذهبيةً ذات ظروفٍ خاصة يصعب استصحابها وإنزالها على بقية العالم السني؛ إلا أنه يجب دراستها والتعمق في أحداثها المتلاحقة والنظر في كيفية إدارة الشأن الداخلي والشأن العام والشأن الدولي من جانب النخب الحاكمة في إيران، والتي تستمد شرعيتها من الحكم باسم الإسلام، وتستمد أفكارها من الإسلام، وفي ذلك هي تبحث عن المصالح العليا القومية لإيران، وهو ما يقرره الإسلام ويؤكده في إطارٍ أوسع من المصالح المشتركة الإسلامية لكل الأمة الإسلامية، وأيضًا المصالح العليا للإنسانية كلها، فالإسلام يحضُّ على التعاون مع كل بني البشر من أجل إقرار العدل والسلام في الأرض، ومن أجل رفع الظلم والعدوان عن الناس، ومن أجل تحقيق الخير والتنمية والحفاظ على الثروات الطبيعية واستثمارها لصالح الناس بالعدل والقسطاس.

 

الدراسات التي توضح للإسلاميين ماذا يجري في إيران قليلة وشحيحة، كان من أولها وأبرزها كتاب الأستاذ الكبير فهمي هويدي (إيران من الداخل)، والذي مضى عليه ربع قرن تقريبًا، ولم يتم تحديثه رغم إلحاحِ الكثيرين على المفكر الكبير- وأنا منهم- بإصدار كتابٍ آخر دعت إليه الحاجة أو العودة إلى الأسئلة الكبيرة التي طرحها في كتابه المهم، وكيف تعاملت نخبة الحكم الإيرانية معها في طبعة ثانية.

 

صدرت عدة بحوث للكاتب المتميز الأستاذ أحمد الكاتب، وهو شيعي عمل في الحكومة الإيرانية بعد الثورة ثم اختلف معها، ويتابع أخبارها، إلا أن كتاباته اهتمَّت بالبُعد الفلسفي المذهبي حول التشيع ونظرية "ولاية الفقيه"، ونحن في حاجةٍ ماسةٍ إلى خبراء يتابعون كيفية تناول الملفات الحرجة في الحكم والإدارة والسياسات المتبعة في كافة المجالات وقياس مدى اقترابها من نظرية الحكم الإسلامي، ومدى تحقيقها للمقاصد الإسلامية العليا، ومدى إمكانية اقتباس بعضها للتطبيق في بلادٍ أخرى، ومدى خصوصيتها أو عموميتها.

 

الدراسات الغربية وفيرة، ولكنها متحيزة تمامًا ضد التجربة؛ مما يجعل الاستفادة منها ضئيلة.
وهذه دعوة للإسلاميين من كافة الاتجاهات أن يتخلوا عن الكسل أو الانحياز، ويبادروا بدراسات متعمقة في التجربة الإيرانية التي يبدو أنها استقرت، واستعصت على الانهيار وتتطور وتتحول مع مرور الوقت، قد يجلب الانتباه تجربة الحكم والسياسة والصراعات السياسية بين الفرقاء، محافظين وإصلاحيين، رجال الدين والعلمانيين، الفقراء ورجال البازار، ولكن التجربة أوسع من هذا بكثير.

 

ماذا فعل الإيرانيون في الاقتصاد؟

هل حققوا اكتفاءً ذاتيًّا في القمح والغذاء كما يتمنى جميع الإسلاميين لبلادهم؟ أم أنهم فشلوا في ذلك، واستخدموا سياسات بديلة؟

 

هل تكاملوا في إطار أوسع مع الدول الإسلامية في سياسة شاملة لتحقيق أمل إسلامي كبير، وهو تحقيق التكامل في التعاون بين الدول الإسلامية في الجانب الإستراتيجي، أم أنهم عجزوا عن تحقيق هذا الأمل؟ وما الأسباب التي أدَّت إلى ذلك الفشل؟

 

وإذا لم يحققوا تلك الأمنيات فماذا كانت الأسباب؟

وإذا كان الفقر منتشرًا في إيران، وكانت الملايين من أصوات الفقراء هي التي رجحت كفة "نجاد" فلماذا بعد 30 سنةً يبقى الفقر رغم أن إيران بلد زراعي- صناعي- تجاري- ريعي (من البترول)؟ وهل الحصار الغربي هو السبب؟ أم الحروب المتتالية هي السبب؟ وكيف يتجنب الإسلاميون الأسباب المعوّقة للاقتصاد ونحوه كما كانت الحالة في إيران؟

 

ماذا فعل الإيرانيون في البعد الاجتماعي؟

وها نحن نرى على الشاشات أن المحتجين أغلبهم من الشباب والنساء، أجيال جديدة ولدت ونشأت وترعرت في ظل الثورة، فماذا تبقى من ولائها لفكرة الثورة الإسلامية؟

 

وهل ما زالت قوة الدفع التي شكَّلت النواة الصلبة لإقامة دولة إسلامية، وضحت بملايين الشباب في حرب طويلة مع العراق قادرة على الدفع بالمشروع الإسلامي إلى الأمام وبناء إيران قوية قادرة على التأثير في المحيط العالمي.

 

من خلال المتابعات نجد أن التركيز على الأبعاد الاجتماعية في إيران ضعيف ولا يعطي إجابات كافية عن الوضع المجتمعي بكافة أبعاده: القيم السائدة، الأفكار المنتشرة، التغريب والتحديث، الأصالة والمعاصرة، العبادات والأخلاق، الفساد وحجم انتشاره.. إلخ.

 

ماذا فعل الإيرانيون في الإعلام والفن والثقافة؟

هذه الملفات- كما أذكر- جعلها الأستاذ هويدي ملفات شائكة في وجه الثورة.

 

الظاهر للعيان أن التجربة تجاوزت الأشواك في الفتن؛ لأننا نرى السينما الإيرانية تنافس في المهرجانات العالمية.

 

بينما نرى اليوم تحديًا كبيرًا في الإعلام؛ حيث حاولت أجهزة الدولة منع المراسلين الأجانب من تغطية الأحداث، فإذا بالاختراقات تأتي من عالم الإنترنت والتليفون المحمول، وفي هذا درس بليغ لكل من يتصور إمكانية حجب المعلومات والاستتار عن الناس.

 

الملفات كثيرة ومتعددة ومتشابكة، تؤثر وتتأثر بعضها ببعض، اليوم وقد لا نعود مرةً أخرى قريبًا للملف الإيراني يبرز السؤال الأهم: ماذا يريد العرب من إيران؟ أو أيّ إيران يريد العرب؟.

 

هل يريدون إيران الشاه من جديد؟ إيران متحالفة مع الغرب ضد المصالح العربية؟ إيران تؤيد العدو الصهيوني وتمده بالبترول والغاز وتفتح له السفارات وتؤيده في المحافل الدولية؟ أم يريدون إيران تؤيد الحق العربي والفلسطيني، وتمد يدها للدول العربية، وتريد علاقات طبيعية معها؟ وفي المقابل هناك سؤال للإيرانيين: ماذا يريد الإيرانيون من العرب؟ هل يريدون مجالاً للنفوذ والتمدد والهيمنة وتصدير الأفكار والثورة، كما قال الخميني وآيات الله، في بداية الثورة؟ أم يريدون أكفاء وشركاء على قدم المساواة؟ وما دور الملف النووي هنا؟
الموقف الغربي والأمريكي واضح تمامًا، بينما الموقف العربي والإسلامي ملتبس بامتياز.