بعيدًا عن الشباب المجاهدين من مختلف الاتجاهات، الذين يكرِّسون حياتهم لتحقيق حلم يؤمنون به، ويتفانَون في سبيل تحقيقه، ضاربين في ميادين الكفاح والجهاد أروعَ الأمثلة في التفاني والتضحية والوفاء لفكرتهم، وإن كانت خاطئةً في نظر خصومهم؛ تجدُر الإشارة إلى أنه في الاتجاه المعاكس هناك فئاتٌ من الشباب الصوماليين، الذين اتخدوا نهجًا إصلاحيًّا مغايرًا دون اللجوء إلى أساليب العنف والقوة، ويمارسون جهادًا من نوع آخر، تحت مظلات شبابية واتحادات رائدة في الإصلاح الاجتماعي، بمختلف المجالات التربوية والدعوية والثقافية والتعليمية والرياضية، من خلال أنشطة مخصَّصة، تستهدف التحصين الفكري لدى الشباب، وسط الموجات العاتية في هذا البلد المفتوح على مصراعيه لكافة الحملات الدعائية والأفكار الهابطة على حدٍّ سواء.

 

وتشير الدراسات الاجتماعية إلى أن أشدَّ تلك الحملات خطورةً على الشباب؛ تلك التي تدعو إلى النهج التكفيري، الذي يفرِّق بين الأحباب، ويشجِّع التقوقع النفسي وعدم الانفتاح على الآخر، وفي إطار الحملات الوقائية تُطرَح تساؤلات غاية في الأهمية؛ حول الآثار السلبية الناجمة عن قيادة الشباب للعمل الجهادي في الصومال على بقية العناصر الشبابية ممن ينتمون إلى التوجهات الفكرية الأخرى، الذين قد يشتركون مع إخوانهم الجهاديين في بعض السمات والمظاهر الدينية؛ مما يجعلهم عرضةً للمساءلة والاستجواب والاعتقال من قِبَل الأطراف التي تستهدف الشباب المجاهدين، لا سيما عند ما تشتدُّ حدَّة التوتر في الميادين القتالية، وقد طالت المعاناة أيضًا شباب المهجر؛ حيث أصبحوا تحت مراقبة الوكالات الاستخبارية، وسُجِّلت أكثر من حادثة مؤلمة، راح ضحيتها شباب أبرياء من الكوادر الشبابية في داخل البلاد وخارجها!!.

 

وكان من المتوقع أن تتوقف عملياتُ زجِّ الشباب الأبرياء في السجون بعد خروج القوات الإيثوبية من البلاد، إلا أن الأمر تطوَّر إلى أساليب أكثر غرابةً؛ حيث يتم توقيف الشباب المشتبَه بهم واعتقالهم، ومن ثمَّ الطواف بهم فوق عربات الجنود معصوبي الأعين، في محاولةٍ لتخويف البقية الباقية من الشباب الصامدين، رغم الضغوط النفسية التي تواجههم، وأخوف ما يخافه الشباب هو أن يتمَّ قتلُهم دون التأكد من هويتهم الحقيقية، ويُمنع أهاليهم من نقل جثثهم للتجهيز والدفن، فيكون القتيل مطروحًا في الشارع لمدة تصل إلى نصف يوم أو اليوم الكامل، حسب الأوامر الانتقامية المشئومة.

 

وكلنا نفهم كم هو مؤلمٌ أن يشتبه أبرياء بعمليات تفجيرية أوأنشطة إرهابية لا ناقة لهم فيها ولا جمل، بل يعارضونها ويدعون صباح مساء إلى إيقافها في منتدياتهم الفكرية ومحاضنهم التربوية وفي الحوارات الإذاعية والمحافل العامة، ولكن لا أحد يعير أيَّ اهتمام لمرافعاتهم وأنينهم، وفي أغلب الأحيان يتم تصفية المقبوض عليهم في حالة وجود قرائن، كأن يُعتقل الشاب بعد حادثة تفجير في الأماكن التي تشهد التفجيرات.

 

ومن خلال الاستطلاعات غير الرسمية يلاحظ أن نسبةً كبيرةً من الشباب يلجئون إلى أساليب ذكية لتفادي وقوعهم في الفخ، ومن تلك الأساليب التنكرية:

- تغيير الشكل والمظهر العام، كالملابس وأساليب قص الشعر، واللحية، والاتجاه نحو المظاهر التغريبية.

 

- أخذ علب السجائر في الجيوب لإيهام المفتشين بأنهم ليسوا من فصيل من يبحثون عنهم.

 

- أخذ مسبحة طويلة في اليد أو ربطبها في العنق.

 

ومن اللافت للنظر أنه عند رؤية شباب تظهر عليهم مظاهر الالتزام الديني داخل الباصات أو الحافلات العاملة في الطرق المؤدية إلى حواجز التفتيش؛ فإن الركاب ينظرون إليهم نظرة شفقة وخوف في آنٍ واحدٍ؛ حيث إنهم يخافون من أن تكون في حوزتهم متفجراتٌ قد تنفجر وسط الركاب كالقنابل اليدوية المعمولة محليًّا، وفي نفس الوقت يخشى الركاب أيضًا من أن يتعرَّض الشباب للاعتقال أثناء مرور الحواجز، أو أن تحدث مواجهاتٌ بينهم وبين القوات الحكومية الذين يقومون بتفتيش الشباب بشكل أكثر من الناس الآخرين، ولا سيما من يلاحظون فيهم ملامح الالتزام الديني، ويُذكر أنه كثيرًا ما ينفلت الشباب المسلَّحون من أيدي القوات الحكومية مستخدمين حيلاً متعددةً؛ كأن يسلِّموا أسلحتهم الخفيفة، مثل المسدسات والقنابل للنساء اللاتي قلَّما يخضعن للتفتيش في النقاط العسكرية.

 

ومهما كان الأمر فإن ما يدور في الصومال من أعمال عدوانية وتخريبية- بما فيها إزهاق الأنفس المعصومة- قد شوَّهت سمعة الإسلام العالمية، وجعلت المسلم مظنة الإجرام، وليس على الله بعزيز أن يعلوَ الصوت الذي ينادي بأن طريق التفجيرات والاغتيالات لا يكون أبدًا طريقًا للإصلاح، وأن الإسلام مجموعةٌ من القيم والمبادئ العظيمة التي يتم تعميمها وترسيخها في المجتمع عن طريق التربية والتعليم والدعوة والإعلام الهادف، وإذا ساعدت الجهات المعنية الشباب في استيعاب مفاهيم الوسطية والاعتدال؛ فلا يضطرون إلى الدخول في حروب ومتاهات تفقدهم الأمل بالحياة، ولا يساقون إلى ساحات الوغى من دون قناعات، وبالتالي تختفي الحروب كمصدر للقلق والاضطراب النفسي لدى جيل الشباب في الصومال.

-----------

* أستاذ جامعي، ومدير إذاعة "صوت السلام" في مقديشو.