وأنا أبدأ مقالي هذا قفز إلى ذهني كلمة "موشى ديان" التي قالها أمام جمع كبير من الصحفيين سنة 1967م: "إن النفط نبع في أرض هؤلاء خطأً، ولا بد من تصحيح هذا الخطأ..."، من نصف قرن قالها، وأعتقد أنه لم يبالغ، فالاحتلال الصهيوني سرق التربة اللبنانية قبل رحيله، وعنده الآن من الأسلحة الحديثة وآليات التقنية ما يمكِّنه من تدمير السد العالي، وتوجيه صواريخ تحمل رءوسًا نوويةً إلى كل عاصمة عربية، والكيان الصهيوني الآن يصدِّر التكنولوجيا الحديثة إلى بعض دول أوروبا والشرق، مثل الطائرات بدون طيار وغير ذلك، أي أنه يتقدم علميًّا وتقنيًّا إلى الأمام بسرعة الضوء، ونحن العرب والمسلمين نتقدم أيضًا بسرعة الضوء، ولكن إلى الخلف!!.
هذه الحقائق يجب أن يعيَها العرب والمسلمون تمامًا، ويحاولوا أن يستدركوا ما فات، أو بعض ما فات، ولن يستطيعوا ذلك إلا بإدراك الأخطاء والنواقص العامة والشخصية، ويحاول الحكام أن يصالحوا شعوبهم، ويجعلوا العدل شرعةً حاكمةً؛ أخذًا بقول عمر بن عبد العزيز حين جاء في رسالته إلى والي عكا ".. حصِّنها بالعدل"، فقد سُئل أحد كبار الخبراء العسكريين: هل يستطيع العرب أن يهزموا "إسرائيل" مستقبلاً، فأجاب: "نعم.. إذا حوَّلوا كل نقطة نفط إلى رصاصة، ووزنوا كل المواقف والتصرفات بميزان العقل".
وفي السطور الآتية، وحرصًا على إصلاح الذات، وتوعية السلوك، والحرص على القيم الأصيلة؛ أعرض بعض التصرفات العبثية السفيهة التي ارتكبها كثير من المسلمين والعرب، وأنا أسوقها من قبيل "النقل الوثائقي"، لا الاجتهاد الذاتي، ملتزمًا الإيجاز بقدر المستطاع:
شاعر عربي (أو متشاعر) يستنسخ نفسه في نيوزيلندا مقابل 425 ألف دولار أمريكي، دفعها لمعهد روزالين للاستنساخ، وقال المتشاعر: إن إجمالي كلفة العملية يبلغ 425 ألف دولار أمريكي، مضيفًا أن الفكرة ولدت عنده بعد الضجَّة التي أثارها خبر عزم رجل أعمال إماراتي استنساخ نفسه مقابل مبلغ كبير من المال.
يُذكر أن صحيفة (الرأي العام) الكويتية قد حصلت على إحدى الرسائل التي جرت بين المتشاعر والمعهد النيوزيلندي.
1- زواج أحد الأمراء النفطيين..
في أيام الاحتفال بالزواج توافد على عاصمة الأمير مئات الضيوف الذين قدموا لحضور عقد القران، وشارف عدد الضيوف الأجانب على الألف شخص، حسبما أفادت مصادر قريبة من الحفل الذي يقام لأول مرة بمثل هذه الفخامة والأبَّهة في تاريخ عاصمة هذه الدولة النفطية التي تعدُّ ثاني أغنى الدول بالغاز في العالم.
ومن أهم ضيوف العرس الأميري ملوك وحكام الإمارات والدول الخليجية المجاورة، وكذلك عدد كبير من الوزراء العرب، بالإضافة إلى عدد كبير من أولياء العهود وأنجال الرؤساء والمسئولين العرب والأجانب، وفي هذه الأثناء عمت مظاهر الاحتفالات البلاد بشكل غير مسبوق، وتبارت كل القبائل في إقامة احتفالات شعبية تميَّزت برقصة العرضة على مدى الأيام الثلاثة التي سبقت الزواج، وأقامت إحدى القبائل العرضة الرئيسية قبالة القصر الكبير.
وفي مظهر من مظاهر الاحتفاء بالحدث رفعت الصحف عدد صفحاتها بشكل قياسي لتواكب نشر مئات التهاني من شخصيات المال والأعمال في المجتمع، واتفقت الصحف اليومية على إطلاق اسم أفراح العاصمة على العرس الذي يحظى منذ أيام بتغطية استثنائية.
وصدرت ملاحق خاصة بطباعة فاخرة، حفلت بقصائد المديح وبصور كبيرة للعريس الذي وصفته بأنه "فارس المستقبل"!!.
وقال مصمم الباقة جورج سليم للصحفيين إن الباقة التي أقيمت على شكل هرم بارتفاع اثنين وعشرين مترًا وبقاعدة سبعة أمتار، تضم ستين ألف وردة تم استيرادها من بعض الدول الأوروبية، وأشار مصمم الباقة إلى أن العمل فيها استغرق مائة وأربعًا وأربعين ساعةً، وشارك في إعدادها العديد من المهندسين المختصين.
2- ملياردير عربي يعرض على ممثلة بريطانية 1.8 مليون دولار للعشاء..
فقد حملت وكالات الأنباء أن مليارديرًا من دولة خليجية عرض على الممثلة البريطانية "ليلي رواس" مليون جنيه إسترليني مقابل تناول العشاء معه لليلةً واحدةً في دبي، لكنَّ الممثلة التي هي نجمة مسلسل "زوجات لاعبي كرة القدم" الشعبي المثير، رفضت العرض الخليجي.
3- الأمير وزَّع أموال بلاده على الساقطات في أمريكا..
ومن المؤسف المخزي أن نجد أحد أمراء "بروناي" ينفق عشرات من ملايين الدولارات على الساقطات في أمريكا، وكنَّ يتسابقن على الارتماء عليه.
وسلطنة بروناي تقع في جنوب شرقي آسيا، يحدها من الشمال بحر الصين الجنوبي، أما بقية أراضيها فهي محاطة بماليزيا، وتبلغ مساحتها 5675 كيلو مترًا مربعًا، وهي دولة غنية جدًّا بالنفط والغاز، استقلت بروناي عن بريطانيا عام 1984، أما حاكمها بلا منازع ومنذ عام 1967م وقبل حصولها على الاستقلال الفعلي فهو السير حسن بلقية.. جميع الأحزاب السياسية محظورة، والسلطان حسن هو الحاكم المطلق التنفيذي والتشريعي والقضائي الذي تسهر المخابرات البريطانية ليل نهار على أمنه واستقرار الحكم في بلده.
4- وقص عليَّ الصحفي ثروت أباظة في مكتبه..
أمام الدكتور عبد العزيز شرف وآخرين؛ أنه سافر إلى لندن لقضاء بضعة أيام، وبعد يومين من إقامته سمع صوت "كبير نفطي" يقول له في الهاتف بالحرف الواحد: يا أستاذ ثروت، أنا أدعوك إلى جناحي بفندق كذا لتشرب معي أغلى فنجان قهوة في العالم، وحاولت الاعتذار، ولكنه أصرَّ، وأضاف: إن إحدى سياراتي أمام فندقك الآن لتستقلها.
وذهبت إلى جناح الثري النفطي بالفندق، فرأيت أغرب منظر شاهدته في حياتي: اثنين من العبيد أو من خدم الثري يضعان إناء القهوة على ثلاثة حجارة، وأمامهما هرم من الجنيهات الإسترلينية، وهم ينضجون القهوة بإشعال هذه الجنيهات، فأردت أن أعترض فأشار لي مضيفي، وقال: "ألم أقل لك قبل أن تحضر إنك ستشرب أغلى فنجان قهوة في تاريخ البشرية؟!"، وبعد عشرة دقائق- أي بعد أن نضجت القهوة على هذا التل من أوراق العملة الصعبة- قدم لي فنجان القهوة، وأنا جاحظ العينين، تائه النظرات، وقال مضيفي: إنك تشرب فنجانًا تكلَّف 40 ألف جنيه إسترليني!!.
ونقول لهؤلاء الكبار الذين أهدروا هذه الأموال ما قاله أحد السلف لأحد الأمراء الذي بنَى قصرًا أسطوريًّا: إن كان من مال الرعية فأنت لصٌّ، وإن كان من مالك فأنت مبذِّر، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27)﴾ (الإسراء).
ونذكِّر هؤلاء الكبار بمصير الخليفة المستعصم، ونقول لهم: يا كبار.. لا تكونوا كالمستعصم:
والمستعصم (609- 656هـ) تولَّى الخلافة بعد أبيه المستنصر العباسي في جمادي الآخرة سنة 640، وكان- كما وصفه ابن طباطبا- مستضعف الرأي، ضعيف البطش، قليل الخبرة بأمور المملكة، مطموعًا فيه، غير مهيب في النفور، ولا مطّلع على حقائق الأمور، وكان يقضي زمانه بسماع الأغاني والتفرج على المساخر، وكان أصحابه مستولين عليه، وكلهم جهال من أرذال العوام.
هذه كانت صورته: خليفة ساقط الهمة، عديم الحزم، ضائع الهيبة، همُّه في حياته المتع والملاذ وجمع المال، دون شعور بالمسئولية والخطر الزاحف إليه من قِبَل التتار؛ لذلك سيطر عليه وملك قياده وزير خائن اسمه "مؤيد الدين العلقمي الرافضي"، قال عنه بعض معاصريه: ".. أهلك الحرث والنسل، ولعب بالخليفة كيف أراد، وباطن التتار (أي راسلهم سرًّا)، وناصحهم، وأطمعهم في المجيء إلى العراق، وأخذ بغداد".
وتوالت رسل العلقمي الخائن إلى التتار، يطمعهم في البلاد، ويسهِّل عليهم ذلك, وطلب منهم- في المقابل- أن يكون نائبهم في حكم العراق، فوعدوه بذلك، وتأهبوا لقصد بغداد، كل ذلك والمستعصم تائه في لذاته، غارق في متعه، لا يطلع على الأمور، ولا يدري، ولا يهتم بما يدور ويحاك حوله، وفي المحرم سنة 656، وصل التتار إلى بغداد، وهم مائتا (200) ألف يقودهم هولاكو، وهزم جيش الخليفة هزيمة نكراء، وأقنع العلقمي الخائن المستعصم بأن يسعى العلقمي للظفر بالصلح، وخرج إلى هولاكو، واتفق معه على القضاء على الخليفة والخلافة، وعاد العلقمي إلى المستعصم لينفِّذ المخطط الحقير، فنقل إليه أن هولاكو قد رغب في أن يزوِّج ابنته بأبي بكر بن المستعصم, ويبقى في منصب الخلافة، وبعد تمام الزواج ينصرف هولاكو بجيوشه عن بغداد والعراق.
وأشار على الخليفة بالخروج إلى هولاكو، فخرج إليه ومعه هدايا كثيرة من الدرّ والجواهر وغيرها، ومعه جماعة من الأعيان، فأنزلوه في خيمة، وأخذ العلقمي يدعو جماعات الفقهاء لشهود عقد الزواج، وقتلهم التتار جميعًا، ولم ينجُ منهم عالم أو أمير أو حاجب أو كبير عظيم، وسُحقت بغداد على مدى أربعين يومًا، وبلغ عدد القتلى ألف ألف نسمة؛ أي مليونًا من البشر.
أما المستعصم فقتله التتار رفسًا، أي دوسًا وركلاً بأقدام التتار، وبذلك أسدل الستار إلى الأبد على الدولة العباسية بمصرع المستعصم.
أما الوزير الخائن فلم يتم له ما أراد، وذاق من التتار الذل والهوان، ولم تطُل أيامه بعد ذلك فأدركه الموت ذليلاً حقيرًا بعد أن خسر الدنيا والآخرة.
إنها صورة لحاكم عاش لمتعه وملاذه، وماله وذهبه وجواريه وخمره، فحقَّق بسلوكه أنكر هزيمة نزلت بالمسلمين، وشاء الله ألا يقتل إلا بالنعال (دوسًا ورفسًا)، وهو مصير يليق بهذا وبأمثاله من الحكام والقادة.
----------