البدوي عبد العظيم البدوي

لا يختلف اثنان على أن المرحلة الناصرية لها خصوصيتها، فلها إيجابياتها مثل المشاريع العملاقة التي ما زالت مصر تعيش فيها حتى اليوم كالسد العالي، ومصانع الحديد والصلب، وعلى الجانب الآخر لها سلبياتها التي أثَّرت في المجتمع المصري، ولا يزال يعيش في آثارها حتى اليوم؛ وأهمها الإصرار على استمرار إلغاء الأحزاب السياسية، وإقصاء الديمقراطية وتكريس حكم الفرد؛ حتى ولو كان حسنَ النية ويبتغي تحقيق الصالح العام، وليس ما يجري على الساحة السياسية المصرية اليوم من انهيار للحياة الحزبية والسياسية؛ إلا وليد تلك المرحلة التاريخية.

 

فعلى مستوى الأحزاب السياسية ظلت تلك الأحزاب السياسية وحتى اليوم رهينة تلك الفترة التاريخية؛ حتى إن إداراتها من رؤساء وأعضاء هيئات عليا و... و.... رهينة لهيمنة الدولة والحزب الحاكم (متمثلاً في لجنة شئون الأحزاب)، فهو الذي يوافق عليها، ويسمح بقيامها، ويعزل رؤساءها؛ بل يزج بهم في غياهب السجون، ويعيد تشكيل هيئتها العليا، ضاربًا عرض الحائط برأي القواعد الحزبية لتلك الأحزاب، بل حتى ضاربًا عرض الحائط بأحكام القضاء، وآية ذلك حزب العمل الذي حصل على العديد من الأحكام القضائية التي أيَّدت رجوعه للحياة مرة أخرى؛ إلا أن الحزب الحاكم ما زال لا يرى نفسه ملزمًا بتنفيذ تلك الأحكام، رغم حجيتها التي لا تقبل النقاش باعتبارها عين الحقيقة، عملاً بالمثل المصري الشهير (اضرب المربوط يخاف السايب).

 

ونتج عن ذلك إضافة مصطلحات جديدة على القاموس السياسي- تفردت بها مصر- مثل الأحزاب الكرتونية، وأحزاب الهامش السياسي، ووصولاً إلى المصطلح الحزبي المهم (أحزاب على ما تفرج).

 

وقد تأثرت الأحزاب الموجودة على الساحة السياسية المصرية بتلك السياسة- بمضي المدة- وبدأت تتعامل مع الحزب الحاكم، باعتباره الدولة والنظام، وليس باعتباره حزبًا مماثلاً لها يخضع لمبادئ وأسس الديمقراطية، وأخصها إمكان تداول السلطة، وبالتالي الندية، فأصبح رؤساء تلك الأحزاب يتلقون الأوامر والتعليمات من الجهات الأمنية، وليس حتى من ساسة أمثالهم، ولو على سبيل حفظ ماء الوجه.

 

 وبالتالي أصبحت تلك الأحزاب في واقع الحال وحقيقة الأمر ليست أحزابًا؛ ولكنها أحد أسلحة النظام وحزبه الحاكم يسلطه على خصومه السياسيين للتشهير بهم في صحفهم الحزبية التي لن تستطيع الخروج للنور، لو لم تحصل على التمويل، أو الإعانة التي يدفعها الحزب الحاكم لتلك الأحزاب، وطبعًا كل حزب وشطارته!! وكلما كان عمله جيدًا كان المقابل جيدًا، وهكذا في علاقة طردية.

 

ومثل هذه الأحزاب في ذات الوقت وسيلة من وسائل الديكور، وإحدى أدوات الماكياج التي يتجمل بها الحزب الحاكم؛ ليدلل بها على أنه يؤمن بتداول السلطة، وأن هناك أحزابًا سياسيةً موجودةً في البلاد يمكنها أن تصل للسلطة- في يوم من الأيام التي تلي جمع محصول المشمش- وأنه ليس نظامًا إقصائيًّا للمعارضين له.

 

ومن بقايا الحقبة الناصرية أيضًا النص على ضرورة أن يكون مجلس الشعب المصري به 50% على الأقل من العمال والفلاحين بهدف المحافظة على المكاسب الاشتراكية، ومحافظةً على تحالف قوى الشعب العامل، ذلك النص الذي ظلَّ عليه العمل طوال تلك الفترة الطويلة، والذي كان الهدف منه حقيقيًّا في بداية الأمر، وحتى خرج من بين أبناء العمال والفلاحين أساتذة جامعات ووزراء وقيادات عليا في كافة المجالات، ممن يستطيعون فعلاً الحفاظ على حقوق العمال والفلاحين.

 

تكريس حكم الفرد ومخالفة الدستور

إلا أن الهدف من بقاء ذلك النص تحوَّل ليكون استمرار تكريس سياسة حكم الفرد؛ سواء كان شخصًا أو حزبًا، وإنهاءً لأي معارضة داخل البرلمان بالتصويت عليها، وبالتالي القضاء على أية معارضة بالضربة القاضية، وبما يسمى ديمقراطيًّا (التصويت)، ذلك النص الذي لم يعد له معنى بعد التعديلات.

 

إلا أن النظام السياسي؛ وبعد أن تبيَّن له وجود معارضة مؤثرة تخرج له من تحت الرماد، ورغم المحاولات المستميتة للنظام لوقف تأثير هذه المعارضة؛ أراد أن يؤمن لنفسه عددًا أكبر من المقاعد تحت القبة، يستطيع السيطرة عليها للتصويت لصالحه فكانت (كوتة المرأة).

 

ولست كاتبًا عن مدى مخالفة هذه "الكوتة" لجنس ما دون الآخر لمواد الدستور المصري؛ حيث تعد تلك النصوص تمييزًا على أساس الجنس، وهو الأمر الذي يحرمه الدستور المصري، ولكن ما يلفت الأنظار هو أن ما حدث فعلاً في الحياة السياسية المصرية التي تبدَّل حالها منذ قيام الثورة، وتراجعت كل معاني الحرية والنضج السياسي التي كانت قبل الثورة؛ حتى أصبحنا نأخذ الديمقراطية بالتدرج؛ حرصًا على معدتنا التي لا تستوعب، ولا تتحمل الديمقراطية دفعة واحدة، هذا ما قيل لنا.

 

ولكن حقيقة الأمر أن الذي حدث في الساحة السياسية أن تغييرًا جوهريًّا قد حدث؛ حيث احتلَّ تحالف جديد مكان تحالف قوى الشعب العامل، والذي كان يكرس حكم الفرد الذي كان يظن أنه فقط من يرى مصلحة مصر العليا، ويحافظ عليها من المتآمرين.

 

والتحالف الجديد يرى ويبحث عن المصالح العليا، ولكن لمصالحه الشخصية المحدودة الضيقة، والتي تتميز بمرونتها لتتسع وتضيق، فتتسع على مستوى قيادات التحالف الجديد؛ لتتخذ شكل الحصول على المليارات وغيرها من الأرقام التي لا نعرف كيف تكتب حسابيًّا، ومرورًا بصفقات بيع القطاع العام وبيع أراضي الدولة، والتي لم يستطع أحد أن يخبرنا- فضلاً عن الجهاز المركزي للمحاسبات- أين ذهبت حصيلة كل عمليات البيع تلك، والتي عجزت الحكومة أن توضحها أو تبرز لنا أصلاً الفائدة من عمليات البيع تلك، والتي عادت على الاقتصاد القومي للبلاد!.

 

وتضيق تلك المصالح لهذا الحلف الجديد؛ حتى تصل إلى أسفل السلم وأقلها طموحًا وهو سرقة لحم العيد المعد للتوزيع على الفقراء، أو تسريب شنط رمضان التي يعدها الحزب الكبير- بتاع الشفافية- في محاولة يائسة للحصول على تعاطف الفقراء، وبالتالي أصواتهم.

 

كيفية الخروج من هذا المأزق

وليس من مخرج من كل هذا التردي إلا بأحد أمرين:

الأول: أن تتكاتف كل القوى الوطنية والحزبية؛ لكي تستعيد مصر من التحالف الجديد الذي سرق ونهب وسمم وسجن وقتل و.. و.. ولكي تثبت لنفسها أنها سيدة قرارها، وتستطيع إحداث التغيير المنشود تحقيقًا لمصلحة مصر العليا ومصلحة شعبنا الطيب الصبور اليائس البائس، والذي يستحق من الجميع أن يتكاتف ليقف ويتبنى قضاياه البسيطة، ويحاول حلها، والتي لن تحل إلا بعد أن تقدم كل القوى الحزبية والوطنية مصلحة البلاد على أية مصلحة أخرى، وتستعيد مصر- بكافة الطرق الديمقراطية المتاحة- من بين يدي تحالف قوى الشر العامل، ولن يكون ذلك إلا بتشكيل جبهة قوية متينة مترفعة عن كل المطامع الشخصية، لا تستطيع النفعية أو الانتهازية أن تكسره. 

 

وفي حال فشلنا في تحقيق الحل الأول؛ فأقترح أن يتم إجراء تعديل دستوري جديد، نقنن فيه وضع التحالف الجديد الذي يحكم البلاد (تحالف قوى الشر العامل) بدلاً من تحالف قوى الشعب العامل، والذي تم حذفه من الدستور بموجب التعديلات الدستورية الأخيرة، وبذلك يصبح حكم التحالف الجديد تحالفًا شرعيًّا يحكم البلاد وفقًا للدستور والقانون، وعليه يكون من الأفضل أن ننهي لعبة الأحزاب تلك (وكل واحد يروح على بيته)؛ توفيرًا للأموال التي يتقاضاها أصحاب تلك الأحزاب، على أن يتم توجيهها لشراء أدوية لإنفلونزا الخنازير أو إنفلونزا الأشرار!.