نتناول اليوم ما ورد عن الساحة الفلسطينية في محاضرة آفي ديختر وزير الأمن الصهيوني 4 سبتمبر 2008م، وكنا قد تناولنا من قبل ساحات مصر والسودان والعراق ولبنان وسوريا.
والحقيقة أنه فيما يتعلق بفلسطين؛ فإننا لا نحتاج إلى تتبع محاضرات أو تصريحات أيٍّ من القادة الصهاينة، لاستشراف إستراتيجياتهم هناك، فهم يمارسونها ويطبقونها عمليًّا كل يوم.
ودماء 1500 شهيد وأكثر من 5000 جريح في العدوان الأخير على غزة يناير 2009م، هي أبلغ من أي محاضرة هنا أو هناك، ولكن يظل من المفيد دائمًا أن نُسلِّح أنفسنا بأي نصوص موثقة نستطيع أن نتحصل عليها.
وعليه فإن أهم ما ورد في المحاضرة بشأن الساحة الفلسطينية ما يلي:
إن الكيان الصهيوني يستخدم كل الخيارات المتاحة، والتي يأتي على رأسها خياران أساسيان هما خيار القوة العسكرية، وخيار زرع الاضطراب والصراع في مناطق السلطة الفلسطينية.
أما عن خيار القوة؛ فلقد استخدمه الكيان الصهيوني على أوسع نطاق ضد قطاع غزة، وبمستوى أقل في الضفة الغربية، وإن الحرب تُعزز الأمن القومي للكيان، واستمرارها ضروري لتقليص الطموح الفلسطيني، وإضعاف إرادة الفلسطينيين؛ حتى تتواضع مطالبهم.
أما عن الخيار الآخر، وهو زرع الاختلال والصراع في مناطق السلطة بين حماس والجهاد من ناحية، والسلطة الفلسطينية من ناحيةٍ أخرى، فلقد كان للكيان الصهيوني دورٌ مهمٌّ وحاسمٌ فيه، فهو يحقق مصلحته من الدرجة الأولى.
ساعدها على ذلك حالة العداء المستحكم لدى قادة المؤسسات الأمنية الفلسطينية، مثل دحلان وجون والطبراوي وآخرين ضد قيادات حماس والجهاد.
ولقد شارك الكيان الصهيوني الأجهزة الفلسطينية، وخاصةً جهاز الأمن الوقائي في إعداد حملات الملاحقة والاعتقال ضد مَن أسماهم بالمنظمات الإرهابية.
- وكان هناك تعاون على أوسع نطاق من محمد دحلان وجبريل الرجوب.
- ولقد أسفرت هذه الحملات على إفشال مئات العمليات (التخريبية)، واعتقال العشرات من القيادات الفلسطينية، وتصفية قيادات مهمة، مثل المهندس عياش وعبد العزيز الرنتيسي والشيخ ياسين وأبو شنب وأبو علي مصطفى وغيرهم.
- ولقد قام الصهاينة ببلورة خيار الحسم لدى القيادات الأمنية والسياسية في السلطة الفلسطينية.
- وقام الصهاينة بتأمين الدعم المالي واللوجستي لتيار الحسم من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي.
- وقامت بتشكيل ائتلاف دولي، بل إقليمي أيضًا لصالح خيار الحسم
- وأن هناك في الوطن العربي نفسه من يدعم هذا الخيار.
- وأن الكيان الصهيوني حذَّر السلطة الفلسطينية من أن المصالحة مع حركة حماس ستفقدها الكثير.
نص المحاضرة
تحدث ديختر عن أن "إسرائيل" ستعتمد أسلوب المراوحة بين خيار القوة وخيار إنتاج الفوضى والاضطراب والصراع، مؤكدًا أن "إسرائيل" استخدمت كل الخيارات.
خيار القوة جرى استخدامه على كافة المستويات الدنيا والوسطى والعليا ضد قطاع غزة ومستوى أقل في الضفة الغربية.
خيار زرع الاختلال في مناطق السلطة: ووفقًا لاعترافات ديختر وبناءً على معايشته للعلاقة "الإسرائيلية" الفلسطينية كرئيس لجهاز الأمن العام "الشاباك"، ثم وزيرًا للأمن الداخلي، كانت مهمته تركِّز على تعميق فجوة الصراع بين مَن أسماها المنظمات الإرهابية بعضها مع بعض، وبينها وبين السلطة التي ولدت في آيار 1993م.
نطق ديختر باعترافات خطيرة عندما أفصح عن أنه كان يشارك في إعداد الحملات والملاحقات من قِبل الأجهزة الأمنية، وخاصة جهاز الأمن الوقائي ضد من أسماها المنظمات الإرهابية، وأنه وجد تعاونًا على أوسع نطاق من محمد دحلان وجبريل رجوب.
وصرَّح بأن هذه الحملات أدَّت إلى إفشال مئات العمليات- التخريبية- وفي اعتقال عشرات العناصر من قيادات وكوادر تلك المنظمات، والمساعدة في وصول اليد "الإسرائيلية" إلى قيادات مهمة، مثل المهندس عياش وعبد العزيز الرنتيسي والشيخ ياسين وأبو شنب وأبو علي مصطفى وغيرهم.
خيار تعميق الصراع في الساحة الفلسطينية: يتباهى ديختر بأن الصراع الذي دارت رحاه بين حركتي حماس وفتح وما زال كان نتاج سياسة "إسرائيلية"؛ لتعميق الصراع في السلطة الفلسطينية.. هنا أيضًا لم ينكر أن دوره كان مهمًّا وحاسمًا.
نجاح هذا الدور أرجعه ديختر إلى الأسباب التالية:
1- ما لمسه من عداء مستحكم لدى قادة المؤسسة الأمنية التابعة للسلطة؛ محمد دحلان وجون والطبراوي، وكذلك قيادات من قِبل السلطة وحركة فتح، وعلى الأخص بعد رحيل عرفات ضد قيادات حماس والجهاد الإسلامي.
2- توليد حالة من الشك والخوف لدى قيادات في الأجهزة الأمنية وحركة فتح والسلطة حيال حركة حماس، وتصويرها بأنها خطر داهم عليهم، لا بد من مواجهته وقمعه.
3- بلورة خيار الحسم لدى القيادات الأمنية، وحتى القيادات السياسية العليا في مؤسسة الرئاسة، بعد تولي محمود عباس الرئاسة خلفًا لعرفات.
4- تأمين الدعم المالي واللوجستي والسياسي للتيار الذي يمتلك خيار الحسم في الأجهزة الأمنية من عدة مصادر من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وتشكيل ائتلاف دولي وإقليمي لصالح خيار الحسم.
ديختر قال بالحرف الواحد: "لا بد أن نعرف أن هذا الخيار حقق نتائج ضئيلة في يهودا والسامرة (الضفة الغربية)؛ ولكنه لم يحقق هدف الحسم الكلي.
ويقول أيضًا: "إن هذا الخيار، وكذلك حيازة القوة، يجب أن يتواصلا لتغيير البيئة في قطاع غزة؛ لأن هذا التغيير سوف يكشف مزيدًا من الداعمين حتى في العالم العربي".
الحرب في الساحة الفلسطينية تندرج ضمن العوامل المعززة للأمن القومي لـ"إسرائيل"، واستمرارها هو أحد ضرورات القدرة "الإسرائيلية" على تقليص الطموح الفلسطيني، وإضعاف إرادة الفلسطينيين؛ حتى تتواضع مطالبهم.
كل الخيارات يجب أن تكون مفتوحة وجاهزة (القوة العسكرية).
ويجب الإبقاء على جذوة الخلاف والنزاع ملتهبة بين الفلسطينيين، بعد أن حققت نتائج مهمة.
وقال ديختر: إن هذا النزاع وهذا الخلاف يحقق مصلحة "إسرائيلية" من الدرجة الأولى، وهذا ما جعل القيادة السياسية والأمنية "الإسرائيلية" تحرص على حثِّ قيادة السلطة، وتحذيرها من المصالحة مع حركة حماس؛ لأنها ستفتقد الكثير من وجهة نظره.
بقاء الصراع على الساحة الفلسطينية يسهم في تجديد المسارات المستقبلية لمعادلة النزاع "الإسرائيلي" الفلسطيني لصالحنا.
وخلص في حديثه عن هذه الخيارات "الإسرائيلية" إلى تأكيد أن عملية الاستقطاب الفلسطيني ستشتد، وتتفاقم في ظلِّ توافق دولي وإقليمي، على أن هذا الاستقطاب لا يحسم إلا إذا حسمت السلطة صراعها مع خصمها حركة حماس.
------------