إن تدني مستوى الدخل للمواطن المصري لجميع الفئات مهنيين وعمال، أصبح واقعًا ملموسًا يشهده الجميع ويعاني منه الجميع؛ أطباء، مدرسون، أساتذة جامعات، موظفون بجميع مواقع الدولة، عمال بريد، عمال مصانع الغزل والنسيج، موظفو الضرائب العقارية.
حتى الفئات التي تظن أن دخولهم إلى حد ما شبه معقولة بدءوا يشكون، مثل ضباط الشرطة والقضاء.
وإن حكومة ونظامًا مسلطًا ومفروضًا على رقاب الناس أثمر بممارساته وخططه الخمسية والعشرية فشلاً ذريعًا، مثل الذي نراه على أرض الواقع من الاحتجاجات المتتالية لجميع الفئات على تدني مستوى الدخل.. آخرها ما شهدته دار الحكمه من احتجاج للمئات من أطباء الأسنان إثر جمعيتهم العمومية للمطالبة برفع مستوى الدخل لأطباء الأسنان.
وقد توافق جميع أعضاء الجمعية العمومية لأطباء الأسنان على التوصية لأطباء الأسنان الأعضاء في الحزب الوطني على الاستقالة من عضويتهم من هذا الحزب.
ولا يفوتنا في هذا المقام أن نلفت النظر إلى صورة إبداعية من مظاهر الفساد والإفساد لنظامنا المبجل الذي يحكمنا منذ عقود من الزمن.. أقول صورة إبداعية في الفساد؛ لأنها لم تحدث في أي دولة على ظهر الأرض.. ألا وهي تجميد وتخريب منظمات المجتمع المدني ومنها النقابات المهنية لمدة تزيد عن 18 عامًا.. لدرجة أن أصبحت بعض النقابات تدار بفرد واحد بعد رحيل جميع أعضائها إلى رحمة الله تعالى.
فضلاً عن فرض الحراسة على بعض هذه النقابات فرعية وعامة، وعدم تنفيذ عشرات الأحكام القضائية لصالح جمعياتها العمومية في أحقيتهم بإجراء الانتخابات ومثالاً على ذلك نقابة المهندسين.
أقول: هذا الفشل الذريع من النظام وحكوماته المتتالية في تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين من مأكل ومشرب وملبس وتعليم وأمن.. (بِغَضِّ النظر عن ما يصرح به المسئولون من مكاتبهم المكيفة)؛ يستدعي ويوجب على هذه الحكومة أن ترحل وتعلن استقالتها معلنة فشلها في تحقيق مصالح الرعية ولكن أنَّى لهم أن يفعلوا ذلك!!
إن الحكومة ما زالت تنظر للأطباء بجميع تخصصاتهم؛ بشريين، أسنان، بيطريين، صيادلة، بأن لهم مصادر أخرى للدخل من عيادات خاصة وغيرها؛ فلذلك لا تنظر بعين الاعتبار لمطالبهم المشروعة، ولكن الذي يحضر الجمعيات العمومية لنقابات الأطباء والأسنان والبيطريين يدرك حجم المأساة والمعاناة للأطباء الذين يظلون بعد تخرجهم وحصولهم على درجة البكالوريوس، يعانون الحاجة لاستكمال دراستهم للحصول على المؤهل الذي يمكنهم من التخصص في أي مجال من مجالات الطب، ثم بعد ذلك القلة القليلة منهم التي تمتلك المال الذي يمكنهم من شراء عيادة أو تجهيزها بعشرات الألوف من الجنيهات، مثل ما هو كائن في احتياجات تجهيز عيادة الأسنان التي قد تصل لأكثر من مائة ألف جنيه، ثم تبقى الأغلبية العظمى الذين يعتمدون كليًّا على مرتباتهم الحكومية التي لا تكفي ولو بالكاد للمأكل والملبس والمشرب.
فأنَّى للطبيب بعد ذلك أن يجد ما يفكر أن يلبي به احتياجاته الإنسانية من الزواج؟! فهذا يصبح من رابع المستحيلات..!!.
ولا عجب بعد ذلك من أن نجد ارتفاعًا لسن الزواج بين الأطباء؛ إلى ما يقرب من الأربعين عامًا، وارتفاع نسبة العنوسة بين الطبيبات.
ولأكثر من عامين والأطباء كغيرهم من الفئات الأخرى يئنون ويصرخون: أغيثونا يرحمكم الله.. والحكومة ترد ببرود شديد: نفكر في تدبير مصادر التمويل.
وإن كان التمويل اللازم لرفع دخول جميع هذه الفئات مجتمعه يربو أو يزيد على خمسة مليارات جنيه مصري، فواجب وحق علينا أن نفكر بطريقة عملية؛ لنساعد النظام وحكومته في مصادر التمويل لرفع الأجور والمرتبات نلخصها في أربعة مصادر وهي:
المصدر الأول: غلق باب واحد من أبواب الفساد؛ منها على سبيل المثال لا الحصر:
1- التقرير الصادر عن هيئة النيابة الإدارية حول جرائم الفساد المالي والإداري داخل الأجهزة الحكومية في مصر يقول إن هناك "قضية فساد كل دقيقتين في مصر"، وذلك على أساس أن أيام العمل في العام 365 يوم عمل، وعدد ساعات العمل اليومية 6 ساعات عمل.
2- عملية استصلاح منطقة شرق العوينات في الجزء الجنوبي الغربي من الصحراء الغربية تم تقسيم 22 ألف فدان على 20 مستثمرًا من الحزب الوطني بسعر 50 جنيهًا للفدان.
3- تم بيع 650 ألف فدان من طابا بخليج عقبه لشركة سياج، والتي كانت ستارًا لصالح شركة (لومير هليو نجر ليمتد الصهيونية) بسعر جنيه ونصف الجنية للمتر!! فضلاً عن الاعتداء على الأمن القومي للوطن.
4- سطو من رجال أعمال ورؤساء لجان بمجلس الشعب على 100 مليون متر مربع شمال غرب خليج السويس بقيمة خمسة جنيهات فقط للمتر!!.
5- شركة النصر للمسبوكات ثم ضبط 1400 مليون جنيه في حساب رئيس مجلس إدارتها الأسبق في أحد بنوك سويسرا.
وخسرت الشركة أثناء رئاسته لمجلس إدارتها الذي استمر 15 عامًا 4.4 مليارات جنيه مع أن الرقابة الإدارية بدأت التحقيق معه بعد توليه المنصب بست سنوات، ثم استمر في رئاسة مجلس الإدارة بفعل فاعل لمدة 9 سنوات!!.
كشف تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات عن الأوضاع داخل مؤسسة الأهرام عن صرف الأهرام 104 ملايين جنيه تحت بند شراء هدايا، وإنفاق 204 ملايين جنيه على شراء 105 قطع ثمينة؛ منها 7 ساعات قيمة الساعة الواحدة 125 ألف جنيه، وكذلك سحب بضاعة من العملاء بقيمة 39 مليون جنيه بموجب خطابات موجهه لهم بتسليم مندوبي الإعلانات بضاعة بالقيمة مقابل نشر إعلانات لهم دون تحديد قيمتها، وكذلك عدم التحقق من استلامها أو كيفية توزيعها.
في مناقشة مشروعي الخطة والموازنة بمجلس الشورى للسنة الحالية 2009/2010م طالب رفعت السعيد بالكشف عن أجور المحظوظين الذين يعملون في بعض الوزارات ويتقاضون 200 ألف جنية شهريًّا، وأعلن وزير المالية عن 92 مليون جنيه لسفريات الوزراء و300 مليون جنيه استهلاك، هل هؤلاء وزراء في حكومة تمثل شعبنا المسكين؟!.
المصدر الثاني للتمويل:
1- إعادة النظر في اتفاقية تصدير الغاز الطبيعي للكيان الصهيوني الغاصب للأرض والعرض والتي اعترف رئيس مجلس الوزراء بأن إعادة النظر في هذه الاتفاقية يوفر للموازنه العامة للدولة 18 مليار دولار قابلة للزيادة.
والحكومة كان لديها فرصة- إن كانت راغبة في ذلك- لاستناد للأحكام القضائية بهذا الشأن بدلاً من التلاعب بهذة الأحكام، وهذا البند كاف لتوفير التمويل اللازم لزيادة دخول المساكين والفقراء من أبناء الشعب بفئاته المختلفة.
2- إعادة النظر في تصدير الخامات كالبترول للكيان الصهيوني الغاصب أيضًا؛ حيث يتم ذلك بسعر ثابت 6.8 دولارات!! منذ اتفاقية كامب ديفيد وحتى الآن!!.
المصدر الثالث للتمويل:
تحصيل قيمة الأرض الممنوحة لكبار رجال الأعمال والمستثمرين بأسعار شبه مجانية أو مجانية، ومثالاً على ذلك:
منح شركة طلعت مصطفى مساحة 8 آلاف فدان لإقامة مشروع مدينتي مجانًا؛ حيث تزيد قيمة هذه الأرض إذا تم تقييمها مقارنة بما قامت وزارة الإسكان ببيعه من أراضٍ بالمزاد.
والأدهى من ذلك أن تقوم الدولة بعمل محطة مياه لمد المدينة بالمياه على حساب الشعب المسكين من أموال الموازنة العامة للدولة.
المصدر الرابع للتمويل:
أثناء مناقشة تقرير لجنة الخطة والموازنة بمجلس الشعب عن خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية والموازنة العامة للدولة للعام المالي 2009/2010م قامت الحكومة برفع قيمة الدعم المقدم لتنشيط الصادرات بنسبة 100%.. أي من 2.2 مليار جنيه إلى 4.4 مليارات جنيه، وهذه تصرف لمجموعة من كبار رجال الأعمال ترفض الحكومة حتى الآن الكشف عن أسمائهم، ولا يعلم مجلس الشعب الموقر عن أسمائهم شيئًا.
هذه بعض الأفكار العملية نقدمها مساعدة لوجه الله لحكومتنا الموقرة كي تستطيع توفير التمويل اللازم لإطعام المساكين والفقراء وذوي الحاجة من الأطباء وأساتذة الجامعات والموظفين لدى أجهزة الدولة فهل تستجيب الحكومة..؟!.
على العموم.. استجابت أم لم تستجب فقد توافقت جميع الفئات على استمرارية الفعاليات والاحتجاجات حتى يحصل الجميع على حقوقهم، ولتحذر الحكومة من ثورة الجياع.. وليس لها خيار إلا الاستجابة.. أو نقول لهم: استقيلوا وارحلوا يرحمنا ويرحمكم الله.