شهدت فعاليات مؤتمر المسجد الأقصى والقدس بإسطنبول يوم السبت عَقْد 3 جلسات شاملة لمحاور رئيسة؛ تتعلق بتاريخ المسجد الأقصى بين الأمس وحاضره، وما يدور اليوم على أيدي قوات الاحتلال، والأنشطة التخريبية والتهويدية التي تجري بالقدس الشريف؛ لإفراغها من المسلمين، وتحويلها لمدينة يهودية كاملة، وكذلك لمراقبة دور المجتمع الدولي في إنقاذ المسجد من خطة التهويد التي تقوم بتنفيذها المنظمة الصهيونية العالمية.

 

وخصِّصت الجلسة الأولى لمحور  بعنوان "المسجد الأقصى بين الأمس واليوم، وقدَّم لها الشيخ رائد صلاح رئيس الحركة الإسلامية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ فقال إن المسلمين عبر التاريخ خدموا القدس، بدءًا من الخليفة عمر رضي الله عنه وحتى السلطان العثماني عبد الحميد الثاني.

 

وأضاف أن الحفريات تحت الأقصى بدأت بمطلع القرن الثامن عشر، بمحاولة الصهيونية توجيه نتيجة بحث آثاري نحو هدفهم بالقدس واستمرت الاعتداءات حتى تاريخ 11/6/1997 بتدمير متعمد لحارة المغاربة، والجرافات مستمرة لليوم، ويدَّعون أن عاصفة ثلجية هدمت الحجارة، لكن شهود عيان أكدوا قيام جرَّافة بالهدم مستغلة وقوع عاصفة ثلجية، وخُلوّ المكان من الناس، وتم الكشف مؤخرًا عن خرائط عبرية تؤكد هدفهم في إزالة طريق درب المغاربة؛ لعزل القدس عن محيطها.

 

القرآن والقدس

في كلمته للمؤتمر تحدث د. رائد فتحي من مركز الدراسات المعاصرة بفلسطين عن موقف القرآن الكريم من المسجد الأقصى والقدس بتأكيده أن الأرض المباركة والبلدة الواردة بآياتة هي بيت المقدس، وآيات القرآن المتعلقة بالمسجد الأقصى والقدس تكذِّب بقوة كل ادعاءات المحتل واستخفافاتة بالعقول؛ بادعائه عدم اهتمام المسلمين بالقدس ومسجدها إلا في أوقات متأخرة؛ لقناعة المسلمين بعدم وجود حق لهم فيه.

 

ونوّه برأي لمهندس غربي يقول إن تكبير الكعبة عشرين مرة ينطبق على مساحة المسجد الأقصى بنسبة 5. 98%، مذكرًا الحضور بأن القرآن خصَّص أكثر من 30 آية لهما، وأحاديث الرسول عنها صحيحة، وواقعة الإسراء والمعراج ثابتة بالقطع والدلالة، مختتمًا بقوله: القدس مِنَّا، ونحن منها، ونحن باقون وصامدون ما بقي الزعتر والزيتون.

 

وقال مصطفى أوزجان باحث صحفي بجريدة (يني آسيا) في ورقة بعنوان "مكان ووضع المسجد الأقصى" نعم.. القدس همزة الوصل بين السماء والأرض، وهي مركز الأرض فعلاً، وعلينا عدم الوقوع في التباس رواية تاريخية، تقول إن عُمر حين جاء للقدس لم يكن بها سوى أنقاض، ويقصدون أنقاض معبد سليمان المزعوم، وقال إن من بنى المعبد هما داود وسليمان عليهما السلام، ومن بعدهما جاء عيسى عليه السلام، ورسولنا قال "أنا أولى بهم جميعًا"؛ لذا فالقدس مسألة معنوية، والأقصى هو مكان ترابط أصحاب الرسالات، والمسلمون هم الورثة معنويًّا لداود وسليمان، ونظرًا لوجود مغالطات يرددها البعض بتركيا حول مكان المسجد الأقصى؛ نوَّه أوزجان بضرورة أن يتراجع هذا الفريق عن ادعاءات كون المسجد الأقصى ليس على الأرض بل بالسماء، كما يدّعي سليمان آطش، وجعفر مرتضى العاملي (كتاب بحار الأنوار) وأن يدركوا أن الصهاينة يستخدمون مثل هذه الادعاءات كأدلة ضد الحقوق الإسلامية.

 

الدكتور أكرم العدلوني بمؤسسة القدس العالمية عرض خطة من 5 نقاط ترمي إلى تدعيم صمود المقدسيين، وعدم السماح ببيع البيوت لليهود، ودعم المؤسسات القانونية للدفاع عن القدس، وإعادة الاعتبار لقضية القدس، وتوفير دعم مادي ومعنوي، وإيجاد إستيراتيجية إسلامية متكاملة؛ لحشد التضامن والإمكانيات، والتحوُّل للعمل، وترك الحديث؛ لأن عزة المقدسات ليست في أسرها، ولا قيمة لفلسطيني دون القدس، ولا سلام بالمنطقة دون القدس، ولا جدوى من المفاوضات العبثية، مؤكدًا أن الخطة المعروضة يمكن تنفيذها؛ لأنها تخاطب الجميع؛ الراعي والرعية بالبلاد الإسلامية.

 

ميراث الرسول

وحول "أهمية المسجد الأقصى في الإسلام" تحدث د. أحمد أغير أقجا عضو اتحاد العلماء المسلمين فقال إن من يقول إن هذا ليس مكان الأقصى عليه إدراك أنه يقف ضد القرآن!! وأسألهم: ماذا يعني  قوله تعالى ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ (الإسراء: من الآية 1)؟! فعليهم مراجعة أنفسهم، وعلى اليهود تذكُّر أنهم عصوا الله تعالى، قال سبحانه: ﴿لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: من الآية 124) فالصهاينة هم الظالمون.. ألم يعصوا نبيهم موسى عليه السلام؟!، ومن ثم لا حق لهم بالأرض المقدسة وإنما ﴿أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: من الآية 105).

 الصورة غير متاحة

الجلسة الأخيرة لمؤتمر المسجد الأقصى بإسطنبول

 

وأضاف: المسجد الأقصى ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد توفي الرسول ووجهه متجه للأقصى الذي هو هدية صلاح الدين الأيوبي، والأسر والاحتلال لن يستمر، وانتصار غزة خطوة نحو تحرير القدس، وسنأخذها بالسلام، وإذا لم يكن، فسيقوم أحفاد صلاح الدين بتكرار فتح القدس، وسيقوم أمير للمؤمنين بهذا إن شاء الله.

 

وأكد محمد دميرجي (جمعية تراثنا بتركيا) أن فتح القدس كان بتوصية لرسول الله فوحَّد المساجد الثلاثة التي ذكرها الرسول، والخليفة عمر أوقف القدس كلها، فلا يجوز بيع شبر منها، وعزة الأمة الإسلامية جاءت بفتح القدس، وفقدانها يعني فقدان العزة والكرامة، ولم تسقط القدس إلا بضعف المسلمين.

 

وشرح بالصور الدكتور طوفان بوزبينار عضو اللجنة الفنية التركية لبحث حالة الحفريات كيف تعمَّد الكيان الصهيوني تدمير محيط حائط البراق عام 67 لتحويله للميدان القائم اليوم وإطلاق تعبير "حائط المبكى" عليه، وأضاف قوله: إذا كانوا يدَّعون احترام الأديان فيجب الاعتراف بحقوق المسلمين، خصوصًا ما يقومون به عند باب المغاربة، وأرى الحل الدائم على شكل التطبيقات العثمانية في القدس لمدة 4 قرون بإعطاء الفرصة لأصحاب الأديان للعيش بحرية.

 

صامدون

أما المحور النقاشي الثاني فتعرَّض لمخطط قوات الاحتلال الصهيونية في تخريب وهدم الأقصى وتهويد القدس، وشارك فيه من فلسطين ذكي إغبارية، وكمال الشريف، وخليل طوفكجي، وحسن صنع الله، وفاضل وشاحي، وترأسها أحمد فاروق أونصال (تركيا)، فقال إغبارية في تناوله لأوضاع المساجد والآثار والمقابر الإسلامية بالقدس: إنها بحاجة إلى ترميم وصيانة دائمة، في وقت يمنع الاحتلال فيه هذا الترميم؛ لسعيه لتهويد القدس، داعيًا إلى وضع خطة مسح ورصد وتدوين شاملة لتلك الآثار لحمايتها.

 

وفي كلمته قال كمال الشريف (وزير فلسطيني سابق): إن بريطانيا ساعدت الوكالة اليهودية عام 48 بمنحها أراضيَ فلسطينية لا حقَّ لهما فيها، واليوم يهدمون البيوت ويشرِّدون أصحابها بقرارات وتهديدات، وبتحويل المواطن الفلسطيني إلى مقيم أجنبي بالقدس، وانتزاع وثائق الهُويَّة الفلسطينية، واستوطنوا 250 ألف صهيوني حول القدس، ويمنعون البناء للفلسطيني، ويهدمون المبنى، وإغلاقهم المؤسسة الفلسطينية؛ لضرب الاقتصاد وإضعاف المسلمين، ويقومون بحملة تطهير عرقية مكثفة لتهويد القدس وطالب بالتوحُّد لكي يحترمنا العالم.

 

فاضل وشاحي (فلسطين) في مداخلته للحرب على غزة، أكد أنها كانت بالون اختبار يجسُّ نبض الأمة لمعرفة وضعها عند احتلال القدس، وهدم المسجد الأقصى، ومن هنا تساعد مؤسسة القدس المقدسيين على الصمود، ومنع الاحتلال من تنفيذ خطة تهويد القدس كاملاً عام 2020م، ولكنا نقول للجميع: نحن صامدون، لكن كونوا معنا، ولا تتركونا بمفردنا.

 

وشرح الدكتور خليل تافكجي (فلسطين) بالصور كيف أن كيلو مترًا واحدًا حول الأقصى فيه اليوم 30 ألف فلسطيني مقابل 4 آلاف صهيوني، مؤكدًا صمود الفلسطينيين، واستدرك قائلاً: لكن لا نعدكم بالنصر النهائي؛ لأنه من نصيب الأجيال القادمة، مشيرًا إلى على عدم عثور المحتل في حفرياته أسفل الأقصى على أي دليل يثبت ادعاءاته المطالبة بحقوق في الأقصى.

 

فيما وجه الدكتور حسن صنع الله (فلسطين) انتقادًا لمن يستخدم عبارة "حائط المبكى" بدلاً من "حائط البراق" خلال المؤتمر، فشرح موقف وأكاذيب المحتلين وتزييف الحقيقة، مؤكدًا عدم وجود أي حق لهم في جدران الأقصى لكي يبكوا عليها وأمامها.

 

وحذَّر صنع الله من مخطط توسيع ما حول القدس، وضمّ أراضٍ من الضفة إليها، وبنائه الجدار العازل للفصل التام والمحاصرة؛ تمهيدًا لإعلان القدس عاصمة للدولة العبرية عام 2020م.

 

أحمد فاروق أونصال (تركي) ترأَّس المحور الثاني، وقال: كنا نتمنى حضور غير المسلمين للمؤتمر ودعوناهم فعلاً، لكنهم لم يحضروا، ومنهم باحث عبري من أصل روسي، تنصَّر مؤخرًا وكتب للمؤتمر ورقةً صغيرةً يتهكم فيها على الجدار العازل، ويؤكد أنه واقعة متكررة في حياة "الدولة الإسرائيلية" تحدث بأشكال مختلفة.

 

المجتمع الدولي

المحور الثالث لمؤتمر المسجد الأقصى بإسطنبول دار حول دور المجتمع الدولي لمنع مخطط تهويد القدس وحمايتها، وشارك فيه الشيخ راشد الغنوشي وعبد الناصر إغبارية(فلسطين) والشيخ إبراهيم جابريل (جنوب إفريقيا) وأحمد أمين داغ (تركيا) وأبو سيد ليجا (الفلبين) وعصام حلاق (كندا)، وترأَّسه مصطفى أوزجان (تركيا) الذي شدَّد على الخطورة الكبيرة التي يتعرض لها المسجد الأقصى والقدس، في ظل الحكومة اليمينية العنصرية المتطرفة بقيادة حزب اللكيود، ومن ثم يلزم مراعاة اليقظة والدقة في السنوات القليلة القادمة؛ لأنهم يستعدون للانقضاض على المقدسات لبناء هيكلهم المزعوم، وأبرز دور تركيا في الدعاية للقضية في المجتمع الدولي، والوقوف بجوار العرب لاستعادة المقدسات.

 

وطالب الشيخ الغنوشي تركيا الجديدة بتحمل مسئولية ضياع فلسطين والأقصى وقت حكم العثمانيين؛ لأن العثمانيين الجدد هم ورثة العثمانيين القدامى، ومساعدة الفلسطينيين على استعادة المقدسات التي دخلت مرحلةً خطرةً جدًّا، على الجميع التيقظ لها.

 

عبد الناصر إغبارية في مداخلته تحدث عن مشروعات مؤسسة القدس العالمية داخل فلسطين المحتلة لدعم الصمود الفلسطيني، مؤكدًا الاستمرار في إعمار الأقصى بالمصلين يوميًّا وليل نهار؛ لمنع أي محاولة من الاستيلاء عليه، وننتظر دعم العالم الإسلامي لمشروع "بيارق الأقصى".

 الصورة غير متاحة

 المؤتمر شهد حضورًا كثيفًا

 

أما الشيخ إبراهيم جابريل فاستعرض جهود بلاده في دعم الأقصى والقدس، وطالب بالتوحُّد واتباع منهج القائد صلاح الدين الأيوبي بالتوحيد مدينةً مدينةً، وإعداد القوة، منتقدًا ازدواجية تطبيقات منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن مع البلاد الإسلامية، مشيرًا إلى دعم نيلسون مانديلا للقضية الفلسطينية، ودعم المسلمين بجنوب إفريقيا لحماس والجهاد.

 

في ختام المؤتمر مساء السبت 25/4 قرأ الدكتور أحمد أمين داغ بيانه المتضمن 18 توصية؛ أهمها مطالبة الكيان الصهيوني بسداد تعويضات عن أعمال الحفر تحت الأقصى، ومطالبة المجتمع الدولي بفرض عقوبات على الإخلالات الصهيونية بالقرارات والقوانين، مع تشكيل لجنة لجنة قانونية لمتابعة القرارات المتعلقة بالأقصى.

 

وأوصى بتطوير عمل منظمة المؤتمر الإسلامي مع حملة توعية مكثفة، وتحويل النضال للعالمية، وتأكيد كون الأقصى ميراثًا لكل المسلمين، وحثّ الأمم المتحدة ومجلس أمنها على هدم الجدار العنصري، وإنهاء مراقبة المصليين في الأقصى من المحتل، وإنشاء صندوق أهلي لرعاية شئون الأقصى، مع إعلان يوم للأقصى عالميًّا؛ لمنع مخطط الهدم والتهويد.