أعلنت قيادة الجيش التركي في بيانٍ لها أنَّ قوات برية تركية وسورية ستبدأ اليوم- وللمرة الأولى في تاريخ البلدين- تدريباتٍ عسكريةً مشتركةً عبر حدود البلدين، وهو ما حمل وزير الحرب الصهيوني إلى التعبير عن "قلقه وانزعاجه" إزاء هذا التطور في العلاقات بين تركيا وسوريا، وفسره مراقبون أنَّه رد فعل لمخاوف صهيونية من تراجع وجودهم في المؤسسة الأقوى التي تؤيد العلاقات بين تركيا والكيان الصهيوني.

 

وجاء في بيان قيادة الجيش التركي أنَّ التدريبات التي تستمر ثلاثة أيام "تهدف إلى تعزيز التعاون بين قوات حرس الحدود في كلا البلدين، ورفع قدرات قوات حرس الحدود في تركيا وسوريا على التدرُّب والعمل المشترك" وفق ما نقتله وكالة (نوفوستي) الروسية للأنباء.

 

وكان وزير الدفاع السوري العماد حسن تركماني قد وصل أمس الأحد إلى مدينة إسطنبول؛ حيث يلتقي نظيره التركي وجدي جونول، وعددًا من المسئولين العسكريين من الدول المشاركة في معرض الصناعات العسكرية الدولي التاسع "إيديف 2009" الذي يقام في الفترة من 27 إلى 30 أبريل الحالي.

 

وفي رد فعل أولي للكيان الصهيوني، قال وزير الحرب إيهود باراك في تعليقه على هذه الأنباء: إنَّها "تعد مصدر إزعاج لإسرائيل"، بينما أعربت مصادر أمنيةٌ صهيونيةٌ عن قلقها لإجراء هذه التدريبات، بين دولة توصف بأنها حليف للكيان الصهيوني وأخرى تعتبر من ألدِّ خصومها.

 الصورة غير متاحة

 المناورات أثارت قلق باراك

 

وقال باراك في تصريحاته التي نقلتها الإذاعة الصهيونية: "العلاقات الإستراتيجية بين (إسرائيل) وتركيا أقوى من أي مناورات كهذه، إلا أن المصلحة العليا (الإسرائيلية) تقضي بالتوصل إلى تسوية مع كافة الدول المجاورة لها؛ بما فيها سوريا، مع الحفاظ على المصالح الحيوية (الإسرائيلية)".

 

ويراقب الكيان الصهيوني عن كثبٍ تطور العلاقات التجارية والســـياسية والدبلوماسية بين سوريا وتركيا، إلا أنَّ التطور الأخير في العلاقات بين البلدين في مستواه العسكري، كان غير متوقعٍ، وأوضحت مصادر صهيونية أنَّ الجيش التركي يستخدم الكثير من أنواع الأسلحة والمعدات الصهيونية، بما في ذلك أجهزة سيطرة ومراقبة كالطائرات من دون طيار وما شابه.

 

وقالت رئاسة الأركان التركية إن التدريبات التي تبدأ اليوم ستستمر ثلاثة أيام، من أجل تعزيز الصداقة والتعاون والثقة بين القوات البرية في البلدين الجارين، وزيادة تعاون قوات حرس الحدود في البلدين في مجال التدريب والعمل معًا.

 

وتشترك تركيا العضو في حلف شمال الأطلنطي (الناتو) مع سوريا في الحدود الواقعة عند الجنوب الشرقي لتركيا؛ حيث تسكن غالبية كردية، وستجري المناورات في المنطقة الممتدة من يوكسيك، تبّة في محافظة كيليس التركية إلى منطقة سامارين عزيز في سوريا.

 

مخاوف صهيونية

وفي القاهرة رأى مراقبون أنَّ هذه التطورات المفاجئة في العلاقات السورية- التركية تعتبر امتدادًا للسياسات التي تتبناها حكومة رئيس الوزراء التركي رجب أردوغان منذ تولي حزبه (العدالة والتنمية) ذي الجذور الإسلامية في تركيا؛ الحكم في البلاد منذ مطلع الألفية الجديدة، والتي سعت إلى الموازنة في علاقات تركيا الإسلامية والعربية الإقليمية من جهةٍ، ومع الكيان الصهيوني من جهةٍ أخرى، ومحاولة تفتيت الإرث الذي تركه حكم الأحزاب العلمانية في تركيا.

 

ويؤكد المراقبون أنَّ التوجه التركي لدعم العلاقات مع سوريا، لم يشمل الجانب العسكري فحسب، بل شمل ملفات أخرى شديدة الحيوية؛ من بينها التوسط فيما بين دمشق والكيان الصهيوني في جولات التفاوض غير المباشر التي دامت طيلة العام الماضي، وكذلك لعب دورًا في التوسط بين فصائل المقاومة الفلسطينية المقيمة في سوريا، وبين الكيان الصهيوني فيما يخص التهدئة وتبادل الأسرى.

 

وتراجع مستوى التعاون (التركي- الصهيوني) منذ تولي العدالة والتنمية الحكم في أنقرة، وتدهورت العلاقات، ولكن من دون الوصول إلى مستوى قطع العلاقات بين الطرفَيْن، على خلفية العدوان الصهيوني الأخير على قطاع غزة، والذي استمر في الفترة ما بين 27 ديسمبر وحتى 18 يناير الماضيين، وأدى إلى استشهاد ما لا يقل عن 1500 فلسطيني، وإصابة نحو 5200 آخرين.

 

 الصورة غير متاحة

أردوغان أظهر رفضًا قويًّا للجرائم الصهيونية في غزة

إلا أنَّ رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان أعلن من طرفه وقف وساطة تركيا بين دمشق والكيان الصهيوني، كما طالب بمحاكمة قادة الكيان الصهيوني أمام المحاكم الدولية على الجرائم المرتكبة في غزة.

 

وغادر أردوغان منتدى دافوس في فبراير الماضي غاضبًا؛ احتجاجًا على عدم منحه الفرصة للرد على تبريرات الرئيس الصهيوني شيمون بيريز للعدوان على غزة.

 

وقال خبير عسكري مصري على ارتباطٍ بالشأن التركي، إنَّ القلق الصهيوني الذي عبر عنه باراك، يعود إلى أنَّ المؤسسة العسكرية التركية باتت الباب الوحيد للعلاقات بين الكيان الصهيوني وتركيا في الوقت الراهن، وابتعادها- أي المؤسسة العسكرية التركية- عن مسار التحالف التركي الصهيوني التقليدي الذي أرساه حزب الشعب التركي العلماني خلال عقودٍ من الحكم في تركيا، يعني بدء تركيا في الابتعاد تدريجيًّا عن علاقاتها الوثيقة السابقة مع الكيان الصهيوني.

 

وأضاف الخبير أنَّ المخاوف الصهيونية في هذا الأمر في محلها من وجهة نظر الكيان الصهيوني، مع فقدانه عمقه الإستراتيجي في العالم العربي الإسلامي؛ حيث بات الكيان محاصرًا من كافة حدوده ومن البلدان التي تقع وراء بلدان الطوق، باستثناء الأردن ومصر، ومعنى انسحاب تركيا من تحالفها الإستراتيجي "لا، بل وتدعيم تحالفها مع الخصم اللدود "للكيان"، وهو سوريا، يعني زيادة نطاق الحصار حول العدو الصهيوني".