د. مصطفى هيكل

 

مرَّت علينا في هذه الأيام ذكرى النكبة الأليمة- نكبة يونيو 1967- والتي مثلت أكبر انتكاسة تاريخية وأقسى هزيمة عسكرية وسياسية مرَّ بها الشعب المصري؛ حيث عاش هذا الشعب في صدمةٍ وذهول.. شعب صُوِّر له أنه يمتلك جيشًا من أقوى جيوش العالم، ويمتلك أفضلَ قيادة في العالم (قيادة أسطورية)؛ حيث يستطيع الرئيس أن يعبر البحرَ برجلٍ واحدة, ويستطيع الرئيس أن يفعل أشياء خارقةً للعادة.

 

هكذا صوَّر لنا هذا الرئيس الخارق للعادات، وتم تناول هذه القصة كأساطير حول الرئيس صانع المعجزات، ولم تكن هذه القصص نتناولها ونحن أطفال في قرانا المجاورة للمنصورة فقط، ولكننا فوجئنا أن هذه الأساطير يرددها جميع الأطفال في كل محافظاتِ مصر.. نفس الأساطير التي حكيت حول شخصية الرجل الثاني في مصر، قائد الجيش الأسطورة الذي تحوَّل بقدرة قادر من صاغٍ إلى مشير- وكأننا في فيلمٍ سينمائي- والذي توقفت خبرته العسكرية تمامًا منذ رتبته الأولى، ولكنه كان هو كل شيء في مصر يُشير بإصبعه إلى أي شيءٍ لكي يفعل ما يراه وما يريده، وكأنه إصبع الحاكم بأمره في هذا البلد، والتي كتب عليها أن يتحول حكامها إلى فراعنة يتحكمون في رقاب العباد والبلاد.. استيقظت مصر في ظهيرة 5 يونيو على مصيبة, مصيبة كبيرة, مصيبة مُرَّة تجرَّع كأسها كل الموهومين من أبناء مصر والمخدوعين في هذه القيادة، وهذه البطولة المزعومة.

 

تفرَّقت أشلاء القوات المسلحة في سيناء, سُحق الجيش, دُمِّرت كل المطارات في دقائق معدودة وشُلت قدرة الجيش تمامًا في ساعاتٍ محدودة , وأصبحت سماء مصر كلها ملك يمين لطائرات العدو الصهيوني, يضرب في المنصورة ويضرب في مدن القناة ويسحق القوات المنسحبة في سيناء ويتقدم العدو الصهيوني ليستولي على قطعة عزيزة من أرض مصر ويبتلعها بالكامل (أرض سيناء الحبيبة)، ويستولي على كلِّ الدبابات الجديدة والحديثة (أكثر من 800 دبابة).

 

في نفس التوقيت الذي تتم فيه هذه الأحداث على الأرض, يظل الإعلام الرسمي المخادع ينعق ويصبح بصوت المذيع اللامع الألمعي ويقول: قواتنا على مشارف تل أبيب.. أسقطنا للعدو 40 طائرةً، ثم يصدر البيان التالي أو الأكذوبة التالية: أسقطنا للعدو 70 طائرة, ثم تليها الأكذوبة الثالثة: أسقطنا للعدو 100 طائرة, ويبدو أنه كان يقصد- للأسف- طائراتنا إذا أحسنا النوايا وقلنا إنه ليس بكاذبٍ ولا مخادع، مثل مَن أصدروا له الأوامر بقول هذه السفاهات, وبين عشيةٍ وضحاها أصبح همنا أن نبتلع مرارة الهزيمة، ونتحوَّل من أكذوبةٍ كبيرة إلى أكذوبةٍ أخرى أقل منها حجمًا؛ حيث تتضاءل الأكاذيب تدريجيًّا كما يتضاءل صانعوها, وكيف نحول المعاني من معناها الحقيقي إلى معنى آخر فنُسمِّي الهزيمةَ نكسةً، ونقول إننا لم نُهزم؛ لأن الرئيسَ ما زال موجودًا، والثورة ما زالت قابعةً على كراسي الفراعنة، والمستخف بهم من أفراد الشعب ما زالوا يحشدون في الشوارع ويطالبون الزعيم بعدم التنحي؛ لأن هذا الزعيم الذي كان يصيح في عام 1954 ويقول "خلقتُ فيكم العزةَ والكرامة", لم يقف له أحدٌ ليقول: "لقد صنعت فينا الذل والانكسار" لأخسِّ خلق الله من أبناء القردةِ والخنازير من بني صهيون.

 

نحن لا نقول هذا الكلام لكي ننكأ الجراح.. ولكننا نُذكِّر ونُحذِّر بأننا نعيشُ في أجواء هذه الهزيمة, فالأمة مهزومة في جميع المجالات, مهزومة أمام أعدائها في مجالات الاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا والصحة والسياسة, ففي الوقت الذي ينعم فيه أعداؤنا بالديمقراطية تسير عجلة الديمقراطية عندنا بشكلٍ سريع، ولكن إلى الخلف، ويتسلط علينا الحزب الواحد وتسير الأمة وفقًا لرؤية الرجل الأوحد، وينحى القضاء عن الإشراف على الانتخابات التشريعية, بل تتغول السلطة التنفيذية على السلطة القضائية والتشريعية وتصبح سطوة الأمن وسلطته فوق كل السلطات، ويصبح هو الحاكم الفعلي للبلاد.

 

في ظلِّ هذه الأجواء نعيش تحدياتٍ محليةً وإقليميةً وعالميةً, فكيف نواجه هذه التحديات؟ إننا لن نستطيع أن نواجهها إلا إذا أزلنا كل هذه الغيوم، ونقيَّنا كل هذه الأجواء من عواملِ الهزيمة.