جرت الانتخابات الإيرانية وفق الأوضاع الدستورية والقانونية في إيران، ولكن ظهور النتائج التي فاز فيها أحمدي نجاد بهذه الأغلبية الكاسحة؛ استتبع الاحتجاج والتشكيك في صحة الانتخابات من جانب موسوي أقوى المنافسين لنجاد.

 

ارتفعت وتيرة الاحتجاجات، واشتدَّ تمسك موسوي بموقفه، وإن كان قد نصح أنصاره بعدم التجمهر والتظاهر؛ مما بدا معه أن الشارع الإيراني أصبح منقسمًا انقسامًا موازيًا للانقسام بين الساسة.

 

في قراءة المشهد الإيراني يجب أن نشير إلى أربعة أحداث:

الأول: هو أن المرشد الأعلى للثورة الإسلامية بادر إلى مباركة النتائج بأفضل العبارات، واعتبرها نصرًا من السماء، بينما اعتبر أحمدي نجاد هذا الفوز صفعةً على وجه الغرب.
الثاني: هو أن المرشد الأعلى شدَّد على حق الاحتجاج على النتائج ولكن بالطرق القانونية, ويبدو أنه ليس من بينها المظاهرات؛ خشية الاحتكاك بين مؤيدي الفائز والخاسر.

 

نضيف إلى ذلك أن المرشد الأعلى اضطُرَّ فيما يبدو إلى توجيه مجلس الرقابة الدستورية، أي مجلس تشخيص مصلحة النظام، إلى تقديم حلول وسط، من أهمها قبوله إعادة فرز الأصوات في الدوائر المطعون فيها.

 

الحدث الثالث: هو استمرار التظاهر رغم قرارات وزارة الداخلية بمنعها، ورغم حظر الإعلام الدولي من نقلها إلى العالم الخارجي.

 

أما الحدث الرابع والأخطر: فهو الاهتمام المبالغ فيه من جانب الغرب بزعامة الولايات المتحدة، واستدعاء السفراء الإيرانيين لدى فرنسا وبريطانيا وألمانيا لتفسير موقف السلطات الإيرانية من قمع المتظاهرين، واحتجاج الغرب على النتائج، واتهام ساركوزي إياها بأنها نتائج مزوَّرة، وتردُّد دعوات لإعادة هذه الانتخابات تحت رقابة دولية؛ للتأكد من صحة تصويت المواطن الإيراني.

 

بل إن أوباما شدَّد عدة مرات على نقد النتائج، خاصةً بعد تزايد اتهام أوساط معينة له بالتراخي في هذا النقد، وإزاء حرصه على عدم تفسير نقده على أنه تدخُّل في الشئون الإيرانية وحذره في الاقتراب من إيران تمهيدًا لمرحلة المفاوضات معها.

 

في ضوء هذه الوقائع الأربع يمكن أن نقدم أربع قراءات أو تفسيرات لهذه الاحتجاجات:

النظرية الأولى: تفسر هذه الاحتجاجات على أنها جزءٌ من الصراع بين إيران والغرب، وأن الغرب لا تهمُّه ديمقراطية إيران، وإنما يهمُّه في المقام الأول استغلال الفرصة لتوسيع الشقِّ داخل النظام حتى يُضعفه أو يُسقطه ويأتي بمن يستطيع التفاهم معه.

 

ويرى الغرب أن هذه النتائج تقوِّي تشدُّد النظام الإيراني في المفاوضات أو العقوبات، وهي تفويض شعبي بسلامة خط النظام ضد الغرب، ولكن الغرب يرى أيضًا أن هذا التشدُّد يغلق الباب أمام الحلول السلمية؛ مما يقوِّي احتمال مهاجمة "إسرائيل" لإيران عسكريًّا, وهو احتمال لم يُستبعد يومًا من الحساب؛ أي أن إضعاف النظام من الداخل يجعله أقرب إلى الاستجابة للحلول السلمية لملف إيران النووي, خاصةً بعد أن لاحظ الغرب أن "إسرائيل" هي الطرف الوحيد الذي أسعدته هذه النتائج مما يعلي حجة "إسرائيل" وتصويرها للخطر الإيراني بقيادة أحمدي نجاد.

 

على الجانب الآخر: هناك نظرية تستند إلى النظرية الأولى، وترى أن الاحتجاجات سببها الغرب، وأنها محاولة منه لهدم النظام؛ مما يجعل النظام يشعر بأنه هو المستهدف، ويُملي على النظام الدفاع عن نفسه؛ لأن إضعافه أو انهياره ضياعٌ للمصالح الإيرانية، فكلما زاد دعم الغرب للاحتجاج تشدَّد النظامُ مع المحتجِّين على أساس أنه يقمع شركاء محليِّين في مؤامرة خارجية.

 

النظرية الثالثة: تضع هذه الاحتجاجات في إطار الصراع بين الإصلاحيين والمحافظين، ولكن المصطلح أطلقه الغرب وتستخدمه الأوساط الإيرانية منذ عهد خاتمي؛ لدرجة أن شقيق خاتمي نفسه مؤيدٌ لموسوي، واعتُقل في هذه الأحداث، إذا كان هذا هو الحادث في إيران فإنه يعني أن الغرب يؤيد الإصلاحيين، ويجب أن يلتقي مع مؤيدي الإصلاحيين داخل إيران الذين لا يرتاحون للهجة التحدي التي يطلقها أحمدي نجاد، وأنهم ليسوا منبهرين بوعوده الاقتصادية وفي مجال مكافحة الفساد.

 

هذه النظرية تسمح بانضمام ملايين من الإيرانيين باطمئنان؛ للمطالبة بالإصلاح والاعتدال في الداخل والخارج، وهو أمرٌ أيضًا لا يزعج القيادة الإيرانية.

 

النظرية الرابعة: تقرأ المشهد على أن الصراع بين المنتفعين من الثورة والمضارِّين؛ بدأ يعبِّر عن نفسه بعد ثلاثين عامًا، وأن الانتخابات كانت مجرد مناسبة فجَّرت هذا الصراع، وأن القضية لا علاقة لها بالغرب أو الإصلاح أو الليبرالية أو الديمقراطية.

 

إذا صحَّ هذا التفسير فإن البلاد التي عرفت أول ثورة شعبية في القرن العشرين بعد الثورة الشيوعية في روسيا القيصرية- وعلى أساس أيديولوجي أيضًا سياسي أو ديني- يمكن أن تنزلق بسهولة نحو حرب أهلية، وبذلك تصبح الانتخابات وحتى الديمقراطية نفسها تعبيرًا عن ضعف النظام وثغرة لصالح المخالفين له، وقد لوحظ أن موسوي ظل يؤكد صلابة نظام الثورة الإسلامية حتى لا يُتهم بأنه يخرج عن دائرة هذا النظام الذي اختاره الشعب الإيراني وعبَر به كل التحديات السابقة.

 

والحق أن الذي يحدث في إيران هو خليطٌ من هذا كله، ولعلنا نلاحظ أن كراهية الجميع داخل إيران للشاه وبطشه بالجميع هو الذي أطلق شرارة الثورة عام 1979م، ولكن الشركاء في كراهية الشاه والتعاون لخلعه تنوَّعت اتجاهاتهم بعد خلع الشاه، وكانت البلاد عرضةً لانقسام خطير سياسي وإقليمي، لولا أن منَّ الله على إيران بجيوش صدام حسين التي فاجأت حركة التصفيات الكبرى التي أجرتها الثورة ضد خصومها حتى أولئك الذين أسهموا في إنجاحها.

 

فهل هذه أزمة في نظام الحكم، أم هي ضغوط الخارج عليه، أم هو تدخل الخارج لشق الداخل كله بعد أن فشل في المواجهة السياسية، أم أنها أزمة مجتمع ارتضى ذات يوم نظامًا ويأمل في إصلاح أخطاء هذا النظام، فاستغلَّ الغرب هذا الهدف النبيل فحاول توظيف هذا الهدف ضمن أجندته في مواجهة إيران؟!!