ما زلنا مع محاضرة وزير الأمن الداخلي الصهيوني التي ألقاها في معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، والتي تناول فيها إستراتيجية "إسرائيل" في سبع ساحات إقليمية. تناولنا منها في موضوعات سابقة كلاًّ من مصر والسودان والعراق. واليوم نتناول الساحة اللبنانية.
وكان أهم ما جاء فيها:
* أن لبنان تمثل التحدي الأكبر "لإسرائيل"، وعلى الأخص حزب الله.
* والحرب الأخيرة عام 2006م لم تحقق الهدف الإستراتيجي "الإسرائيلي" هناك؛ وهو خلق بيئة تصالحية، على غرار ما حدث عقب حرب 1982م.
* ولكن سيظل خيار القوة مطروحًا لتكرار ما حدث عندما تحين اللحظة المناسبة.
* وإلى هذا الحين فإن الخيار المطروح الآن هو العمل على اضطراب لبنان، والإبقاء على الخلافات بين المكونات السياسية والطائفية والمذهبية فيه.
* و"لإسرائيل" خبرات طويلة في هذا المجال:
* فلقد نجحت سابقًا في خلق بيئة معادية للمنظمات الفلسطينية هناك؛ مما أدى إلى الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975م.
* ولقد نجحت في تكرار التجربة مع سوريا مؤخرًا، فنجحت في خلق بيئة معادية للوجود السوري هناك.
* وبفضل الجهود الأمنية والمخابراتية "الإسرائيلية" داخل لبنان، بالإضافة إلى الجهود السياسية في المحافل الدولية والأمريكية والفرنسية، نجحت في إجبار السوريين على الانسحاب من لبنان.
* وبعد حرب 2006م نجحت كذلك في خلق بيئة داخلية معادية لحزب الله تستنزف قواه.
* وتعمل "إسرائيل" مع الولايات المتحدة يدًا بيدٍ لاختراق الساحة اللبنانية، وزرع الاختلالات فيها؛ مما يعمق النزاعات السياسية والمذهبية والطائفية، وقطع الطريق أمام تحقيق توافق فعلي.
وقبل أن نعرض نص المحاضرة، نراجع معًا ما جاء في وثيقتين صهيونيتين قديمتين حول لبنان:
* الوثيقة الأولى هي جزء من رسالة بعث بها ديفيد بن جوريون إلى موشى شاريت في فبراير عام 1954م؛ أي بعد قيام دولة الكيان بـ6 سنوات فقط؛ حيث لم تكن هناك مقاومة لبنانية، ولم يكن هناك حزب الله، ولم تكن هناك قوات فلسطينية أو سورية في لبنان، وقد جاء فيها:
"من الواضح أن لبنان هي أضعف حلقة في سلسلة الجامعة العربية.. فالأغلبية المسيحية في لبنان، لها تقاليد وحضارة تختلف كلية عن تقاليد وحضارة باقي بلاد الجامعة العربية.
وإنشاء دولة مسيحية هنا هو شيء طبيعي له جذور تاريخية، وسيلقى تأييد قوى كبيرة في العالم المسيحي سواء الكاثوليكي أو البروتستانتي. وهذا الأمر لا يكاد يكون في حيز الإمكان في الأيام الهادئة، أولاً لغياب المبادرة والجرأة من جانب المسيحيين؛ ولكن في وقت البلبلة والاضطراب والثورة أو الحرب الأهلية يتغير الوضع، فيقول الضعيف أنا بطل.
ومن الجائز.. أن هذه الساعة هي الساعة المواتية للعمل على إقامة دولة مسيحية بجوارنا، فبدون مبادرتنا ومساعدتنا الفعالة لن يتم الأمر. ويبدو لي أن هذه هي المهمة الرئيسية الآن أو على الأقل إحدى المهام الرئيسية لسياستنا الخارجية، ويجب بذل الإمكانات والوقت والجهد والعمل بجميع السبل التي من شأنها أن تؤدي إلى تغيير جذري في لبنان".
* والوثيقة الثانية حول لبنان أيضًا، نشرتها مجلة (كيفونيم) لسان حال المنظمة الصهيونية العالمية عام 1982م تحت عنوان "إستراتيجية إسرائيل في الثمانينيات"، بعد 28 عامًا من الوثيقة الأولى، وقبل 27 عامًا من الآن. ونشرناها نحن بعنوان: "الوثيقة الصهيونية لتفتيت الأمة العربية"، وقد جاء فيها عن لبنان ما يلي:
"إن تفتيت لبنان إلى خمس مقاطعات إقليمية يجب أن يكون سابقة لكل العالم العربي بما في ذلك مصر وسوريا والعراق وشبه الجزيرة العربية...".
"فلبنان مقسمة ومنهارة اقتصاديًّا؛ لكونها ليس بها سلطة موحدة، بل خمس سلطات سيادية: مسيحية في الشمال تؤيدها سوريا وتتزعمها أسرة فرنجية، وفي الشرق منطقة احتلال سوري مباشر، وفي الوسط دولة مسيحية تسيطر عليها الكتائب، وإلى الجنوب منها وحتى نهر الليطاني دولة لمنظمة التحرير الفلسطينية هي في معظمها من الفلسطينيين، ثم دولة الرائد سعد حداد من المسيحيين وحوالي نصف مليون من الشيعة".
نص المحاضرة في 4 سبتمبر 2008م
* استهل ديختر حديثه بالإشارة إلى أن الحرب اللبنانية الثانية 2006م لم تحقق الهدف الإستراتيجي المنشود في خلق بيئة سليمة تصالحية تجاه "إسرائيل" على غرار ما أعقب حملة سلامة الجليل 1982م، ووصف البيئة اللبنانية بأنها أكثر بيئة إقليمية تفرض التحدي الإستراتيجي على إسرائيل.
* بات معلومًا أن التحدي الذي يشكله حزب الله خطورة التحدي وتفاقم هذه الخطورة رغم ما أصاب حزب الله من ضرر وأذى خلال تلك الحرب يستدعي ويبرر استخدام كل الخيارات في مواجهة هذا التحدي.
* والسؤال الذي طرحه ديختر على نفسه: "أي مستقبل ينتظر هذه الخيارات؟ ثم ما حدود الحركة الإسرائيلية في ضوء تعاظم تحدي حزب الله؟".
* الإجابة قدمها ديختر على النحو التالي:
* خيار القوة، بعد أن جربنا خيار القوة لحسم خطر وتحدي حزب الله عام 2006م لا يعني أبدًا أننا سنطوي صفحة هذا الخيار؛ لأننا لم ننجح في جولة لا بد أن تعقبها جولات؛ لكن الجولات الجديدة يجب أن تدار وفق وضوح الهدف والتصميم على تحقيقه ووفق الكفاءة على مختلف المستويات لدى القيادة السياسية والعسكرية.
* نحن نقوم بكل ما تتطلبه تلك المواجهة على الجبهتين العسكرية والمدنية وستظل هذه الإجراءات والاستعدادات تتخذ بوتيرة عالية إلى أن تحين الساعة المناسبة.
* خيار العمل على اضطراب الساحة اللبنانية، والإبقاء على الخلافات بين المكونات السياسية والطائفية والمذهبية في لبنان، هنا سوف يتحدث ديختر عن أن لإسرائيل تجربة طويلة في التعامل مع هذه الساحة بمختلف الخيارات، من أهم عناوين هذه التجربة:
* جهود ناجحة في مختلف المستويات السياسية والأمنية والاستخباراتية لخلق بيئة معادية للمنظمات الفلسطينية تُوِّجَت باندلاع الحرب الأهلية عام 1975م.
أورد ديختر معلومات عن الدور "الإسرائيلي" بتنسيق سياسي وأمني مع قوى لبنانية عبر تزويدها بالسلاح بموافقة رئيس الوزراء آنذاك إسحق رابين ووزير الدفاع شيمون بيريز وضخ الأموال إلى تلك العناصر، وإقامة بنية استخباراتية في معظم المناطق اللبنانية.
* يستطرد ديختر قائلاً: (ثمة من لا يعرف أن المجهودات الإسرائيلية الأمنية والاستخباراتية في داخل لبنان، والسياسية في المحافل الدولية والأمريكية والفرنسية هي التي أجبرت السوريين على الانسحاب من لبنان مكرهين؛ لأنها ولدت بيئة لبنانية عدائية منافية للوجود السوري وللعلاقة مع سوريا لن تتوقف تداعياتها السلبية عند فترة زمنية محدودة).
* وجهود "إسرائيلية" سبقت وأعقبت الحرب الثانية على لبنان 2006م لخلق بيئة معادية ومحاصرة ومستنزفة لقوة حزب الله السياسية والعسكرية والنفسية.
* هنا راح ديختر يؤكد أن الحرب ضد حزب الله لم تتوقف بمجرد الإعلان عن وقف إطلاق النار؛ بل استمرت؛ ولكن من خلال خيارات ووسائل وأساليب أخرى، إسرائيل- كما يقول- كان عليها أن تستعيد حركتها، وأن تعيد لنفسها زمام المبادرة، ديختر أمسك عن الخوض في التفاصيل، مبررًا ذلك بأن المجهودات "الإسرائيلية" الحالية في لبنان هي امتداد للمجهودات السابقة؛ ولكي تحقق هذه المجهودات النتائج المرجوة علينا أن نبقي على تفاصيل ما قمنا به ضمن الأسرار العليا للدولة ما دامت المواجهة على هذه الساحة لم تحسم.
* ومما قاله (لا بد أن أشير إلى أني أتحمل المسئولية الكبرى في الحفاظ على الأسرار الإسرائيلية، وقد سبق لي أن حذرت وسائل الإعلام؛ بل كشفت الوزراء وأعضاء الكنيست الذين يسربون معلومات، واعتبرتهم أنهم لا يقلون خطرًا عن الإرهابيين والمخربين؛ لأن كشف هذه الأسرار يخدم أعداء إسرائيل).
* لا بد أن نذكر أن ديختر- ورغم حرصه على كتمان أسرار الدولة كما يدعي- تسربت خلال كلمات ومضمون محاضرته أمور لا تخفى عن العين الراصدة والعقل المستوعب لكل واردة وشاردة.
* من هذه الأمور أن إسرائيل تعمل- وبالتعاون مع الولايات المتحدة- على تعظيم قدرة البيئة المعادية لحزب الله وسوريا، وإيران في لبنان؛ لتكون قادرة على شن حروب استنزاف صغيرة تتسع وتتصاعد إلى مستوى إرباكه وخلخلته على الساحة اللبنانية؛ لأن هذا خيار من الخيارات المهمة والوسائل الفعالة التي نمارسها ضمن حركتنا في الساحة اللبنانية.
* نحن والولايات المتحدة نقيم تشكيلات ومعسكرات من فرق مختلفة يجمعها هدف واحد معنا ومع الولايات المتحدة، وهو التخلص من خطر حزب الله.
* وفي هذا الخصوص أذكر أمرًا مهمًّا وهو أن حركتنا في الجوانب الخلفية في الحرب السرية كخيار وكوسيلة من وسائل الحرب ضد حزب الله تسير بتسارع وتيرة الخيارات الأخرى.
ثم في ختام حديثه عن خيارات "إسرائيل" في الساحة اللبنانية أشار إلى:
* القوة العسكرية ستبقى الخيار الأكثر استخدامًا إذا كانت الخيارات الأخرى عاجزة عن تحقيق الهدف الإسرائيلي، لم يحاول ديختر أن يحدد سقفًا زمنيًّا للالتجاء إلى هذا الخيار لعلاقة هذا الأمر بالأسرار الأمنية والعسكرية.
* إن إسرائيل تجرب خيارات أخرى بالعمل مع الولايات المتحدة يدًا بيدٍ؛ لاختراق الساحة اللبنانية، وزرع الاختلالات فيها؛ مما يعمق النزاعات السياسية والمذهبية والطائفية وقطع الطريق أمام تحقيق توافق فعلي.
* لقد تحدث ديختر عن وجود معسكرين تتطلب عودتهما وتعظيم قوتهما في لبنان استعدادًا للدخول في مواجهة حاسمة، إضافة إلى مجهودات استخبارية إسرائيلية تَعَمَّد عدم الحديث عنها والبوح بالأسرار.
----------------