ملأت وسائل الإعلام العربية- والمصرية خصوصًا- الدنيا ضجيجًا، وصدَّعت الأدمغة؛ بسبب زيارة السيد باراك أوباما للقاهرة، وعلَّقت عليها آمالاً عريضةً في جلب السلام للمنطقة، وتغيير الأوضاع السياسية، وتبديل الأحوال الاقتصادية والمعيشية نحو الأفضل، وكأن السيد باراك أوباما يملك عصا سحريةً، أو لديه ريموت كنترول يستطيع من خلاله أن يغيِّر وجه المنطقة، أو أن يمسخ به عقول الناس، فضلاً عن تباهي نظامنا الحاكم بأن اختيار السيد أوباما للقاهرة لتوجيه خطابه للعالم الإسلامي إنما يدلُّ على تقديره لنظام مصر، وأنه كان موفقًا للغاية في حسن الاختيار، وتناسى هؤلاء في زحمة الحدث "هلهلة" نظامهم، وفقدانهم للشرعية، ومطالبة رجال أوباما وغيره لهم المتكررة بضرورة الرحيل أو قبول الخيار الشعبي الديمقراطي.

 

ودعونا نحلل زيارة السيد باراك أوباما لمصر ونخرج منها بما يفيد:

- لقد صاحبت الزيارة زفة إعلامية ونفاق دعائيٌّ ضخمٌ غير مسبوق، وحاول أصحاب الأبواق الإعلامية المدفوعة والمأجورة أن يسوِّقوا للزيارة؛ بما يجعل الشعوب تتناسى مشكلاتها وآلامها، وتتحاور في الزيارة ومدى جدية أوباما، وأنه المهدي المنتظر لأمتنا، وهذا ذكاءٌ وخبثٌ إعلاميٌّ مصنوعٌ ومعدٌّ إعدادًا جيدًا ﴿إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا﴾ (الكهف: من الآية 5).

 

- قام النظام المصري ممثّلاً في جهازه الأمني باتخاذ تدابير أمنية شديدة وقاسية؛ حيث أصدر أوامره الصارمة للناس بالمكث في منازلهم، وعدم مغادرتها، وأمر الموظفين بعدم الذهاب لأعمالهم، وأغلق الشركات والمؤسسات والمحال، وملأ قلوب الناس فزعًا وهلعًا، وبدت القاهرة المزدحمة وكأنها مدينة أشباح، وهذا لا يكون إلا لنظام مستبدٍّ خائف، ويشكُّ في كل شيء؛ حتى في أقرب المحيطين به.

 

- لقد شاهد الجميع بلهفة وسعادة رشاقة السيد أوباما وحسن لياقته البدنية؛ حيث بدا شابًّا نشيطًا، وهو يصعد سلالم القصر الجمهوري لملاقاة الرئيس مبارك؛ حيث صعد السلالم بخفة ورشاقة يُحسد عليها، في نفس الوقت الذي بدا فيه الرئيس مبارك كهلاً هرمًا غير قادر على النزول لاستقبال أوباما، وبدت عليه الشيخوخة بوضوح، وشعر الجميع أنها رسالة أمريكية موجَّهة بين نظام انتخابي حر، يأتي بالشباب غالبًا وبين أنظمة حكم مستبدة مستجيرة؛ تمسك بتلابيب الرئيس حتى النفس الأخير!.

 

- كانت زيارة السيد أوباما ووزيرته هيلاري كلينتون لمسجد السلطان حسن كأحد دور العبادة المقدَّسة لدى المسلمين؛ حيث فوجئ الجميع بإصرار السيد أوباما والسيدة كلينتون على خلع أحذيتهما؛ احترامًا وتقديرًا لحرمة المسجد، وكذلك قيام السيدة هيلاري كلينتون بارتداء وشاح لتغطية الرأس، وذلك في الوقت الذي تنتهك فيه قوات الأمن لحرمة المساجد دون خجل أو خوف من غضبة الشعب، وكذلك تقوم كثير من نساء المسلمات بدخول المساجد بشعورهن بل وهن عاريات!.

 

- إن عدم مرافقة الرئيس مبارك للرئيس الأمريكي في جولته، وكذلك عدم حضوره خطابه، وذلك بعد أن شاهد الناس صورته الباهتة (بعد التعديل) قد جعل الناس تتحاور، وتتناقش حول صحة الرئيس، وفتح الباب على مصراعيه للجميع حول الحديث عن مستقبل مصر الغامض والمظلم (وربنا يسترها وكفاية كده!).

 

- لقد جذب السيد أوباما الحضور، وألهب مشاعرهم بكثرة استشهاده بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، واستدلاله بتاريخ المسلمين العظيم، ودورهم البالغ في الحضارة الإنسانية عبر العصور، في الوقت الذي يتبرَّأ فيه كثير من قادتنا ومثقَّفينا من الاستدلال بالآيات والأحاديث؛ خوفًا من هذا أو ذاك!!، وكذلك قيام كثير من كتَّابنا ودعاة الثقافة والتنوير بإنكار دور الحضارة الإسلامية وإسهاماتها عبر العصور في رقي العالم ونهضته، وعجبي على هؤلاء وأولئك!! ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ (الكهف: من الآية 5).

 

- إن تأكيد السيد أوباما أن معاناة الفلسطينيين غير مقبولة، وأنه لا بدَّ من تحسين أوضاعهم، وأن من حقّهم الحياة الكريمة، وكذلك اعترافه بدور حماس في الشارع الفلسطيني؛ لهو بدايةٌ جيدةٌ وجادَّةٌ، ولكن لا بد أن تتبعها خطوات؛ لتؤكد أو تنفي ذلك التصريح، فكما يقول الرسول الحبيب صلى الله عليه وسلم: "... ألا وإن لكل قول حقيقة...".

 

- لقد سعدنا جميعًا ونحن نسمع السيد أوباما يصرِّح بأن من حق المرأة المسلمة بأن ترتدي الزيَّ الذي يناسبها والذي تختاره، ويتماشى مع معتقداتها الدينية، (ويا ليت السيد فاروق حسني وأمثاله- وهم كثيرون يسمعون ذلك- بل ويخت شوا على دمهم شوية).

 

- إن إقرار الرئيس الأمريكي بأن من حق إيران امتلاك برنامج نووي سلمي؛ لهو إقرار بحق طبيعي لكل الحكومات، وهو رضوخ أمريكي فرضته الأجندة الإيرانية ومن قبلها الكورية، ولكن أين وضع حكوماتنا على تلك الخريطة؟!

 

وفي المقابل لا يمكن أن ننسى

- إن تأكيد الرئيس الأمريكي للجميع أن علاقات أمريكا و"إسرائيل" هي علاقات مصيرية، وأن روابط أمريكا و"إسرائيل" غير قابلة للكسر؛ لهي رسالة واضحة للأنظمة وغيرها عن طبيعة العلاقة ومتانتها، وعن عدم التفكير مطلقًا في الاقتراب من ذلك الخط الأحمر والمحظور.

 

- إن عدم اعتذار الرئيس الأمريكي الرسمي للشعوب الإسلامية عن سياسات أمريكا السابقة الباطشة والمتجبرة، والتي أضرَّت بالمنطقة وشعوبها؛ ليحتاج إلى وقفات قوية منا، يعلو فيها صوتنا، وتظهر ردود أفعالنا؛ حتى نجبر الأمريكان على الاعتراف بالخطأ، (وهو مكرمة في حد ذاته).

 

- إن مروره السريع على الديمقراطية، وتأكيده أن أمريكا لا يمكن أن تفرض أجندتها على أحد؛ لهو مباركة في حدِّ ذاتها للأنظمة الموجودة، واطمئنان منها على عدم الخلع، وكنَّا نتمنى منه تصريحه بوضوح برفض أمريكا لأي نظام حكم قمعي غير ديمقراطي، بل تأييد أمريكا لجميع حركات التحرر السلمية حتى تتزن الأمور ويعتدل الميزان.

 

- إن تخطيه الواضح لأحداث غزة، وعدم قدرته على الحديث عن المجازر الهولوكوستية الجديدة، وعن محارق اليهود ضد المواطنين والأطفال والنساء العزل في غزة؛ لهو تأكيد واضح عن مدى تأثير اللوبي اليهودي في القرار الأمريكي، أيًّا كان أصحابه.

 

- إن عدم تأكيد الرئيس الأمريكي أمام العالم عزم بلاده على إغلاق معتقلات جوانتانامو سريعًا وفورًا، وإطلاق سراح جميع معتقليه الأبرياء، بل تعويضهم عما فقدوه؛ لهو بيانٌ واضحٌ باختلال الموازين لدى أمريكا، وأنها تكيل بمكيالين.

 

وفي النهاية

نؤكد أن قيام السيد أوباما بهذه الخطوة غير المسبوقة؛ لهو حدثٌ إيجابيٌّ يُحسَب له ونقدِّره على ذلك، كذلك نثمِّن كل شيء إيجابي في خطابه وفي زيارته، وسنظل نحسن الظن بك يا باراك أوباما كما أمرنا ديننا، ولكن نقول له ولرجاله: إن الأقوال وحدها لا تكفي، فقد شبعنا كلامًا معسولاً، كما أن سلفكم الراحل قد أفسد العلاقة بيننا وبينكم؛ بسبب سوء تصريحاته وأفعاله، ونحن جميعًا ننتظر أفعالاً لا أقوالاً، وأعمالاً لا تصريحاتٍ، ويوم أن نجد صدق الفعل مع صدق القول؛ فسنقولها بصوت عالٍ: "بل صدق الرجل".