![]() |
|
البدوي عبد العظيم البدوي |
استمرارًا لمسلسل التخبط الشامل الذي تعاني منه الصحف المصرية الرسمية مؤخرًا، والذي لا يعبر عن نقد حر أو موضوعي؛ بل يعبر عن مدى الانحدار الذي وصلت إليه الصحافة في مصر تحت اسم حرية الصحافة والتعبير، فبمكالمة هاتفية تشتعل الحرب ضد أي شخص أو مؤسسة، أو حتى دولة، دون النظر إلى ما قد يكون لعواقب تلك الإساءات على البلاد أو العباد.
فتارة تكون الإساءة لأحد شرفاء فلسطين السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس بمجرد أن تم انتخابه لدورة جديدة لرئاسة مكتب حماس السياسي، وتارة أخرى تكون الإساءة لحرم أمير قطر تصريحًا لا تلميحًا؛ مما تسبب في اشتعال أزمة بين البلدين لم يكتوِ بنارها إلا أبناء الجالية المصرية العاملون في قطر، والتي ترددت أخبار عن إنهاء خدمات ما يقرب من ثلاثين ألف عامل مصري في مختلف التخصصات؛ مما يزيد من معاناتهم، نظرًا لعدم استعداد سوق العمل بمصر لاستيعابهم، ناهيك عن حرمان الاقتصاد المصري من تحويلات العملة الصعبة التي كانوا يرسلونها إلى مصر، وهم بذلك يتناسون أن القطارات التي يركبونها قامت قطر بشرائها لصالح مصر على سبيل الهدية بعد كوارث قطاع السكك الحديدية التي تعرضت لها مصر مؤخرًا في ظل حكومة الحزب الحاكم.
لذلك لم تكن الحملة المستعرة ضد الإخوان المسلمين إلا حلقة في تلك السلسلة، إلا أن تلك الهجمة لم تقف عند حد الهجوم أو الإساءات الإعلامية؛ بل امتدت إلى حملات الاعتقال التي شملت البلاد طولاً وعرضًا، وعدنا لمسلسل تلفيق الاتهامات والقضايا، وإغلاق المؤسسات الخاصة والشركات؛ حتى لو لم يكن للإخوان صلة بها بصورة تعبر عن حالة من الهستيريا والتخبط.
وطبعًا لا يوجد في قاموس أي من الصحف الحكومية ما يسمى (حقوق الإنسان، أو ديمقراطية، أو معارضة) فكل تلك المصطلحات حسب نظرهم يتوقف دورها عند الساحل الجنوبي للبحر المتوسط؛ حيث الشعوب التي تستحق تلك الحقوق وحتى تستحقها حيواناتها، أما بلادنا وشعوبنا فقد يفكر النظام ألف مرة قبل أن يذبح الخنازير التي قد تسبب كارثة للشعب المصري، إلا أنه لا يفكر- ولو مرة- في معاملة أبناء مصر بما يستحقون من احترام وآدمية.
إقصاء الآخر
إلا أن السبب الباعث على تلك الهجمة- في نظري- يكمن في تهمة كان النظام يوجهها للإخوان إلا أن الإخوان تبرءوا منها فعلاً وسلوكًا، وهي تهمة (إقصاء الآخر)؛ إلا أن النظام متمسك بها ويمارسها بمنهجية، مستغلاً كل مقدرات الدولة لإقصاء الآخر، فهو لا يطيق وجود معارضين له إلا خلف الأسوار، وفي مقدمتهم قوة المعارضة الرئيسية والمتمثلة في الإخوان المسلمين.
والغريب في الأمر أن بعض أحزاب المعارضة المصرية أيضًا لا تطيق أن يكون الإخوان بجوارهم في مقعد المعارضة، راضين بفتات الفتات الذي قد يُمَنِّيهم به النظام في مقابل المشاركة في إقصاء الإخوان، وتهميش دورهم في الحياة السياسية المصرية بدلاً من المشاركة في الحياة السياسية بفاعلية وقوة.
وإذا كنا نتحدث عن سياسة الإقصاء الممنهجة التي يتبعها النظام ضد الإخوان المسلمين والمعارضة المصرية الشريفة؛ فيكفي أن يكون العام القادم هو عام الانتخابات البرلمانية والانتخابات الرئاسية، وبالتالي عام الحسم والتغيير، أو بقاء الأوضاع على ما هي عليه بالنسبة للشعب المصري، يكفي ذلك السبب لكي تشتعل الهجمات الواحدة تلو الأخرى ضد الإخوان؛ حتى لا يستطيعوا المشاركة في تلك الانتخابات، وإذا قرروا خوضها يخوضونها وهم منهكون وبدون إعداد جيد، يعود بهم كما يرغب النظام ليجلسوا على دكة الاحتياطي؛ ليكونوا كالمتفرج الذي لا يأمل في المشاركة بالمبارة والتي سينفرد فيها النظام بأحزاب الهامش السياسي.
ولم تكن تلك الهجمة الإقصائية من النظام على الإخوان وليدة هذه الأيام؛ بل بدأت منذ الانتخابات البرلمانية الماضية وبصورة ممنهجة ومرتبة، ومنها ما تم إقراره من قوانين خلال تلك الفترة البرلمانية، وأشهرها إجراء الانتخابات بدون رقابة دولية على الانتخابات أو إشراف قضائي حقيقي عليها (والذي كان أحد تداعيات التعديلات الدستورية الأسوأ في تاريخ مصر السياسي) فقد ضاق النظام ذرعًا بلعبة الديمقراطية، وقرر أخيرًا أن يستريح ولكن بصورة (حلوة وشيك) وهي أن يكون إقصاؤه لمعارضيه بوسيلة ديمقراطية، وهي عبر صناديق الانتخابات التي تبدو زجاجية وشفافة إلا أنها في حقيقة الأمر وفي ظل وجود المندوب (موظف الحكومة) الضعيف أو الطامع، ورئيس اللجنة الطامح، يمكن أن تمتلئ في خمس دقائق وتغيير النتائج، ومع توافر جداول انتخابية لا يعلم ما فيها إلا الله (يرفض النظام ربطها بالسجل المدني لتُنقَّى من أسماء الوفيات) يمكن بقدرة قادر أن يتم إحياء الموتى، وإماتة الأحياء، ولله في خلقه شئون.
وليس التعديل التشريعي بحجب الإشراف القضائي على الانتخابات هو الإجراء الوحيد الذي تم؛ بل إن سلسلة من القوانين بعضها قد خرجت للنور، والأخرى على قائمة الانتظار في طريقها للخروج، ومنها قانون الإرهاب وتحديد النظام الانتخابي الأمثل الذي سوف تُجرى في ظله الانتخابات و... و...
في حقيقة الأمر هناك ثابت وحيد ومؤكد في كل تلك الهجمة على الإخوان المسلمين هو أن الإخوان لم يتخلوا يومًا عن دورهم الوطني في قيادة الأمة نحو التغيير والإصلاح، وأن رِهان النظام على تخلي الإخوان عن ذلك الدور الإصلاحي بفعل الهجمات المتتالية عليهم من الداخل والخارج، ومحاولات النظام الإساءة لرموز الإخوان ومنهجهم هو رهان أثبت فشله في مرات كثيرة لا تعد.
وإذا كان من ثوابت أخرى بعد ذلك فستكون هي خسارة النظام لمشروعيته يومًا بعد يوم؛ مما يفقده لشرعيته الدستورية في الحكم سواء الشرعية في الداخل أو أمام الشرعية الدولية باعتباره نظامًا لا يلتزم بمعايير الديمقراطية أو الشفافية وحقوق الإنسان؛ مما يجعله نظامًا هشًّا ومحلاًّ لضغوط من الدول الأخرى وفي النهاية سيكون الخاسر الأكبر هو مصر نفسها.
وفي النهاية فإن المعارضة المصرية بالكامل سوف تخسر إن لم تتكاتف، وتوحد جهودها، وتقف مع الشعب مستشعرة معاناته وعذاباته التي تسبب فيها النظام بتآمره على المعارضة وخرق صفوفها؛ حتى لا تستطيع تشكيل جبهة قوية تقوى على مواجهة الاستبداد السياسي للنظام والذي تسبب في كل الانهيارات التي شهدتها مصر خلال الفترة الأخيرة.
والسؤال الذي يطرح نفسه: إذا كان الإخوان المسلمون يقفون أمام النظام دون أن ينظروا لمصالح ضيقة محدودة على حساب رجل الشارع البسيط، وإذا كان الإخوان المسلمون يرفضون باستمرار كل محاولات النظام في الالتفاف على المعارضة المصرية والحيلولة بينها وبين تشكيل جبهة موحدة ضد النظام الذي كرَّس وحمى الفساد حتى استوطن وباض وفرخ في مصر، فهل تستطيع باقي قوى وأحزاب المعارضة في مصر أن ترتفع عن مصالحها المحدودة، وتنظر لمصلحة مصر التي هي فوق الجميع، وتفوت على النظام محاولاته؟.. هذا ما سوف تجيب عنه الأيام.
