فضحت منظمة حقوقية صهيونية خطة حكومية سرية لمحاصرة القدس القديمة وتحويلها إلى "مملكة توراتية" بالتعاون مع جمعيات استيطانية تهدف إلى إحباط أي تسوية مستقبلية لجوهر الصراع؛ حيث أفادت جمعية "عير عميم" في تقرير مفصَّل لها أمس الإثنين بأن الخطة السرية تهدف إلى تأمين هيمنة صهيونية في القدس المحتلة تهتدي بأيديولوجية اليمين المتطرفة من خلال 9 "حدائق وطنية تاريخية" تؤدي إلى تغيير حادٍّ في الواقع الراهن للمدينة لتغيير معالمها بالكامل.
وتنبِّه الجمعية إلى أن الخطة المذكورة تنسجم مع خطة أخرى صادقت عليها بلدية القدس في نوفمبر 2007م تحمل رقم 11555، ترمي إلى محاصرة الحوض التاريخي للقدس القديمة، وفرض الهيمنة اليهودية عليها، وسط عمليات تغيير هوية المنطقة وإقصاء السكان الفلسطينيين عنها.
كما يؤكِّد التقرير أن الخطة الحكومية أُعدَّت سِرًّا على يد ديوان رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت، ويوضح أنها تدلل على عمل الحكومة ومنظمات المغتصبات كجسم واحد؛ من أجل إنشاء "مملكة توراتية" تربط بين جبل المكبر وسلوان في الجنوب ورأس العمود وجبل الزيتون في الشرق وبين الشيخ جراح في الشمال.
ويشكِّل حي سلوان الساحة المركزية في المعركة على مستقبل القدس وهويتها، فهو يتعرض منذ سنوات للتهويد وتهجير سكانه العرب، وتتضمن الخطة بناء نفق تحت سلوان وإقامة "تلفريك" يصل إلى حي الزيتون أو أبو طور، علاوةً على شبكة أنفاق أسفل الأحياء القديمة والحرم القدسي الشريف.
ويستذكر التقرير قرارًا حكوميًّا صدر في أغسطس 2005 بتكريس 50 مليون شيكل سنويًّا بما يعادل 12.2 مليون دولار لتطوير وصيانة القدس القديمة، يكون مصدرها الحكومة وجهات يهودية عالمية، في حين أسندت عمليات التنفيذ لسلطة تطوير القدس.
وتشير "عير عميم" إلى أن سلطة تطوير القدس قدمت في سبتمبر الماضي تقريرًا لديوان رئيس الحكومة عن تطور وسير المشروع، وتنبِّه إلى أن ما تنشره اليوم يكشف عن الملامح الكاملة للمشروع الاستيطاني الحكومي في القدس المحتلة.
وتتابع أنه جاء في التقرير أن هدف المشروع خلْق تواصل جغرافي لحدائق تقوم على مواقع تاريخية يهودية تحيط بالمدينة؛ بهدف تعزيز مكانتها كعاصمة للكيان الصهيوني.
وتقول الجمعية الصهيونية التي تأسست عام 2004 وتُعنى بموضوع القدس والتصدي لسياسات الاحتلال إن "الحدائق التوراتية" تكشف عن المفهوم الصهيوني للحدود النهائية للقدس، وعن رغبة الاحتلال في تكريس سيطرته عليها وتوسيعها لتتحد والمغتصبات المحيطة بها، وتضيف الجمعية أن تقرير سلطة تطوير القدس يتجاهل المواقع الإسلامية ويذكر بشكل عرضي مؤسستين مسيحيتين، ويوضح أن الحدائق تقوم على أراضٍ عامة وخاصة ودون تراخيص بناء.
كما تشير إلى أنه على الرغم من انعكاساتها الخطيرة ظلت الخطة التوسعية التي تحظى برعاية وصلاحية رئيس الحكومة طي الكتمان دون شفافية ونقاش جماهيري؛ وسط تغييب الحقائق عن رؤساء الكنائس والوقف الإسلامي وعن الصهاينة والفلسطينيين.
ويؤكد المحامي دانئيل زايدمان من "عير عميم" أن ذلك يعني أن الخطة الرسمية هذه تقيد احتمالات تسوية في القدس لأجزائها الشمالية والجنوبية فحسب، وأكد زايدمان أن السياسات الاستيطانية الصهيونية تؤجج الصراع وتحوِّله من نزاع قومي يمكن السيطرة عليه وحلّه إلى نزاع ديني عديم الأمل.
وتابع أن هذه الخطة تنطوي على انعدام مسئولية خطير؛ فتسليم المفاتيح لجهات يمينية متطرفة في منطقة حساسة في قلب الصراع الصهيوني الفلسطيني حماقة تحمل قدرةً على اشتعال حقيقي.
وذكر أن الخطة تشكل خطواتٍ غير مسبوقة ستُحبط كل تسوية مستقبلية، وتضع علامة سؤال مقلق حيال حقيقة نوايا حكومة الكيان عندما التقت وستلتقي الجانب الفلسطيني حول مائدة المفاوضات السياسية.
وأوضح مدير مركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية زياد الحموري أن الاحتلال باشر إخراج أجزاء من مخططه المذكور إلى حيِّز التنفيذ؛ بحجة تطوير السياحة للجميع، في حين ينتظر الجزء الأخير استكمال أمور إجرائية أو إخلاء المقدسيين كما في حي سلوان.
وأوضح أن السلطة الفلسطينية عاجزة عن مواجهة خطة تهويد القدس، لا سيما أنها مقيدة باتفاقات أوسلو التي تحُول دون تدخلها بما يجري في القدس، وتابع أن على العرب والمسلمين والفلسطينيين ممارسة ضغوط حقيقية على الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لوقف انتهاكات الكيان هذه بدلاً من استجداء السلام معها.