![]() |
|
د. حلمي محمد القاعود |
لا أقصد تلك المفاوضات التي تجري بين سلطة رام الله والعدو النازي اليهودي الغاصب، ولكن أقصد تلك المفاوضات التي تجري بين مليونيرات رام الله، وفصائل المقاومة الفلسطينية تحت إشراف القاهرة منذ شهور دون جدوى، وعقب كل جولة يطالعنا بيان بأنه تم الاتفاق الزئبقي على جزئية من الجزئيات فيما يتعلق بحكومة لا قيمة لها ولا مستقبل، ويستطيع "مختار" من "مخاتير" القرى والمدن الفلسطينية أن يقوم بواجباتها نيابة عن أصحاب السمو والمعالي الوزراء الفلسطينيين الذين لا يملك فخامة رئيسهم أن يتحرك بعيدًا عن رغبة "عريف صهيوني" في جيش الغزو النازي اليهودي!.
المفاوضات بين السادة مليونيرات "رام الله" وفصائل المقاومة الفلسطينية في القاهرة عبثية، ولن تؤدي إلى نتيجة، ولو حاولت القاهرة أن ترغم أحد الطرفين على قبول حلٍّ ما، فالمسألة أوضح من الوضوح، مليونيرات رام الله يتبنون وجهة نظر الغاصب النازي اليهودي اعتقادًا منهم أنه سيوافق على دولة فلسطينية فوق أراضي 1967م وعاصمتها القدس، شريطة نزع المقاومة، والاعتراف بيهودية الكيان النازي، والخضوع الكامل لإرادة الغزاة في المجالات الحيوية، أما فصائل المقاومة فترى أن الصراع طويل، وأن مقاومة العدو واجب وطني وديني وإنساني، حتى يسلم بالقدس والعودة والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.. البون شاسع بين الطرفين، خاصةً وأن الطرف الأول صار يرتبط على المستوى الشخصي بمصالح مالية واقتصادية مع العدو، يصعب التخلي عنها أو التفريط في بعضها، بالإضافة إلى الصورة الشكلية التي تحقق بروتوكول الرئاسة والوزارة والقيادة!.
بالطبع، فالطرف الثاني الذي يتبنى المقاومة ليس لديه ما يخاف عليه، ثم إنه يرحب بالشهادة في سبيل الوطن الغالي الذي سرقه اليهود القتلة الغزاة بالنار والدم والخديعة!
المفاوضات عبثية ولا ضرورة لها فيما أتصور؛ لأن السادة المليونيرات ماضون في خططهم دون أن يعبأوا بالعريف الصهيوني الذي يحدّد حركتهم في رام الله، والأولى أن تكون هناك مفاوضات جادة فيما بين الفصائل المقاومة نفسها على أرض فلسطين، يكون هدفها وحدة المقاومة تحت قيادة عسكرية واحدة، تعمل على وضع خطة إستراتيجية طويلة المدى لحرمان العدو من الاحتلال المريح، ويكون لها قيادة سياسية موحدة تخاطب العالم بصوت يخدم القضية في الإطارين السياسي والإعلامي، دون أن تتورط في التزامات دون مقابل!.
إن توحيد المقاومة سيسقط السلطة التي أقامتها "أوسلو" ويلغي المؤسسات والهياكل الشكلية التي تستهلك مالاً وجهدًا، وتفرض على الفلسطينيين التزامات دون ثمن لحساب العدو الصهيوني.
ووحدة الفصائل المقاومة داخل فلسطين، ستعزز استقلال القرار الفلسطيني في مواجهة استقطاب بعض العواصم العربية أو الأجنبية؛ لأنه يجعل للقرار العسكري أسبقية على القرار السياسي الخارجي الذي تحوّل في أغلب الأحيان إلى أسير لموقف هذه العاصمة أو تلك.
لقد صار الواقع السياسي في فلسطين لا يبشر بأي خير؛ فكلما قدَّم مليونيرات رام الله المزيد من التنازلات تمادى العدو في صلافته وعجرفته وإبداء المزيد من التشدد والوقاحة، ويكفي أن الأيام الأخيرة شهدت العديد من التصريحات والقرارات التي صدرت عن قادة العدو وزعمائه.
فقد أعلن السفاح اليهودي الروسي "افيجدور ليبرمان" أن العودة إلى خط 1967م، سينقل الصراع الفلسطيني إلى داخل الخط الأخضر، أي الأرض المحتلة حتى 1948، ومعنى ذلك أن السفاح اليهودي يقول بالفم الملآن: لا نية لدى الغزاة بقيام دولة فلسطينية ولو كانت منزوعة الدسم على أرض الضفة والقطاع.
ثم إن السفاح نتنياهو رئيس الوزراء الصهيوني يرفض ما يسمى بحل الدولتين وعاد من زيارته لواشنطن مؤخرًا، مدعومًا بحماية أمن كيانه النازي الإرهابي الغاصب من جانب الولايات المتحدة، وراح يتكلم عن تفكيك بؤر استيطانية غير شرعية، وهل هناك مشروعية لاغتصاب فلسطين أو لبؤر شرعية؟ مقابل التطبيع الكامل مع 57 دولة إسلامية؟
والأعجب من ذلك أن اليهود الغزاة القتلة يقدِّمون صيغ قوانين لإجبار العالم- وفي مقدمته الفلسطينيون- للاعتراف بعنصرية الكيان الصهيوني، وتفوقه على بقية خلق الله من خلال ما يسمى بيهودية الدولة العبرية.
لقد طرح السفاح ليبرمان صيغة قانون يؤدي المواطنون في الكيان الغاصب بموجبه قسم الولاء لهذا الكيان، وبالطبع سيصبح الفلسطينيون داخل هذا الكيان مجبرين على أداء هذا القسم؛ لأن مسودة القانون تربط بين أداء قسم الولاء والحصول على الجنسية الصهيونية؛ حيث يقول نص القسم: ألتزم بالولاء للدولة الصهيونية كدولة يهودية وأدافع عنها كلما اقتضت الحاجة بالخدمة العسكرية أو أية خدمة أخرى.. ومن حق الكيان نزع الجنسية الصهيونية عن أي شخص لا يلتزم بأداء الخدمة العسكرية في الجيش الصهيوني.
وبذلك يضمن هذا القانون الحفاظ على نقاء الدولة الصهيونية، وهي الفكرة العنصرية التي شغلت الإرهابية الصهيونية "جولدا مائير"؛ بهدف طرد عرب 48 من فلسطين وفقًا لما يسمى "الترانسفير" ويمارسه الغزاة الآن بطرق شتى، من خلال سحب الهويات من العرب، أو طردهم، أو عدم السماح لهم بالعودة إلى قراهم ومدنهم، أو هدم بيوتهم بحجة عدم الترخيص.
ومن ناحية أخرى فإن هذا القانون سيكون حجر عثرة في وجه مليونيرات رام الله الذين يفاوضون العدو، إذ يشترط القانون أن يعترفوا أولاً بيهودية الكيان الغاصب، وإلا فلا مفاوضات ولا يحزنون.
ثمَّ- وهو الأدهى من ذلك والأعجب- إن قادة العدو وضعوا صيغة قانون آخر يحرم على الفلسطينيين داخل الكيان- وخارجه أيضا- الاحتفال بذكرى النكبة الفلسطينية التي جرت في 15مايو 1948م، ومعاقبة من يبكي وطنه الفلسطيني الضائع بالحبس لمدة عام، سواء كان هذا الاحتفال ندوة أو محاضرة أو حديثًا في وسائل الإعلام أو الصحف أو نحو ذلك.. وهو ما دفع بعض الكتاب الصهاينة لاستنكار هذا القانون، من منطلق أن المهزوم يجب أن يبكي على هزيمته، وأن للفلسطينيين الحق الكامل في التعبير عن الكرب والحزن؛ لأن حرب 1948 لا تزال جرحًا عميقًا في نفوسهم، ومن يتوقع أن يفرح الطرف المهزوم لهزيمته إما سخيف أو شرير (أفيعاد كلاينيرج - يديعوت - 26/5/2009م)، وانظر أيضًا : (يهوشع سوبول، إسرائيل اليوم، 26/5/2009م).
ومهما يكن من أمر، فإنه قد آن الأوان ليتحد المقاومون الفلسطينيون، من يتنازل أو يضحي بدمه في سبيل فلسطين السليبة، يجب ألا يمنعه من الاتحاد مع شقيقه الفلسطيني فكرةٌ ما أو موقف ما؛ لأن التضحية أو الفداء أكبر من كل المواقف والأفكار، وخذوا من تجربة الجزائر والماو ماو في كينيا، والفيت كونج في فيتنام، وثورات أمريكا اللاتينية ضد الاستعمار؛ نماذج لتحقيق الحرية والكرامة والاستقلال، أما طريق مليونيرات رام الله فمحكوم عليه بالإخفاق منذ عام 1993م.
-------------
