لم يتبقََ أمام المقدسيين من خيار في مواجهة سياسات التهويد والتدمير والتهجير التي تنتهجها الحكومة الصهيونية بحقهم وبحق المدينة المقدسة وبيوتهم وفي ظل الصمت العربي المريب؛ سوى المزيد من الثبات والصمود.

 

 لقد رسم المقدسيون منذ بدء الاحتلال الصهيوني للقدس في حرب يونيو من العام 1967م، صورًا متعددةً للصمود والثبات في وجه الجماعات الصهيونية، التي تسعى إلى مزيد من التهام وابتلاع الأراضي وإزالة العمران الإسلامي والعربي، بحججٍ لا تنتهي كالبناء غير المرخص أو البناء على أراضٍ أثريةٍ وادِّعاء أنَّ تلك البقعة مِلك عام.

 

معركة البقاء والوجود والصراع على الأرض في مدينة القدس المحتلة ليست وليدة اليوم، فمنذ بداية الاحتلال الصهيوني للقدس عام 1967م، والسلطات الصهيونية والجماعات الاستيطانية، تؤازرها بلدية الاحتلال، تسعى إلى المزيد من الاستيلاء على الأراضي وتهجير سكانها.

 

وفي الآونة الأخيرة أعلن الصهاينة تصعيدًا مفتوحًا وشرسًا للحرب على القدس من كافة الجبهات، وعلى مختلف المستويات الرسمية والدينية؛ في المدينة المحتلة، وفي أحيائها ومنازلها ومسجدها المبارك، ومختلف قطاعاتها الاقتصادية والتعليمية والصحية والثقافية والاجتماعية، وقوبلت هذه الحرب بمزيدٍ من الثبات والصمود لدى المقدسيين.

 

وتستعد الجماعات اليهودية المتطرفة، وخاصة التي تنشط في الاستيلاء على منازل المواطنين المقدسيين في البلدة القديمة ومحيطها وبلدة سلوان المجاورة، لتنفيذ العديد من مخططاتها الخطيرة، لاستهداف كل ما هو فلسطيني في مدينة القدس، وخاصةً المسجد الأقصى المبارك.

 

وكان آخر حلقات هذا المسلسل، إصدار بلدية الاحتلال في القدس الشريف لأوامر هدم لأكثر من 88 منزلاً في حي البستان في منطقة سلوان، تسكنها أكثر من 150 عائلة، تضم أكثر من 1500 فلسطيني، مصيرهم بات مجهولاً، ففي أي لحظة قد يُهدم البيت، ويصبحون في الشارع بلا مأوى!!.

 

في المقابل يعيش المقدسيون أسمى سمات التكافل الاجتماعي، ويشد بعضهم أزر البعض ليبقوا صامدين مجددين ثباتهم، وتشبثهم بشعار "لن نرحل، فالقدس حياتنا وهواؤنا ولن نتركها".

 

ففي حي البستان إلى الجنوب من المسجد الأقصى المبارك، نُصبت عدة خيام.. بين البيوت والأزقة، تعبيرًا عن رفضهم لسياسة تهجير السكان ورمزية البقاء حتى ولو في الخيام.. عقيدة الصمود لن ترحل حتى لو تغير الزمن، وبقي أهالي القدس المحتلة وحدهم في الميدان، فعقيدتهم لن تُكسر وسيبقون مهما صار.

 

أصحاب حق

 الصورة غير متاحة

الترميم مظلة الصهاينة لهدم القدس

(إخوان أون لاين) التقى أهل القدس الشريف، وقالت الحاجة منى حسام وهي من سكان الحي المهدد بالتدمير: "لن نزداد إلا قوة، ولن يستطيع الاحتلال كسر إرداتنا، فنحن أصحاب حق في هذه الأرض الطاهرة.. رويناها بدماء أجدادنا وآبائنا وأبنائنا، وسنرويها بدماء أطفالنا".

 

وتضيف الحاجة منى أنَّ جميع العائلات في حي البستان تعيش أسمى صور التضامن والتكافل لإفشال جميع المخططات الصهيونية، مضيفة بلكنةٍ عاميةٍ: "لو على جثثنا لن نرحل ونترك لهم أرضنا وحياتنا".

 

 نموذج آخر لأهالي البستان، هو الحاج موسى عودة.. يملك بيتا مساحته 110 مترًا مربعًا، ويعيش فيه مع أسرته المكونة من 7 أفراد.. الأسرة يتملكها الخوف والقلق من المصير المجهول في حال هدم البيت في أي لحظة ومن دون سابق إنذار.

 

وقال عودة وقد تجسدت على وجهه ملامح الصمود: "من المستحيل أنْ أترك بيتي وأسمح لهم بهدمه، سأبقى فيه، ولْيَهْدِمُوه على رأسي.. سأظل فيه ولن أغادره، وسأسلمه- حتى لو قتلوني- لأبنائي المسلمين، كما سلمني إياه والدي وأجدادي".

 

وبَيَّنَ عودة أنَّ أهالي الحي ينصبون الخيمة التي يعتصمون بها على القرار الجائر القاضي بتحويل حَيِّهِم إلى مُتَنَزَّهٍ.

 

ويشير أبو أحمد رمزي، إلى أنَّ الأهالي صابرون ومرابطون في القدس والمسجد الأقصى قائلاً: "ليهدموا بيوتنا، سنبنيها مرة أخرى في حال تهدمها، وسنقيم الخيام، ولن نخرج منها وسنجعلها مركزًا لعددٍ من الأنشطة الثقافية، مع انطلاق القدس عاصمة الثقافة العربية من حي البستان".

 

ويضيف لـ (إخوان أون لاين): "سنبقى بالقدس، ندافع عن أرضنا وشرف أمتنا العربية والإسلامية"، مشيرًا إلى أنَّ مبررات الاحتلال لهدم البيوت "واهية وسخيفة".

 

وقاطَعَنا أحد المواطنين قائلاً: "حاول الاحتلال معنا بكل الطرق أنْ يقنعنا بترك بيوتنا، على أنْ يقوم بتعويضنا، أو أنْ يشتري منا البيوت في حي البستان، إلا أنَّنا رفضنا.. نرفض بيع بيوتنا لليهود، وسنبقى في أرضنا إلى أنْ نموت فيها، أو نزيحهم عنها.. حتى ولو هَدَمُوها فسنفترش الأرض، ونلتحف السماء!!".

 

وتتربص وزارة الداخلية الصهيونية عن طريق مكتبها الكائن في القدس للمراجعين لها يوميًّا بخصوص المعاملات اليومية المختلفة؛ حيث ترغم العرب منهم على مغادرة المدينة قَسْرًا، في "ترانسفير هادئ"، يتم من خلاله فصل القدس عن مواطنيها، وفصل أبناء الأسرة الفلسطينية عن بعضهم البعض، لتتعقد المأساة وتكتمل فصول المؤامرة.

 

مرابطون

 الصورة غير متاحة

عائلة فلسطينية تعرض منزلها للهدم

الشيخ أحمد، وهو أحد سكان مخيمات القدس، أخرجوه من بيته الذي يسكنه من 14 سنة، بحجة أنَّه غير صالح للسكن، يقول: "تبني ممنوع, رخصة تصليح البناء ممنوع.. كل شيء ممنوع!!".

 

في الوقت الراهن تُسحَب الهوية المقدسية لمن يسكن خارج حدود البلدية، ثم تُسحب منه حقوق المواطنة.. سياسة تتفنن في صنع أزمة السكن، وتعقيد حياة المقدسيين؛ علهم يهاجرون من تلقاء أنفسهم!!

 

في إحدى زوايا المخيم كانت زوجته كوثر تضع كفيها على وجنتيها وتجلس شاردة الذهن، ثم قالت بلهجة غاضبة بلهجتها الشامية: "لو إنو شو ما يصير مبطلعش من القدس أبدا.. هاي بلدنا والقدس قدسنا", مؤكدةً أنَّها ستتحمل العيش في المخيم في سبيل البقاء في أرضها، وإعادة بناء بيتها المدمر مضيفة: "سنعلِّم أولادنا الصبر والصمود والتمسك بالأرض والقدس".

 

يقول أنس الصغير, فتى مقدسي مقيم في المخيم: "أعيش هون في خيمة، وأشوف الأقصى كل يوم، ولا أروح أسكن بقصر ماأششوفش الأقصى منو".

 

وعلى الرغم من أجواء البرد وسياسة الاستفزاز التي تمارسها قوات الاحتلال الصهيوني لا زالت المواطنة الفلسطينية أم كامل الكرد تُصرُّ- وبكل قواها- على الصمود والتحدي في خيمتها التي شيدتها عقب طردها من منزلها بحي الشيخ جراح في القدس الشرقية، قبل نحو أربعة أشهر.

 

ويسعى الاحتلال جاهدًا وباستمرار لمحاربة أم كامل في خيمتها، التي أضحت مزارًا لآلاف المقدسيين والمتضامنين الفلسطينيين والأجانب، الذين يأتون لدعم صمود أم كامل وتثبيتها على موقفها.

 

وأم كامل فلسطينية مقدسية أبعدها الاحتلال عن منزلها قسرًا، بعد أنْ ادَّعى أن الأرض التي يقام عليها تعود ملكيتها ليهود، وهو ما أثبتت وثائق عثمانية أصلية كذبه، فلجأت أم كامل لتشييد خيمةٍ على بعد مائتي متر من منزلها في محاولةٍ منها لمحاربة الاحتلال، وللضغط بكل الطرق لاستعادة المنزل.

 

وتؤكد أم كامل أنَّ الخيمة، والتي تطلق عليها اسم "خيمة الصمود.. أم كامل"، جاءت للتعبير عن معاناتها بشكلٍ خاصٍ، وعن معاناة أهالي القدس الفلسطينيين الذين يُطردون من منازلهم وتُهدم أمام أعينهم بحججٍ مختلفةٍ، تؤدي في مجملها لفرض سياسة الأمر الواقع الصهيونية بالعنصرية والتطهير العرقي.

 

وتقول : "الأرض التي يقام عليها منزلي تسمى بكرم الجاعوني، ولكن "إسرائيل" زورت أوراقًا مختلفة، وادعت أنَّ الأرض لليهود، ولكن الحقيقة هي أنَّ اليهود ليس لهم منها سوى اللقب".

 

وتشير إلى أنَّ سلطات الاحتلال أخطرتها مرة واحدة قبل عدة أشهر بضرورة مغادرة منزلها، وأنَّها عندما رفضت اقتحم منزلها مئات من جنود الاحتلال المدججين بالأسلحة والعتاد والكلاب البوليسية، وقاموا بطردها من منزلها ليلاً في العراء والبرد الشديد، ولم يراعِ جنود الاحتلال ظروف زوجها الصحية، الذي أصيب بسكتةٍ قلبيةٍ وتوفي إثر ذلك.

 

وتضيف أنَّ سلطات الاحتلال لم تنتظر حتى إحضار الوثائق العثمانية التي تثبت ملكية عائلة الجاعوني لهذه الأرض، من تركيا، والتي وصلتها بالفعل قبل 15 يومًا، وتثبت أن الأرض عربية، وليست يهودية "فقامت بطردي، وأغلقت جزءًا من المنزل وأسكنت "المستوطنين" بالجزء الآخر".

 

وتقول: "قبل أنْ يطردوني من منزلي، عرضوا عليَّ مبالغ ضخمة، كان آخرها ما قدمه وزير السياحة السابق بن أيلون والذي أوصل المبلغ إلى 15 مليون دولار، ولكني رفضت".

 

وتصف معاناتها في خيمتها، من جراء ما تواجهه من اقتحاماتٍ يوميةٍ من قِبَلِ الشرطة الصهيونية والاعتداءات التي تقع عليها، ومحاولات اقتلاع الخيمة التي تجاوزت خمس مرات حتى الآن، مدَّعين أنَّ هذه الخيمة مخلة بالنظام ويجيئها زوار، تعدهم السلطات الصهيونية "إرهابيين"، من حركة حماس وغيرها (!!)، كما أنَّها تُخلُّ بمنظر المدينة العام!

 

وترى أم كامل أنَّ خيمتها "مسمار في عنق الصهاينة" الذين سلبوها منزلها، وأنَّها صارت وسيلة فعالة وجيدة في تضامن المقدسيين والفلسطينيين، ومكانًا لهم للتعبير عن رفضهم للاضطهاد الصهيوني، وبينت أنَّها تسكن وستة آخرون من أسرتها بالخيمة، وأنَّ أعدادًا ضخمةً من المتضامنين والزائرين يتوافدون على الخيمة يوميًّا؛ حيث يزورها أكثر من ألف شخص يوميًّا في بعض الأحيان.

 

صلاة الجمعة المقدسية

ويجد الفلسطينيون في مدينة القدس في صلاة يوم الجمعة من كل أسبوع فرصة للتعبير عن خشيتهم وقلقهم من خطورة الهجمة الشرسة وغير المسبوقة التي يشنها الاحتلال حاليًا بأذرعه المختلفة، وفي مقدمتها بلدية الاحتلال في القدس، على المدينة وسكانها، وعلى وجودهم المتجذِّر منذ مئات السنين في مدينتهم المقدسة.

 

 الصورة غير متاحة

خريطة توضح الحفريات الصهيونية تحت المسجد الأقصى ومحيطه

ويترجم المقدسيون رفضهم المُطلق لسياسات اقتلاعهم، واستهداف عقاراتهم وأحيائهم التاريخية، ومقدساتهم؛ من خلال المشاركة في الفعاليات الشعبية الاحتجاجية الرافضة لكل هذه المخططات، سواءً كان ذلك في خيام الاعتصام، التي أخذت تنتشر في كل حيّ مقدسي، وباتت رمزًا للصمود والرّفض الحازم لسياسات الاحتلال القهرية والعنصرية، أو في المشاركة في العديد من أوجه الاحتجاج والرفض، والانخراط في المسيرات والمشاركة في الاعتصامات وغير ذلك، من خلال أي فُسحة يجدها المقدسي للتعبير عن رفضه لسياسة التطهير العرقي التي يمارسها الاحتلال ضده.

 

ولذلك باتت صلاة الجمعة مناسبة تستدعي آلاف المواطنين المقدسيين من مختلف أحياء وبلدات وتجمعات السكان في المدينة، للتجمع في رحاب المسجد الأقصى المبارك، والاستماع لخطبة الجمعة، التي عادة ما تتجاوز كل الحدود والخطوط الحمراء التي يحاول الاحتلال الضغط على أئمة وخطباء المسجد الأقصى للالتزام بها، من جهة عدم تناولها لأي قضية محلية أو عربية إسلامية قد تثير المُصلين.

 

وأبرز هذه الخطوط الحمراء، ما يتعلق بسياسات استهداف المسجد الأقصى والقدس الشريف والمجازر الدموية في قطاع غزة، وسياسات هدم المنازل وحفر الأنفاق في القدس المحتلة، وغيرها، وباتت خطبة صلاة الجمعة في المسجد الأقصى المبارك بمثابة بيان سياسي يُعبّر عن رأي الشارع المقدسي خاصة، وعن الموقف الفلسطيني على وجه العموم.

 

وفي النهاية، فإنَّ هجمة الاحتلال الصهيونية الحالية، غير المسبوقة على القدس ومنازلها وسكانها، حرّكت الشارع الفلسطيني في القدس، على أمل أنْ يتحرك الشارع الرسمي والشعبي العربي والإسلامي، وأنْ يخرج المجتمع الدولي عن صمته المُريب، لِلَجْمِ الاحتلال، ومنعه من المُضي في تنفيذ مخططاته الكارثية، في الوقت الذي يؤكد فيه فلسطينيو القدس أنَّ قدرهم أنْ يكونوا طليعة الأمة في الذَّوْد والدفاع عن القدس، والمسجد الأقصى، والمقدسات، والأحياء التاريخية، والوجود العربي الفلسطيني.