ربما يعتبر البعض أن الضجَّة الكبرى التي أُثيرت حول خطاب أوباما للعالم لإسلامي كانت أكبر من الحجم الذي تستحقه، وربما تصوَّر البعض أن الخطاب يستحق المزيد من التحليل والقراءة لسبر أغواره والتعرف على أبعاده.

 

وأيًّا ما كانت الحقيقة- مع هذا الفريق أو ذاك- إلا أننا ندرك أن الخطاب له أهمية بصورة أو أخرى، ربما تتراجع هذه الأهمية وراء ستائر النسيان التي قد تسدل عليه، وربما تتراجع الأهمية بفعل الفروق التي تحدث غالبًا بين القول والعمل، وربما تتراجع بفعل التركيبة السياسية ومعادلات القوى على أرض الواقع، بعيدًا عن الرغبات والأماني، إلا أن واجب الوقت- على أقل تقدير- يدفعنا إلى الوقوف أمام الخطاب، والتصدي للتعرف على النقاط التي يجدر عدم تركها أو المرور عليها مرَّ الكرام.

 

ولعل أول هذه الملاحظات تسبق الخطاب نفسه، وتتعلق في الأساس بفكرته ومستهدفاته، فالخطاب موجَّه إلى العالم الإسلامي، وهي فكرة تستحق الوقوف عندها والتأمل إزاءها، فتوجيه الخطاب إلى العالم الإسلامي من طرف رئيس أكبر دولة غربية- حتى هذه اللحظة على الأقل- يدل على أن العقل الغربي يفكر في التعامل مع مليار ونصف المليار من البشر، من خلال خطاب واحد، وهو ما يحمل عددًا من الدلالات، من أهمها إدراك الغرب أن هناك قواسم مشتركة بين هذه الكتل البشرية التي تتنوَّع عرقيًّا وقبليًّا واجتماعيًّا وجغرافيًّا بل تتراوح بين التقدم والتخلف والغِنَى والفقر، كما أنها تتعدد وتتنوع فكريًّا وحضاريًّا، حتى إن رؤيتها للإسلام قد تختلف من كتلة بشرية إلى أخرى، ومن فريق إلى فريق، ومن أمة أو مجتمع إلى أمة ومجتمع آخر، وعلى الرغم من كل ذلك يدرك الغرب أن العالم الإسلامي يملك من المقوِّمات المتناغمة والمفاهيم المشتركة والعقائد التي لا تتباين من فريق لفريق ما يؤهِّله للتلقِّي والاستماع إلى خطاب واحد.

 

القرآن والسنة

ويبدو ذلك بيِّنًا في التركيز على الاستشهاد بآيات قرآنية، وهو ما يعني أن الخطاب يدرك أن القرآن جامع مشترك للأمة، والحديث عنه من شأنه أن يُحدث مع المتكلم نوعًا من التقارب النفسي والاستجابة المعنوية، وفي الوقت نفسه أشار إلى حادثة الإسراء والمعراج التي تحمل دلالة الاعتراف بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ استنادًا إلى المكانة الاستثنائية التي يحظى بها النبي صلى الله عليه وسلم في أمته، وذلك من شخص يؤكد في الخطاب ذاته على مسيحيته؛ حيث إن الاستشهاد باصطفاف الأنبياء موسى وعيسى ومحمد للصلاة سويًّا يؤكد هذا الاعتراف، خاصةً ونحن نقف في هذه الحالة- الإسراء- مع قضية تدخل في إطار المعجزات النبوية وليست حدثًا تاريخيًّا محضًا اعتاد البشر على نقله بطرق النقل التاريخية المعهودة، ومع هذا علينا أن نقر أن هذا الاعتراف لا بد أن يظل في إطاره السياسي بعيدًا عن أي دلالات إيمانية أو دينية.

 

ومن بين هذه القواسم المشتركة التي أشار إليها الخطاب واعتمد عليها في التقارب مع نفسية الشعوب الإسلامية وعقليتها؛ الحديث عن تاريخ التقدم العلمي العربي والإسلامي وفضل المسلمين على الغرب في بناء الحضارة الحديثة والمعاصرة، وهي من الأمور التي يعتزُّ بها المسلمون ويشعرون بالفخر تجاهها؛ تعويضًا عن التخلف الذي يعانون منه والإحباط والتبعية التي يتجرَّعون مرارتها.

 

هناك أيضًا من بين القواسم المشتركة التي أشار إليها الخطاب العادات والتقاليد والقيم الإسلامية، وذلك في حديثه عن الحجاب، وحديثه عن الأذان، وحديثه عن حق المسلم في دفع الزكاة وممارسة العبادة.

 

إذًا الخطاب يدرك أن هناك قواسم مشتركة بين المسلمين، تجمعهم وتوحدهم، وتثير تعاطفهم وتُعدُّ نقاط ارتكاز لكل من أراد أن يتخاطب مع هذا العالم، ويحمل ذلك دلالةَ الاعتراف بوجود أمة إسلامية ككيان تتعدَّد فيه القبائل والأمصار، ولكنها تتوحَّد على قيم قلَّ أن تجد مَن يتوحد على مثلها في العالم.

 

وعلى الرغم من هذا الفهم الغربي الذي بدا في خطاب أوباما للعالم الإسلامي، إلا أن النخب العربية الحاكمة والمثقَّفة لدينا ما زالت لا تستوعب هذا الدرس ولا تدرك هذا التميز، وترفض- بل وتقاوم- مخاطبة الأمة الإسلامية بخطاب موحَّد، يدرك أن هناك قواسم مشتركة لا سبيل لتجاهلها، حتى إنك ترى كثيرًا منهم يسخرون من الحديث عن فكرة العلاقة الجامعة بين الأمم والشعوب الإسلامية والتي اصطُلح تاريخيًّا على تسميتها بـ"الخلافة الإسلامية" والتي يمكن أن تتحقَّق في أرض الواقع بأي صورة جديدة من خلال منظمات إسلامية فاعلة تحقِّق مزيدًا من التعاون على البر والتقوى.

 

وذلك على الرغم من تسليمنا بأن خطاب أوباما لم يأتِ تزكيةً أو رغبةً منه في وحدة المسلمين، ولكن جاء اعترافًا بما هو واقع، وقراءةً لما هو ماثل أمامه في الحدث السياسي، والذي يشهده ويتابعه من خلال التعاطف الإسلامي الشعبي مع الأزمات المتفجرة في بلدان العالم الإسلامي، سواء في العراق أو أفغانستان أو فلسطين، وقناعته بأن التعاطف والتآزر الشعبي بين المسلمين هو الذي يساعد في تأجيج روح العداء للولايات المتحدة في العالم الإسلامي، وهو ما يسعى تحديدًا مثل هذا الخطاب لمحاولة تلافيه واستيعابه والتقليل من آثاره.

 

المرأة

ومن بين الدلالات التي تحتاج إلى الوقوف عندها في خطاب أوباما الحديث عن المرأة التي يرى أن الحجاب ليس مؤشرًا أو علامةً دالةً على تقدمها أو تخلفها وليس لها علاقة بالانطباعات السائدة في الغرب عن الحجاب وأن التعليم هو المعيار الأساس في تقييم المرأة ودفعها للمشاركة الجادة في مجتمعها، بل ويطرح الخطاب أن للمرأة الحق في أن تختار بإرادتها دون أن يلزمها أحد ما أسماه بالدور التقليدي وهو ما يعرف عندنا بالتفرغ للدور الأسري للمرأة في رعاية أبنائها وتعهد أسرتها.

 

والغريب أيضًا أن النخب المثقفة والحاكمة عندنا ما زالت لا تعترف للمرأة بحقها في الحجاب وتفرق بين المحجبة وغير المحجبة، وترى أن المحجبة ليس من حقها أن تعمل في وسائل الإعلام خاصةً المرئية، بل وليس من حقها أن تمثل مجتمعها في المجالس النيابية التي تظل حكرًا- كما العمل في الإعلام وغيره- على المرأة غير المحجبة.

 

بل ما زالت هذه النخب ترى- بالقول كثيرًا وبالفعل والسلطة غالبًا- أن الحجاب يخدش ثقافة المرأة ويقلل من قيمتها العلمية والفكرية وقدرتها على التعبير عن مجتمعها أو تمثيله بكافة الصور.

 

وتنظر نخبنا العلمانية للمرأة التي اختارت طواعيةً المكث في بيتها وتعهُّد أبنائها ورعاية أسرتها والتفرغ لهذه المهمة- إما بصورة مؤقتة أو حتى بصورة دائمة- على أنها امرأة متخلِّفة، ليس من حقها أن تُسهم في نقاش فكري أو حوار علمي، فما بالك لو اقترن مكثها في البيت ورعايتها لأسرتها بتمسكها بحجابها؟ فالأمر يستدعي حرمانها من حقوقها ومنعها من مكتسباتها.

 

التطفيف

يظل التطفيف خطابًا سياسيًّا معتمَّدًا لدى الإدارات الأمريكية المتعاقبة بل ولدى المجتمع الدولي عامةً والغرب خاصةً، ويظل سلوكًا شائنًا تتواطأ عليه المجتمعات الدولية، وقد بدا ذلك واضحًا في الخطاب عند الحديث عن فلسطين، ففي الوقت الذي كان الرجل صريحًا مع نفسه ومع قومه في الاعتراف بمساندة الكيان الصهيوني المحتل لفلسطين بصورة كاملة وبكل قوة وبدون أي تراجع؛ ينفي- في الوقت ذاته- حق المقاومة في الدفاع عن نفسها وحماية وطنها، وهو إغراق في التطفيف ومبالغة في قلب الحقائق.

 

وفي هذه الحالة تحديدًا تتوحَّد الجهود وتتوافق الرؤى وتتفق الأفكار بين الإدارة الأمريكية والغرب عامةً من جانب وبين الأنظمة والنخب العربية الحاكمة من جانب آخر، والتي قد تختلف كثيرًا مع رؤية أوباما في بعض ما سبق، إلا أنها فيما يتعلق بالاحتلال الصهيوني لفلسطين تتطابق الرؤى وتتوافق المشاعر أو بالأحرى المصالح.

 

الديمقراطية

وأخيرًا جاء خطاب أوباما ليتكلم عن الديمقراطية التي يتعامل معها الغرب عمومًا، على أنها منتتج غربي غير قابل للتصدير وغير قابل للتقليد إلا في إطار معين وفي بيئة تكون تحت كامل سيطرته وسطوته.

 

فالديمقراطية يقبلها الغرب في بلاده وأوطانه، ولا يمانع في وجودها خارجه إذا كانت في بلدان تقع تحت سيطرته أو بعيدًا عن مصالحه، أما إذا تعارضت هذه الديمقراطية مع مصالح الغرب عمومًا والأمريكان خاصةً فلا داعي لها بل وتجب مقاومتها بل ومساندة أي نظام مستبدّ يقاومها.

 

أما إذا أفرزت هذه الديمقراطية فوزًا لإسلاميين فمن الحكمة الأمريكية خاصةً والغربية عامةً أن تتحوَّل الديمقراطية نفسها إلى عدوٍّ مشترك لها وللأنظمة المستبدة، وهو ما يدفع لتوليد قناعة بأن الغرب لا يمانع من نشر قيم بعينها غالبًا ما تكون سلبيةً، يصدرها ويسعى إلى ترسيخها، حتى وإن تعارضت مع قيم المجتمعات التي تتلقاها كالانحلال الأخلاقي والقيمي، بينما يمانع ويرفض تصدير قيم إيجابية لمجتمعات أخرى، خاصةً إذا تعارضت نتائج نشر هذه القيم مع مصالحها، على عكس المفهوم الإسلامي الذي يعمد إلى نشر قيمه، ويعتبر أن انتشار منظومته القيمية لدى الناس جميعًا مكسبٌ للقيم ذاتها ورصيدٌ مضافٌ إلى الأخلاق نفسها دون نظر إلى وجه المصلحة في انتشار هذه القيم ودون مصادرة لحق أي مجتمع في تطبيق منظومته القيمية، حتى وإن ظل هذا المجتمع على دينه وعقيدته.

--------

* صحفي مصري.